كثيراً ما كان يتساءل متأففا وسط رزم أوراق مبعثرة، ونظراته الحادة لا تنفك تحدجني في دلال:
“..ترى هل كان الجنرال خورخي سعيدا، حينما اختار هذا الصقع إقامة له..؟”
يرد عليه في اقتضاب:
“موقع هادئ .. محصن بالمياه شمالا وبالجبال جنوبا..أشبه بمحمية عسكرية… شهدت على مر التاريخ الكولونيالي معارك طاحنة، أبلت فيها المقاومة البلاء الكثير..”
لكم كان يروق له تفقد المجموعات المدرسية في عز الشتاء، ويعتبر ذلك اختبارا للتفاني في العمل والتضحية، رغم المعارضة الشديدة التي كان يلاقيها من قبل طاقم الجهاز التربوي الذي يسجلها في خانة (المباغتة والترصد).
والقصة التالية تدور رحاها بين الحسيمة وتارݣيست وصولا إلى إساݣن ومن ثم إلى تيزي تشن.. بشخوص تختلف صفاتهم المهنية، من القائد والمقدم والمدير والمخزني والسائق والمعلم… داخل بيئة جغرافية تتسم بقساوة الطبيعة ووعورة المسالك .
انطلاقة الحسيمة
كان يقطن حيا محاذيا لشاطئ كيمادو، يدعى”الباريو” ، في أحد أيام يناير الباردة، وفي جوف الليل، تناهت إلى مسامعه وقع خبطات على الباب مصحوبة بصراخ حاد:
“..آسي…مجدوب…آسي مجدوب! ”
علم أنه هو بصوته وسعاله الحاد، فلم يجد بدا من ارتداء معطفه وتأبط محفظت البنية القديمة.
كانت سيارة Jeep هناك، يختلط دخان محركها بدخان سجائر سي الفرسيوي . شرعت قطرات المطر تصفع الزجاجة الأمامية، ونحن نجدّ طريقنا في اتجاه تارݣيست ، لا يلبث سي الفرسيوي يولع سجائره الواحدة تلو الأخرى، وهو يتلمس الطريق خلف نظارة طبية سميكة، كانت الدنيا من حوالينا متشحة بالبياض، وغبش الفجر يمد خيوطه في الأفق البعيد، لم نكن نعلم أنه الصقيع الذي يلف المكان، فغشيتنا موجة من الضباب، مترنحة ومتقطعة حينا، وكثيفة حينا آخر، على بعد كلمترات فقط من مدينة تارݣيست، حيث تناولنا فطورنا قبل أن نستكمل الرحلة صوب مركز إساݣن

كانت الرحلة شاقة، بفعل منعرجات جبلية خطيرة، ولسعات البرد القارس التي شرعت تدب إلى أوصالنا، في منطقة شبه قفراء.
شعرت بدوار يأخذ برأسي، أغمضت عيني ودفنت رأسي بين ذراعي.. لم يكن الفرسيوي يأبه لحالي، ولا حانت منه التفاتة إلي، لكن سرعان ما غمْغمت إليه:
-“نوقفو شويا، آسي الفرسيوي..”
رد علي والأبخرة تتدافع من جوفه، لم أكن أدري أهي لسجائره أم لفوارة برودة الطقس..أم هما معا:
-“غير صبر شويا… قرابين نوصلو…”
-“واخا غير خمس دقائق…”
زمجر بصوت هادر:
-“واش بغيتينا نموتو بالبرد.. يقدر لموتور ما يديماريش وهذيك هيا لحصلا لكبيرة..اصبر..اصبر..اصبر مابقا والو”

مفاجأة من العيار الثقيل
بحلولنا بمركز إساݣن ، ارتأينا تقاسم المهام، على أن أقوم بزيارة فرعية هناك، فيما يذهب الفرسيوي إلى مركز القيادة، لتدبير أمر تنقلنا إلى مدرسة بتيزي تشن بأعماق الريف.
قادني أحد أعوان السلطة إلى مسلك المدرسة التي بدت جاثمة خلف أشجار الصنوبر، كانت عبارة عن حجرة دراسية مستقلة، أخذت أكوام الثلوج تحاصرها، لم يتبق منها سوى بوابة خشبية مهترئة ضيقة، ودخان يتعالى من إحدى جنبات سقف قرمودي من الطراز القديم.
فوجئت، وأنا بعتبتها، ببضعة غلمان (تلاميذ) يتحلقون حول كومة أخشاب تتقد نارا، أعينهم مسمرة على ألسنة اللهب، تدمع من شدة الأدخنة التي كانت تملأ الحجرة.
سألت بلهجة صارمة:
-“فين مشا المعلم ديالكم…؟!”
أخذوا يتبادلون نظرات بريئة، وهم مترددون، أيحجمون عن الاصطلاء بالدفء ، أم يعودون إلى طاولاتهم، وفيما هم كذلك إذا بشخص يلج الحجرة على أثري ويقف أمامي بنظرات؛ قرأت فيها الكثير، بادرني قائلا في توجس:
-“الأستاذ…الأستاذ..سمح لي كنت كنقلب على الغلاي ..”
قاطعته بلهجة التحدي:
-“الغلاي..!باش الطيب أتاي؟!…آجي بعدا..منين جاك لخشب باش شعلتي العافيا…”
-“كنت خايف…يموتو لي التلاميذ… مافيدّيا…إلا…”
لم يقو على التلفظ بها، فنهرته:
-“كيفاش…مابان ليك غير طبلة ديال المخزن ، واش ماعندكومش لحطب..؟!!”
بقي صامتا، وأعينه تتنقل من بين لوحات تتقد جمرا، وسبورة تحمل كتابة باهتة لحصة قراءة بعنوان (في الطائرة)!

بمقر قيادة إساݣن
على الفور، التحقت بالفرسيوي ،داخل مقر القيادة، كان المبنى من الطراز الإسباني القديم، مع توسيع لبعض جنباته، يغمرك الإحساس بالدفء وأنت تذرع ردهاته والتي تعرف حركة دؤوبة، بفعل الشيوخ والمقدمين والمخازنيا والمواطنين، يغدون ويروحون، أشار إلي بعضهم بالانضمام إلى الفرسيوي الذي كان ينتظر قائد المنطقة، مال علي هامسا، وأنا اقتعد إلى جواره:
-“راني غادي نتفرݣع…!”
-“علاش ياك لاباس…”
-“الكميان ممنوع..خفت نخرج نكمي ويدخل القايد…”
-“غير سير…محدني هْنايا ”
ولسوء حظه، ما إن هم بمغادرة المكتب حتى لقي القائد يدخل في عجلة من أمره، كان ذا بنية نحيفة، يمسك في إحدى يديه “الصانفيل” ملوحا بأخرى، وقضيب السيجار يرتجف بين أصابعه، يلغط..يتوعد..يأمر…وقبل أن يستوي في أريكته التفت إلى الفرسيوي معاتبا:
-“هذا الناس زاغو بزاف…والمخزن ولله الحمد فالبلاد..إلى ماغاديش يقريو ولاد الشعب، غادي ندير اللازم..”
الفرسيوي مقطبا:
-“علاش احنا جينا آسعادة القايد… واخا فهذا شليمان دلبرد..”
-“كولشي ليتحتاجوه موجود.. الطوموبيل معا الشيفور والمقدم والمخزني، غير حمرونا لوجه”.
على الفور ظهرت في الباحة سيارة مرسيدس لماعة، وكأنها خرجت للتو من مصنعها ، اعتقدوا في البداية أنها لمسؤول موفد من وزارة الداخلية.
في الطريق إلى تيزي تشن
كنا خمسة، بالتحاق المقدم والمخازني ومدير المجموعة المدرسية، إضافة إلى السائق. لم أر مثيلا لوعورة الطريق، فبدت المرسيدس تشق طريقها بمنعرجات وسط الأدغال، أشبه بأفعى تترصد ضحاياها، لم ينفك السائق عن السيجار الذي يعب منه وينفث داخل فضاء السيارة، بإحدى أصابعه اليسرى كان يلمع فص خاتم ذهبي ضخم، مِلت على المدير بجواري هامسا:
-“من تكون هذه الشخصية؟!”
مطط شفتيه قبل أن يجيب:
-“من ياترى أن يكون…(العربي الباندا) كان تلميذا فاشلا، ترك الدراسة منذ أن التحقت بهذه المجموعة، لكن لم يلبث أن تعاطى…”
سكت قليلا وهو يحدق في مرآة السائق:
-“العشبة..هي التي بوأته هذه المنزلة حتى صار من المقربين أصحاب النفوذ…”. ساد صمت رهيب ونحن نعبر الجداول والسواقي بحذر شديد، وسط أحراش غابوية كئيبة، لكن فجأة نظر السائق في المرآة مزمجرا:
-“شوفو آشرفا..خاصكوم تربيو مزيان الأساتذة دياولكم…ويلا مقدرتوش.. راني غادي ندير اشرع يديا…غير هادي سيمانا باش تعشينا فدار البصري… راكو عارفين اشكون هوا البصري..”
سارع الفرسيوي إلى استفهامه:
-“واش كيغيبو… ولا مخدامينش مزيان..؟”
قاطعه السائق، ملوحا بسيجاره:
-“لا…لا…ماشي هكدا…آش جابهوم يهدرو على الحلال والحرام…ويقولو للتلاميذ بيلي هدا اجوامع تبنات بلفلوس ديال “الكيف” …”

أعقبتها نظرات الاستغراب، تبادلها الجميع في صمت .
ما إن أشرفنا على منحدر صخري، عند مفترق طرق موحلة بالطمي.. حتى كسر المقدم ذلك الصمت المريب قائلا بصوت متهدج مشيرا إلى مكان ما:
-“عاد البارح جبرو جوج مقتولين هنا…قدّام ديك الصخرة، واحد بالموس والاخور مشنوق” ، أردفه المخازني:
-“تقريباً يوميا حوادث القتل..فهدا لبلاصا..بحال الطريق الحريري للكيف… وعقد الصفقات بين المهربين..” ، قاطعه السائق بتأفف ، محاولا تغيير مسار الحديث:
-“راه احنايا قرابين للمدرسة.. ولكن باين ليا مزال عندهم لعطلة!..هادي شهر…”
انتابتنا الدهشة، أنا والفرسيوي، ونحن على مشارف تيزي تشن، لم يبد لنا أثر للتمدرس هناك.. كانت هناك أربع حجرات من البناء المفكك tres fabriqué ، بدت أبوابها موصدة، علت إحداها مدخنة، تراءت لنا من بعيد وهي تقذف بأدخنتها في مهب رياح عاصفة.
توقفت السيارة، وترجلنا أنا والفرسيوي في اتجاه إحدى الحجرات، وفي أثرنا كان المدير يخطو بخطوات متثاقلة. طرقنا الأبواب واحدة تلو الأخرى، فلا أثر لتلميذ ولا معلم… لم يكن من الفرسيوي إلا أن استوقف المدير، ونهره قائلا:
-“كيفاش عندك هدا الكارثة وانتا ساكت عليها… دابا نتفاهمو من بعد…”.
أدرت مغلاق حجرة، ألفته مفتوحا، ولجت إلى الداخل، سرحت ناظري إلى السبورة، فوجدتها تحمل تاريخا يعود إلى الماضي بشهر كامل، عمدت إلى منضدة هناك، كانت مغبرة لا تحمل سوى أنبوب قصير من الكواتشو، فتحت الدرج، وعثرت على قناة خشبية ذات رأس محدبة، معدة لتدخين….
عدت أدراجي، فيما كان المدير يتقدم صوب باب بدا منفرجا، أخذ يطرقه بشدة، أحياناً يصرخ بصوت مبحوح:
-“آسي الحشلوجي…آلحشلوجي… الحشلوجي..”
تواصلت الطرقات والكل يترقب، وعلى حين غرة فتح الباب..وظهر شخص ملتح، كادت لحيته المصفرة أن تأتي على سطيحة وجهه بالكامل، فغر فمه، وعيناه تنظر إلى الأفق البعيد وكأنه أحول، ظهرت سن بارزة، ربما كل ما تبقى له في فمه:
-“آشكون… مزالا العطلة…”
فردعه المدير متوعدا:
-“ياك آسي الحشلوجي…شحال هدي باش تسالات العطلة…خاصكوم اقتطاع كبير”. ما إن انتهى إلى مسامعه كلمة (اقتطاع) ، حتى سارع إلى المهادنة:
-“شيباس مكاين آسي العياشي..آش الدانا لشي اقتطاع…” ، لكن الفرسيوي التفت إلى المدير مقطبا، وبصوت متهدج:
-“غادي تجي عندي غدا للحسيمة، وهدا ارْباعا دلمجرمين جيب فيديك لملفات ديالهوم باش يدار ليهم توقيف الحوالة ويدوزو فمجلس التأديبي…”
تعتبر بحق من الروائع التي ما فتئ الأستاذ سي مجدوب يتحف بها قراءه عبر هذا الموقع الرائد، كانت جولة ممتعه عبرت بنا مناطق جغرافية بأعماق الريف، انطلاقا من مدينة الحسيمة إلى تيزي تشن مرورا بمحطات تارجيست وإساغن، حملت معها ظروف التعليم والمعاناة التي عرفها التلاميذ وهم يجتازون المسافات الطويلة وصولا إلي مدارسهم في ظروف طبيعية جد قاسية، قلما يصمد لها هؤلاء، كما وقفنا على “المعلم” الذي عمد إلى الطاولة ليضرم فيها النار للتدفئة، القصة هي حوار ممتع مع الطبيعة والتعليم والتهريب والسلطة والقانون… ربما يعود بنا زمانها إلى أواخر التسعينيات من القرن الماضي، سلمات
قصة تجسد واقعية وجرأة في الطرح، لا تختصر الواقع، بل تسلط الضوء على مفارقات مؤلمة؛ كتلاميذ يحتطبون من طاولات المخزن ليدفئوا أجسادهم، ومراكز تعليمية تحولت إلى ملاذات للغائبين والمنقطعين تحت سطوة الجغرافيا وتجار المخدرات. حوارها ولغتها السردية صفف بلغة عربية فصيحة أنيقة ومكثفة، تطعمه الحوارات بالدارجة المغربية بأسلوب مقتضب يمنح النصوص المشهدية حيوية وواقعية شديدة.
إنها قطعة أدبية تختزل حقبة كاملة وتصور التحديات الجسام التي كانت تواجه رجل التعليم والإدارة في “المغرب العميق”.
“ليس اليتيم مَن انتهى أبواه … إنّ اليتيم هو الذي تلقى له أمّاً تخلّت أو أباً مشغولا”
“The orphan is not he whose parents have died… The true orphan is the one who finds a mother who abandoned him or a father who is too busy”
أحمد شوقي
(1868-1932)
( شوقي يعيد تعريف اليتم بأنه فقدان الرعاية، لا فقدان الوالدين. في قصتك، أطفال “تيزي تشن” يتامى رغم وجود آبائهم، لأن الدولة كأب مشغول تخلّت عنهم.)
أستاذ عبد اللطيف،
قرأت رحلتك إلى تيزي تشن فلم أقرأ عن مدرسةٍ فقط، بل عن مرآةٍ كُسرت لوجه وطنٍ يزعم أنه يحمل همّ التعليم، بينما أطفاله يتدفأون بخشبٍ مسروق ومعلمهم يختبئ خلف لحيته الصفراء من بردٍ قارسٍ ومن خوفٍ أقسى.
ما صدمني ليس إهمال المدرسة فحسب، بل ذلك التناقض الصارخ بين سيارة المرسيدس الفارهة التي تقل مهرباً يهدد المعلمين، وبين حجرةٍ دراسيةٍ لا تجد حطباً لتدفئة تلاميذها، وكأننا في بلدين لا في بلد واحد.
وأتساءل معك: كيف لنا أن نبني مستقبلاً بأطفالٍ يقرؤون عن الطائرة في سبورةٍ باهتة، بينما حقيقتهم أنهم عالقون في جبلٍ لا يمنحهم سوى الضباب والوعورة وألسنة اللهب التي تدمع أعينهم؟
ALHOCEIMA
“هذه أقوال من ثقافات مختلفة العربية والإنجليزية والإسبانية والفرنسية تتحدث بصوت واحد عن مأساة إهمال التعليم، وكيف أن الفقراء هم أول ضحايا هذا الإهمال، كما في تيزي تشن.”
“أبكي المُعلم والتعليم من قلبي *** غدا يعيشان في بؤس ، وفي كربِ”
“I weep for the teacher and for education from my heart
Tomorrow they will both live in misery and in anguish”
(أحمد علي سليمان)
بيتان يرثيان المعلم والتعليم، ويصفان مصيرهما بالبؤس والكرب في المجتمع.
“ربٌَ علمِ أضاع جوهره الفقر وجهل غطى عليه الثراء”
“How often knowledge has lost its essence due to poverty… and ignorance has been concealed by wealth”
حسان بن ثابت
“أبناء الفقراء يحملون قلما.. وأبناء الوزراء يحملون سيفا.. وفي النهاية يصبح أبناء الوزراء وزراء.. ولا (أنباء) عن (أبناء) الفقراء!”
“The poor man’s children carry a pen, the minister’s children carry a sword… and in the end, the minister’s children become ministers, while the poor man’s children become nothing but forgotten news!”
جلال الخوالدة
( غياب تكافؤ الفرص )
ALHOCEIMA
“As every slumdweller knew, there were three main ways out of poverty: finding an entrepreneurial niche, politics and corruption, and education”
“كما يعرف كل سكان الأحياء الفقيرة، هناك ثلاثة طرق رئيسية للخروج من الفقر: إيجاد فرصة ريادة أعمال، والسياسة والفساد، والتعليم”
(التعليم هو أحد الحلول الأساسية للتحرر من الفقر.)
Katherine Boo
من كتاب Katherine Boo
(«خلف الجمال الأبدي: الحياة والموت والأمل في أحد أحياء مومباي الفقيرة»)
(مغرب السرعتين عن)
“The Kurmi [dominant caste] children are asked to sit in front. They chase away the Musahar [Dalit] children and feed the higher caste first. They give leftovers to our children”
“يُطلب من أطفال الكورمي (الطبقة المهيمنة) الجلوس في المقدمة. يطردون أطفال (الموساهار) المنبوذين ويُطعِمون الطبقة الأعلى أولاً. ويعطون بقايا الطعام لأطفالنا.”
من تقرير “” (Human Rights Watch)
هذا الاقتباس من تقرير Human Rights Watch عن التمييز الطبقي في مدارس الهند يُظهر كيف يُعاني التهميش في التعليم بأشكال متعددة، شبيهة بما يحدث في تيزي تشن.
ALHOCEIMA
“Apprendre à lire, c’est allumer un feu; chaque syllabe épelée étincelle”
“تعلُّمُ القراءةِ هو إشعالُ نارٍ؛ فكلُّ مقطعٍ يُهجّى يبعثُ شرارةً.”
Extraite du roman Les Misérables de Victor Hugo
(يشبّه هوغو القراءة بالنار التي تضيء العقول، بينما في مدارس تيزي تشن، النار الوحيدة هي التي يشعلها التلاميذ ليتدفأوا)
“La pauvreté, d’abord, n’a jamais été un malheur pour moi… Pour corriger une indifférence naturelle, j’ai été placé à mi-chemin entre la misère et le soleil”
“الفقر، أولاً، لم يكن أبداً شقاءً بالنسبة لي… لتصحيح لامبالاة طبيعية، وُضعت في منتصف الطريق بين البؤس والشمس.”
(Albert Camus)
( كامو، الذي عاش طفولة فقيرة في الجزائر، يرى أن الفقر لم يكن شقاءً لأنه وجد نوراً آخر. لكن أطفال “تيزي تشن” لا يجدون نوراً، لا في المدرسة ولا في الحياة )
“L’honneur est la dernière richesse du pauvre”
“الشرف هو آخر ثروة يملكها الفقير”
( يرى أن الفقير حين يفقد ماله، يبقى له شرفه كآخر ما يملك. لكن في المدارس المهملة، يُفقد الأطفال الشرف أيضاً حين يُتركون للجهل. )
(Albert Camus)
ALHOCEIMA
“En la cuna del hambre estaba mi niño… con sangre de cebolla se amamantaba”
“في مهد الجوع كان طفلي … بدم البصل كان يرضع.”
M Hernández
(الشاعر يكتب من سجنه عن طفله الذي يرضع من البصل بدل الحليب، صورة الفقر المدقع التي تذكّرنا بأطفال المدارس الجائعة في الجبال.)
“El hambre es la primera lección que aprende el pobre”
“الجوع هو أول درس يتعلمه الفقير”
M Hernández
يصف Hernández كيف أن الفقر يُعلّم أطفاله درساً قاسياً منذ البداية، قبل أي درس في المدرسة.
“Si yo me muero, dejad el balcón abierto. El niño come naranjas. (Desde mi balcón lo veo.) El segador siega el trigo. (Desde mi balcón lo siento.) ¡Si yo me muero, dejad el balcón abierto!”
“إذا مُتّ، فاتركوا الشرفة مفتوحة. الطفل يأكل البرتقال (من شرفتي أراه). الحصّاد يحصد القمح (من شرفتي أحسّه). إذا مُتّ، فاتركوا الشرفة مفتوحة.”
( García Lorca)
(رغم أن البيت ليس عن التعليم مباشرة، إلا أنه يرمز إلى رفض العزلة والانغلاق، تماماً كما يجب أن تظل مدارس الفقراء مفتوحة للحياة والمعرفة، لا موصدة كالتي في تيزي تشن)
ALHOCEIMA
تحية، أثخنتنا بتعاليقك الفذة الرائعة التي تجمع بين بعد النظر وسعة الاطلاع وجمالية العربية، دون أن نغفل توشيحاتك الانجليزية والتي تساهم بحق في إثراء الموضوع، حقا هذا الحقل كم من أقلام تكسرت على صخوره الصلدة وكم من أيادي النقد توجهت إليه، لكنه مع الأسف يظل في عمومه محل شكاوى وانتقادات لا حصر لها، لا أعلم ما إن كانت هناك أياد خفية وراء الستار تحرك العرائس كما شاءت، فقد خبرته لمدة تنيف عن أربعين سنة ومواقع مختلفة آخرها مفتش منسق تربوي بمقر الوزارة، ومع ذلك تظل هناك استفهامات مشروعة، حتى الآن تذهب بالمستقصي والباحث إلى استخلاص نتيجة رهيبة مفادها وجود لوبي متجدر لا يريد للتعليم أن تقوم له قائمة.ع.م
لكل مهنة متاعبها إلا أن رجال التعليم هم اكثر من يشتكي من ضمن كل القطاعات رجال الشرطة مثلا يشتغلون ضمنيا اربعا وعشرين ساعة ولا يجب عليهم اقفال هواتفهم وعليه أن يكون دائما مستعدين للحضور لمقرات العمل في الليل او النهار . عمال البناء ورغم أنهم يشتغلون بالحد الأدنى للأجور ودون تغطية إلا أنهم يشتغلون من السابعة صباحا الى الخامسة مع فترة راحة تستمر لساعة تتضمن الاكل وغالبيتهم يستغلها للنوم .
إلى 8
“Enlighten the people generally, and tyranny and oppressions of body and mind will vanish like evil spirits at the dawn of day”
“نَوِّرِ الناس عموماً، وسيختفي الطغيان وقمع الجسد والعقل كالأرواح الشريرة عند بزوغ الفجر”
Thomas Jefferson
(1743-1826)
( يرى أن التنوير والتعليم هما السبيل الوحيد لزوال الظلم والاستبداد )
أستاذي الفاضل،
واللهِ لا أملكُ إلا أن يتفطّر قلبي كلما رأيتُ حقلَ التعليم في بلدي الحبيب يغرق في وحلِ الإهمال، وأطفالَ الجبال يبحثون عن دفء الخشب قبل دفء المعرفة.
انظرْ إلى دول جنوب شرق آسيا، كوريا، سنغافورة، ماليزيا، بلادٌ كانت فقيرةَ الموارد، لكنها راهنت على التعليم فصارَت من قادة العالم، ورفعتْ شعبها من الفقر إلى الريادة في عقودٍ معدودة.
فما الذي ننقصه نحن؟ أهو المال؟ أم الإرادة؟ أم أن هناك أيادٍ خفية، كما قلت، لا تريد لهذا الصرح أن يقومَ له عمود، لأنها تعرف أن التعليم يحرر العقول ويهدم عروشَ الجهل والاستبداد؟
إننا نملكُ كل شيء: أرضاً، وشعباً، وإرثاً حضارياً عريقاً، لكننا نفتقدُ تلك الإرادةَ الصادقة التي جعلتْ تلك الأمم تنهضُ من تحت الرماد.
ALHOCEIMA
رغم أن رجل التعليم يضطلع بدور تربوي سام ويرتقي بوعي المجتمع ، إلا أنه هو نفسه قد جنى ثمار تكوينِ من سبقته من أجيال المعلمين. وفي تجارب عالمية رائدة كاليابان ، يحتفى مثلا بعيد عمال النظافة، في اعترافٍ لا منة فيه بأن كل مواطن يخدم وطنه من موقعه هو مواطن صالح ، لا يقل شأنا عن غيره ولا يعلو عليه ، فالعطاء للوطن واحد وإن اختلفت الأدوار . لذالك يبقى التعليم مهما ولكنه ليس أكثر من لبنة في جدار الوعي العام . وأنا على يقين أن التعليم نفسه يكتمل عندما ندرك أن سعادتنا لا تكتمل إلا إذا خلقت سعادة للمجتمع . عندما ندرك هذه الحقيقة عندها سوف يتضح لنا الفارق الكبير بين مفهوم السعادة ومفهوم الغنيمة وأن هذه لا تشبه تلك .