لست بحاجة لدراسة أكاديمية ولا لاستطلاع رأي كي تكتشف هذا الشيء. اجلس في أي مقهى بعد صلاة العصر، أو احضر عرسًا في حي عادي، أو افتح هاتفك خمس دقائق فقط، وستراها بأم عينك: كثير منا، نحن المغاربة، لا يعيش حياته الخاصة، بل يعيش صورتها في رأس الآخرين.
نشتري أشياء لا نحتاجها، لا لأننا نريدها حقًا، بل لأن فكرة أن يُقال عنا “ما عندهش” تقلقنا أكثر من أي قرض سنغرق فيه بعد ذلك. نقيم عرسًا يفوق طاقتنا بمراحل، ليس لأن المناسبة تستحق، بل خوفًا من جملة صغيرة قد يقولها أحدهم يومًا: “فلان دار عرس بسيط”. نشتري سيارة تأكل راتبنا لسنوات، وندخل في أقساط لا نهاية لها، فقط كي لا يظهر علينا أي أثر للضعف أمام جار أو قريب أو زميل في العمل. وحتى في أبسط تفاصيل يومنا، صار سؤال “شنو غادي يقولو الناس؟” حاضرًا معنا وكأنه فرد من العائلة، له رأي، وله كلمة، وأحيانًا له حق الفيتو.
والمفارقة أن “الناس” هؤلاء الذين نخاف حكمهم ونبني عليه قراراتنا، لا يرضون أبدًا، ولا يتعبون من إصدار الأحكام.
اشترِ سيارة صغيرة اقتصادية، سيقولون: “كان خاصو يزيد شوية ويجيب وحدة مزيانة”. اشترِ سيارة فخمة، سيقولون: “أكيد داخل في شي حاجة ماشي نظيفة”. تزوج مبكرًا، فأنت متسرع. تأخر في الزواج، ف”واش فيه شي عيب فيه؟”. ابقَ في مدينتك، أنت فاشل لم يحالفك الحظ. هاجر، أنت هارب من واقعك. البس أناقة، أنت متفشخر. البس ببساطة، أنت “ما عندكش”.
باختصار: من يحاول إرضاء الجميع محكوم عليه بالخسارة من البداية، لأن “الجميع” هذا كائن لا يشبع.
نظرة الآخرين أصبحت، دون أن ننتبه، سلطة غير مكتوبة، لا قانون يحكمها ولا محكمة تحاسب عليها، لكنها في كثير من الأحيان أقسى من أي سلطة رسمية. يكفيها جار فضولي، وقريب مولع بالتعليق على كل شاردة وواردة، ومجموعة واتساب لا تهدأ، وحساب فيسبوك يراقب كل خطوة.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية، التي نادرًا ما نتوقف عندها: أن يعيش الإنسان حياة كاملة وفق مقاييس لم يخترها، بل فُرضت عليه بهدوء، دون أن يشعر حتى بثقلها.
قد يتزوج شاب لأن العائلة قالت له إن الوقت حان. قد ينجب زوجان طفلًا لم يكونا مستعدَّين له لأنهما سمعا أن “الولد عزوة”. قد يشتري رجل بيتًا في حي لا يحبه، فقط كي لا يُقال إنه فشل مقارنة بأقرانه. وقد يستدين آخر من أجل ليلة عرس واحدة، ثم يقضي سنوات يسدد ثمن أمسية أراد أن يثبت فيها للحاضرين أنه بخير، بينما هو غارق في همومه.
نحن أحيانًا لا نعيش لنكون سعداء، بل نعيش لنثبت أننا سعداء. وهناك فرق كبير جدًا بين الأمرين.
الإنسان السعيد فعلًا لا يحتاج أن يشرح سعادته في كل مناسبة، فهي حاضرة في هدوئه وفي نومه المريح وفي علاقاته البسيطة. أما من يعيش أسير نظرة الآخرين، فيجد نفسه مضطرًا باستمرار إلى تقديم الأدلة: صورة، سيارة، سفرة، عرس، أثاث جديد، مطعم فاخر، أو منشور طويل يخبر العالم كم هو “مبارك”.
مواقع التواصل لم تخترع هذه الظاهرة، فهي أقدم بكثير من فيسبوك وإنستغرام، لكنها منحتها مكبر صوت لم يكن موجودًا من قبل.
في الماضي كان الإنسان مطالبًا بإقناع دائرة صغيرة: الجيران، العائلة، أهل الحي. اليوم أصبح مطالبًا بإقناع المئات، بعضهم يعرفهم وبعضهم مجرد أسماء وصور على شاشة، بأن حياته تسير على أحسن ما يرام.
صورة من مطعم فاخر، ثم صورة من سفر، ثم سيارة جديدة، ثم مناسبة عائلية، ثم منشور طويل عن النجاح والامتنان. وفي الخفاء، بعيدًا عن عدسة الهاتف، قد يكون صاحب كل هذه الصور جالسًا وحده ليلًا يحسب كيف سيدفع ثمن كل ما ظهر فيها.
وهكذا يتحول المجتمع إلى مسرح كبير، ويتحول كل واحد منا إلى ممثل، ويتغير السؤال من “هل أنا بخير؟” إلى سؤال أثقل: “هل أبدو بخير؟”
والأمر لا يتعلق بالمال وحده. حتى العلاقات الإنسانية لم تسلم من هذه السلطة الخفية. كم من شاب أو فتاة يبقى في علاقة لا يريدها لأن الانفصال “عيب”؟ وكم من امرأة تتحمل ما لا يُحتمل خوفًا من كلمة “مطلّقة”؟ وكم من رجل يرفض الاعتراف بفشله لأنه يخشى أن تهتز صورته أمام الناس؟
نحن مجتمع شديد الاهتمام بالمظهر، إلى درجة أننا نفضّل أحيانًا المعاناة في صمت على مواجهة الحقيقة.
وهذا ليس عيبًا خاصًا بالمغاربة وحدهم، فهي ظاهرة إنسانية موجودة في مجتمعات كثيرة. لكنها عندنا لها نكهة خاصة، لأن العائلة والجيران والمحيط الاجتماعي ما زالوا يحتلون مساحة كبيرة من قرارات الفرد.
ولعلنا في حاجة إلى إعادة النظر في معنى النجاح.
النجاح ليس أن تملك ما يجعل الآخرين يغارون منك، بل أن تملك حياة لا تضطر لشرحها لأحد.
النجاح ليس أن يقف الناس منبهرين أمام بيتك بينما أنت غارق في الديون، بل أن تنام مرتاحًا لأنك لم تشترِ شيئًا لإرضاء أحد.
النجاح ليس أن يبقى عرسك حديث الحي أسبوعًا كاملًا، بل أن تصمد حياتك الزوجية بعد أن ينتهي هذا الحديث ويُنسى.
والنجاح، في النهاية، ليس أن يظن الجميع أنك بخير، بل أن تكون فعلًا كذلك.
ربما آن الأوان أن نتعلم شيئًا بسيطًا لكنه صعب: أن نعيش لأنفسنا دون أن نصبح أنانيين، وأن نحترم الناس دون أن نجعلهم أوصياء على قراراتنا.
فالناس سيتكلمون في كل الأحوال. سيتكلمون إن نجحت وإن فشلت، إن تزوجت وإن بقيت أعزب، إن سافرت وإن بقيت في بلدك، إن اشتريت وإن اقتصدت.
فلماذا نمنحهم إذن حق اختيار حياتنا؟
في النهاية، الذين يراقبونك اليوم ويناقشون قراراتك في المقاهي وفي مجموعات العائلة، سيجدون غدًا موضوعًا آخر يشغلهم عنك تمامًا.
أما أنت، فستبقى وحدك مع حياتك.
وعندما تنطفئ الأضواء وينتهي كلام الناس، لن يسألك أحد منهم إن كنت سعيدًا فعلًا. وستكتشف حينها أنك كنت، منذ البداية، الشخص الوحيد الذي كان عليك أن تسأله.
طزز على الناس،اا لمهم ان يكون الانسان منتجا مكتفيا مثقفا ومفيدا
كلام في الصميم،
رأي الناس مجرد كلام لا يعني شيئا في الواقع، الاخر غالبا لا يهتم لك، او يغار منك باستثناء الوالدين