مشاهدات من أديس أبابا (3) .. فنجان قهوة إثيوبية تستدعي ذاكرة الحبشة

مشاهدات من أديس أبابا (3) .. فنجان قهوة إثيوبية تستدعي ذاكرة الحبشة
صورة: هسبريس
الثلاثاء 11 غشت 2026 - 01:00

رائحة الحبشة

في طريق العودة من مقر الاتحاد الإفريقي، لم تكن عيناي هذه المرة هما من تقودان الرحلة، بل أنفي. فقد تسللتْ إليّ رائحة البن المحمص من زقاق جانبي، وكأنها تناديني. تركتُ الرصيف الذي كنت أسير فيه، ومضيتُ خلف الرائحة حتى قادتني إلى ركن صغير يكاد يختبئ إلى جانب مقهى عصري.

هناك كانت سيدة إثيوبية تدير مقهى تقليديًا لا تزيد مساحته على بضعة أمتار؛ لكنه بدا أكثر دفئًا من كل المقاهي الحديثة التي مررت بها في ذلك الصباح.

لم تكن من ذلك الجمال الذي يلفت الأنظار من النظرة الأولى، بل من الجمال الذي يزداد وضوحًا كلما تأملت صاحبه؛ جمال لا تصنعه مساحيق التجميل، بل تصنعه ملامح اعتادت العمل. ذكرتني ببعض نساء قريتي أم الرمان بزاكورة، وكل نساء النواحي اللواتي لم تكن الحياة تمنحهن رفاهية الاهتمام بالمظهر، ومع ذلك كن يمتلكن ذلك النوع من الجمال الذي يسميه أهل الجنوب عندنا: “تِمِّيرْخْتْ/ الملوحة”.

والملوحة ذلك الجمال الذي يختصره المثل المغربي الدارج “لي زين زين وخا ما يعوم من الاثنين للاثنين”.. جمال الصدق، لا جمال الزينة.

جلست أمام موقد صغير من الفحم، تعلوه آنية سوداء مخصصة لتحضير القهوة؛ بينما اصطفت أمامها كؤوس زجاجية صغيرة تشبه إلى حد بعيد كؤوس “الفرازي” التي نعرفها في المغرب. ابتسمتُ وأنا أرى كؤوس “الفرازي”. آلاف الكيلومترات تفصل بين جنوب المغرب وبين مرتفعات الحبشة، ومع ذلك استطاع كأس زجاجي صغير أن يشعرني بأن الوطن لا يسافر دائمًا معنا في الحقائب؛ بل قد نجده أحيانًا فوق طاولة غريبة.

امتزجت رائحة البن المحمص برائحة الجاوي المتصاعدة من مبخرة صغيرة، حتى بدا المكان كله غارقًا في عبق لا يشبه أي مقهى عرفته من قبل.

وكان لصوت المكان نصيبه أيضًا. فرقعة الفحم، ورنين الكؤوس الزجاجية الصغيرة، وهمسات الزبائن، كلها كانت تشكل موسيقى هادئة لا يسمعها إلا من ينسى هاتفه قليلًا ويصغي إلى الحياة وهي تمضي ببساطة.

وعلى الأرض، كانت تنتشر أعواد من العشب الأخضر الطازج، كأن الطبيعة نفسها حضرت لتشارك في هذا الطقس. علمت فيما بعد أن نثر العشب جزء من مراسم القهوة الإثيوبية، يرمز إلى الحياة والبركة واستقبال الضيف، وأن إعداد القهوة هنا ليس مجرد تحضير لمشروب، بل احتفاء بلحظة اللقاء.

ولم يكن ذلك غريبًا؛ فإثيوبيا تُعد، في نظر كثير من الباحثين، الموطن الأصلي لنبتة البن العربي (Coffee Arabica)، ومنها بدأت رحلة هذا المشروب نحو اليمن، ثم إلى بقية أنحاء العالم. لذلك، لا تبدو القهوة هنا مجرد عادة يومية؛ بل جزءًا من الذاكرة الوطنية، ومن هوية الناس أنفسهم.

في تلك اللحظة، أدركتُ أنني لم أدخل مقهى، بل دخلتُ فصلًا من الثقافة الإثيوبية؛ فالقهوة هنا لا تُشرب على عجل، ولا تُقدَّم لإطفاء العطش، بل لتمنح الزمن فرصة كي يتباطأ، ولتفتح باب الحديث بين الغرباء قبل الأصدقاء.

كان بعض الشبان يحتسون قهوتهم وهم يراقبون هذا الغريب الذي يحمل هاتفين في يده وفضوله في آن واحد. ربما بدا مشهدي غريبًا لهم: رجل يحمل هاتفين، يصور كل شيء، ويتوقف عند أبسط التفاصيل. أما أنا، فكنتُ أشعر بأنني لا أوثق مدينة؛ بل أوثق اللحظة الأولى التي تتغير فيها فكرتي عنها.

بادلتهم الابتسام، وحييتهم بالإنجليزية، فاكتفوا بابتسامات دافئة دون أن يقولوا شيئًا.

لم أكن أعرف من اللغة الأمهرية سوى كلمتين علمنيهما السائق عبديل في طريقي من المطار: “أماسَاڭنالُوْ” وتعني “شكرًا”، و”كونجو” وتعني “جميل”؛ لكنني اكتشفت، مرة أخرى، أن الابتسامة لغة لا تحتاج إلى ترجمة، وأن الإنسان يستطيع أحيانًا أن يشعر بالترحيب، حتى عندما لا يفهم حرفًا واحدًا مما يدور حوله.

أشرت إلى صاحبة المقهى بيدي طالبًا فنجانًا من القهوة. كنتُ قد شربتُ رائحتها بأنفي، وحان الوقت أن أتذوقها بلساني.

فهمتُ قصدي على الفور، ثم بادرتني بابتسامة قائلة:

ـ السلام… تريد قهوة؟

توقفتُ للحظة. كانت أول كلمات عربية أسمعها منذ أن وطئت قدماي أديس أبابا. تنفستُ الصعداء، وضحكتُ تلقائيًا، ثم قلتُ مازحًا:

ـ الحمد لله… أول عربية ألتقيها هنا!

ابتسمت وهي تهز رأسها، ثم صححت لي بهدوء:

— لا… أنا من الحبشة.

الحبشة!! استوقفتني الكلمة نفسها قبل معناها. لم أسمعها منذ سنوات طويلة، حتى خُيّل إليّ أنها خرجت من كتاب قديم أكثر مما خرجت من حديث يومي.

ولم تقلها باعتبارها اسمًا في كتاب تاريخ، بل باعتبارها وطنًا لا يزال حيًا في وجدانها. ثم فتحت تلك الكلمة بابًا واسعًا في ذاكرتي.

وما إن نطقت بكلمة “الحبشة”، حتى وجدتُ ذاكرتي تستدعي تلقائيًا فيلم “الرسالة” الذي شاهدتُه في طفولتي في إحدى ليالي رمضان، كما استحضرت قصة الهجرة الأولى، والنجاشي الذي آوى المسلمين الأوائل، وكل تلك الصفحات التي قرأناها في كتب مادة التربية الإسلامية.

لا أعرف إن ذُكرت الحبشة في فيلم “الرسالة” أم لا؛ لكنني تذكرت الكثير من أحداثه بمجرد أن نطقت سيدة القهوة كلمة “الحبشة”. فيلم “الرسالة” الذي تفرجت فيه ذات رمضان في طفولتي ذات ليلة قدر؛ لكن أحداثه بقيت في مخيلتي. كما أعادني كل هذا إلى دروس مادة التربية الإسلامية، وإلى قصة الهجرة الأولى، والنجاشي الذي آوى المسلمين الأوائل، وإلى تلك البلاد التي عرفناها في طفولتنا باسم الحبشة، قبل أن نتعرف إليها لاحقًا باسم إثيوبيا.

غريب كيف تستطيع كلمة واحدة أن تختصر قرونًا من التاريخ. لم تقل “شمال إثيوبيا”، بل قالت “الحبشة”، وكأن الاسم القديم لا يزال حيًا في الذاكرة الشعبية، تمامًا كما بقي حيًا في ذاكرة المسلمين. أدركتُ يومها أن بعض الأسماء لا تموت؛ لأنها لا تشير إلى الجغرافيا فقط، بل إلى قصة مشتركة بين الشعوب.

مدت إليّ فنجان القهوة، ثم أشارت إلى إناء صغير مملوء بالسكر وإلى ملعقة دقيقة، تاركة لي حرية أن أختار مذاقها كما أشاء. أدركتُ عندها أن الضيافة الحقيقية لا تفرض ذوقها على ضيفها؛ بل تترك له مساحة صغيرة ليكون على سجيته. لم أشرب القهوة على عجل، فالقهوة أخت الوقت، كما قال الشاعر؛ بل استمتعت بها وأنا أتأمل المكان والزمان. ولأول مرة شعرت بأنني لا أحتسي القهوة؛ بل أحتسي شيئًا من تاريخ هذا البلد.

غادرت المقهى بعد قليل؛ لكن رائحة البن بقيت عالقة في ملابسي. وعندما عدتُ إلى الفندق مساءً، أدركتُ أن بعض المدن لا تترك أثرها في الذاكرة أولًا، بل في الرائحة. وربما لهذا السبب يستطيع الإنسان أن ينسى كثيرًا من الوجوه؛ لكنه لا ينسى أبدًا الرائحة الأولى التي استقبلته بها مدينة أحبها.. وربما كانت تلك أول مرة أفهم فيها أن الطريق إلى معرفة بلد جديد قد يبدأ بخطوة؛ لكنه كثيرًا ما يكتمل بفنجان قهوة.

يتبع

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • عبد الكريم اوحمي
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 01:19

    كتابة بأسلوب رائع من الاستاذ ميمون ام العيد

  • ابراهيم
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 02:27

    لقد استمتعنا بماتكتبه عن اثيوبيا من أوصاف وملاحظات دقيقة وممتعة فيها تذكير ببعض جوانب من الحياة في قرانا.شكرالك ونتوق للمزيد من عندك.

  • ميري شريف المرسي
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 03:19

    سردية و وصف رائعين. حقاً فكما القهوة عندهم أخت الوقت . فالشاي المغربي الصحراوي عندنا هو ايضاً أخوهما الأكبر ، و يرتشف بعمامته الناصعة البياض بحضور الأحباب و أبناء السبيل ، تحت حر شمس الجنوب أو أمام جمال بدر مكتمل . لك ألف تحية أخ مميمون ابن البراري من أخ ابن الفيافي . حفظ الله من أراد خيراً بالمغرب شعباً وملكاً.

  • عبد السلام اطراشلي
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 05:50

    ممتع جدا أن أعيش لبعض الوقت وكل فجر مع زالئر للحبشة لم يبخل علينا من جهده وعمله… اقتسم معنا كل شيئ … شكرا جزيلا والله يجيبك على خير….

  • amazigh le vrais
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 06:59

    ما شاء الله، أنت تشبه والدك لحسن كثيراً، الذي كنت أعرفه جيداً عندما كنت صغيراً. كان يبيع في السوق. رحمه الله.

  • الصديق
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 09:35

    وكذالك اتذكر بلاد الآفار وعيسى غير بعيد من الحبشة.

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 2

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33 6

تعليقات على النتائج الانتخابية

صوت وصورة
شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين
الأحد 27 شتنبر 2026 - 18:08

شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين

صوت وصورة
أزمة الكراء في سلا
الأحد 27 شتنبر 2026 - 13:17 8

أزمة الكراء في سلا