رحل عن دنيا الناس الفيلسوف المغربي عبد العالي العمراني جمال، المتخصص في الفلسفة اللاتينية وفلسفة المسلمين، في سنة عيشه الحادية والثمانين، بعد عطاء بارز بلغات متعددة، شمل التراث الفلسفي للمسلمين واليونان، وتاريخ العلوم، واللغة ونحوها في علاقة بالمنطق.
الأكاديمي، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون الفرنسية، عمل باحثا بالمركز الوطني للبحث العلمي بباريس، وسبق واشتغل مديرا للبحث العلمي بالمركز الفرنسي، وكان أستاذا زائرا في عدد من الجامعات، من بينها دار الحديث الحسنية بالرباط، وتوج بـ”وسام التميز العالي” من معهد الدراسات الإبستمولوجية ببروكسيل والمدرسة العليا للترجمة بطنجة وجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، خلال الجامعة الربيعية لسنة 2019.
ونعى الفيلسوف محمد المصباحي “عبد العالي العمراني جمال، الذي كان عضوا فعالا في الحلقات الرشدية الخمس ‘Symposium Averroicum’ التي انعقدت أول مرة في فاس وكولونيا وهارفارد، والخامسة والأخيرة في مراكش في الذكرى 800 لوفاة ابن رشد بها سنة 1998؛ وقد عُرف عنه أنه كان وفيا للجمع بين الفلسفة والتصوف مع ميل للتصوف”.
وكتب الأكاديمي أحمد الفراك أن “الفيلسوف المغربي عبد العالي العمراني جمال باحثٌ مقتدر (…) يشتغل في الظل ويكره الظهور؛ خبر التراث الفلسفي الإسلامي ولا يكتفي باستعادة التاريخ، بل يسعى إلى تفكيك الآليات التي تشكّل من خلالها ‘اللوغوس’ العربي في تقاطعه مع الموروث اليوناني، ويتمحور اشتغاله الفلسفي حول إشكالية ‘المنطق والنحو’، وهي المنطقة الحدودية التي تتصارع فيها كونيّة المنطق الأرسطي مع خصوصية النسق اللغوي العربي؛ فهو يرى في هذا الصراع ليس مجرد خلاف سجالي بين السيرافي والفارابي، بل لحظة تأسيسية لاكتشاف حدود العقل اللساني وقدرته على استيعاب القوانين الكلية للفكر”.
أما الأستاذ الجامعي بمراكش محمد صلاح بوشتلة فشهد على “رجل فيلسوف خبر مسالك الفلسفة، وانتهى إلى يقين أن العلم إذا لم يُثمر سكينة في القلب بقي علما ناقصا لا يعول عليه”، وواصل: “برحيله تفقد مراكش أحد أبنائها المخلصين، وتفقد نموذجا نادرا وجميلا جمع بين الفلسفة والتزكية، بين المعرفة بأرسطو وابن رشد والمعرفة بابن عربي وسيدي بلعباس السبتي، وبين دقة الفكر ورقة الروح، وبين نور العقل وأنس القرآن”.
وقبل شهرين كتب الطيب ولد العروسي، مدير كرسي بمعهد العالم العربي بباريس، في جريدة “العرب”، مقالا حول مسار العمراني جمال، قال فيه إنه “نموذج للمثقف الموسوعي الذي لا يكتفي بالتخصص الضيق، بل ينفتح على مختلف حقول المعرفة، مستندًا إلى تكوين علمي رصين جمع بين الثقافة العربية الإسلامية والتراث الفلسفي الغربي”، مضيفا: “لعبت معرفته العميقة باللغات العربية والفرنسية واللاتينية دورا محوريا في تكوينه العلمي، إذ أتاحت له العودة إلى النصوص الأصلية في الفلسفة والتاريخ والفكر الديني، ومقاربة القضايا الفكرية الكبرى من منظور مقارن يجمع بين التحليل التاريخي والنقد الفلسفي”.
كما تطرق الأكاديمي نفسه إلى ما يشغله التصوف من “مكانة أساسية في فكر الدكتور العمراني”، قبل أن يستدرك قائلا: “لا يتعامل مع التصوف باعتباره مجرد تجربة روحية منفصلة عن العقل والعلم، بل يراه بعدًا جوهريًا في التجربة الإنسانية ومكملًا للفكر الفلسفي؛ فالتصوف عنده ليس هروبًا من الواقع، ولا انقطاعًا عن العالم، بل هو سعي إلى تحقيق التوازن بين العقل والروح، وبين المعرفة والتجربة الوجدانية”، وزاد: “إنه يرى أن الإنسان لا يمكن فهمه فهمًا كاملًا من خلال المقاربات العقلية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى استكشاف أبعاده الروحية والأخلاقية، ومن هذا المنطلق يقدم قراءة للتصوف تقوم على الحوار بين الفلسفة والروحانية، وتدعو إلى تجاوز التعارض المصطنع بين العقل والإيمان؛ ولذلك جاءت أعماله الفكرية محاولة لإعادة الاعتبار إلى البعد الروحي في الثقافة الإسلامية ضمن إطار عقلاني ومنهجي متوازن”.
ثم ختم ولد العروسي شهادته على مسار الفيلسوف والأكاديمي المغربي الراحل بقوله: “عرف الدكتور العمراني بمواقفه الثابتة تجاه القضايا العادلة، كما يُعد من المثقفين الذين حافظوا على استقلاليتهم الفكرية ولم يسمحوا للضغوط أو الإغراءات بأن تغير قناعاتهم أو مواقفهم؛ ولذلك بقي مثالًا للمثقف الملتزم بقيم الحقيقة والعدالة والحرية، والمؤمن بأن دور المفكر لا يقتصر على إنتاج المعرفة، بل يمتد إلى الدفاع عن القيم الإنسانية الكبرى”.
الفلاسفة والعلماء والباحثين المغاربة لا نسمع بهم حتى يغادروا دنيا الناس.
لا حول ولا قوة الا بالله وانا لله وانا اليه راجعون
رحمه الله واسكنه فسيح جناته كان حاملا لكتاب الله جعله الله له ثباتاعند السؤال ومثقالا عند الميزان وشفيعا بعد الحساب و صراطا للجنة وارتقاء بالفردوس (اقرا وارق).
إلى صاحب التعليق 1
ما قلته هو دليل قاطع على أنك لا تقرأ، ويديك لم تمسك كتاباً واحداً في حياتك. فلو كان لك شغف بالقراءة، لاطلعت على الأقل على كتاب واحد للفيلسوف العمراني. وإلا فكيف لك أن تسمع به أو بغيره من المثقفين والكتّاب والشعراء وبما يدور في الساحة الثقافية الوطنية، وأنت منشغل بأسعار خيزو وماطيشيا ولحوم الدجاج، وتقضي ما تبقى من وقتك في التسكع على مواقع التواصل الاجتماعي لتغذية عقلك بمحتوياتها التافهة.
هذا هو واقعك، بلا تزييف ولا نفاق يا صديقي.
ربما كنت تنتطر ان يعتلي هؤلاء المثقفون منصات موازين لكي تعرف بوجودهم أليس كذالك يا صديقي الذي لا يقرأ؟
المثقيون والعلماء يعرفهم ويسمع بهم الناس في المكتبات والندوات والمحاضرات التي لا تطأها قدماك. فكيف تريد أنت تعرفهم وتسمع عنهم؟
قامة فكرية كبيرة،رحم الله الدكتور العمراني ،الرجل الراقي المثقف الذي يعكس طبيعة المغربي القح المتشبع بالقيم النبيلة و التربية المغربية الأصيلة.
خسارة كبيرة
الاستاذ عبد العالي جمال العمراني نموذج الاكاديمي الجاد والمتواضع. رحمه الله ونفع بعلمه واخلاقه