إمارة المؤمنين ودبلوماسية القيم

إمارة المؤمنين ودبلوماسية القيم
الأربعاء 26 غشت 2026 - 20:50

كيف حوّل المغرب النموذج النبوي في التعايش إلى سياسة دولة؟

في زمن تتصارع فيه الخطابات المتطرفة التي توظّف الدين لتبرير الانغلاق والعنف، مع خطابات علمانية أخرى تريد طرد المرجعية الدينية كلياً من الفضاء العام باسم حياد الدولة، يقف المغرب على مسافة من الخطابين معاً، مقترحاً مساراً ثالثاً لا يتنكر للدين ولا يحتكره، بل يوظّفه أداةً للانفتاح والتعايش. جوهر هذا المسار مؤسسة واحدة: إمارة المؤمنين، التي تجمع بين الشرعية الدينية والشرعية الدستورية في آنٍ واحد، لتتحول من رمز سيادي إلى فاعل دبلوماسي حقيقي في حوار الأديان والثقافات.

السؤال الذي يستحق أن يُطرح بجدية هو: كيف تنجح مؤسسة دينية-دستورية عمرها قرون في أن تصبح، في القرن الحادي والعشرين، أداة لصناعة السلم الأهلي والدبلوماسية الروحية؟ وهل يصمد هذا النموذج أمام تعقيدات المشهد الجيوسياسي الراهن؟

مؤسسة تجمع بين البيعة والدستور

تستمد إمارة المؤمنين شرعيتها من مصدرين متكاملين نادراً ما يجتمعان في تجربة سياسية واحدة. المصدر الأول تاريخي وديني: البيعة الشرعية التي يعقدها أهل الحل والعقد لأمير المؤمنين، والنسب الشريف المتصل بالأسرة العلوية الحاكمة. أما المصدر الثاني فحديث ودستوري: الفصل الحادي والأربعون من دستور المملكة لسنة 2011، الذي ينص صراحة على أن الملك، أمير المؤمنين، يسهر على احترام الإسلام، ويضمن حرية ممارسة الشؤون الدينية لجميع المواطنين، ويرأس المجلس العلمي الأعلى.

هذا الجمع بين شرعيتين، إحداهما تارخية موروثة والأخرى حديثة مكتوبة، هو ما يمنح المؤسسة مصداقية مزدوجة يصعب أن يحظى بها أي فاعل آخر: مصداقية دينية تحول دون اتهامها بالتماهي مع أجندات خارجية، ومصداقية مؤسسية تحول دون اختزالها في خطاب دعوي فردي لا سند سياسياً وراءه.

لكن ما يستحق التوقف عنده أكثر هو أن كثيرين يتصورون خطأً أن وظيفة إمارة المؤمنين تنحصر في رعاية شؤون المسلمين وحدهم. الواقع مختلف تماماً: فالديباجة الدستورية نفسها تنص على أن الهوية المغربية الموحدة تتشكل من روافد متعددة، عربية وأمازيغية وصحراوية حسانية وأفريقية وأندلسية وعبرية ومتوسطية. وعلى هذا الأساس، تتحول إمارة المؤمنين إلى ضامن لحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية لكل مكونات النسيج المجتمعي المغربي، بما فيها الجالية اليهودية المغربية والجاليات المسيحية المقيمة، لا سلطة دينية أحادية بقدر ما هي مؤسسة وساطة روحية توازن بين ثوابت الأغلبية وحقوق الأقليات.

من وثيقة المدينة إلى صلح الحديبية: أين المرجعية النبوية؟

لا يقوم هذا النموذج على منطق سياسي أو حقوقي مجرد مستورد من الخارج، بل يستمد منهجه من مرجعية نبوية تأسيسية واضحة المعالم.

المحطة الأولى هي وثيقة المدينة، التي أبرمها النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار ويهود المدينة، وتُعد أول نص سياسي في التاريخ الإسلامي يقنن مبدأ التعايش بين مكونات دينية متعددة ضمن كيان سياسي واحد. نصّت الوثيقة على أن يهود بني عوف «أمة مع المؤمنين»، لهم دينهم وللمسلمين دينهم، مع التزام الجميع بالدفاع المشترك عن المدينة والتعاون على البر ونبذ الإثم والعدوان. الدرس الذي يستلهمه المغرب من هذا النص هو أن التعايش ليس تنازلاً عن الهوية الدينية، بل تنظيم عادل للتعدد ضمن مرجعية جامعة.

المحطة الثانية هي صلح الحديبية، حين قبل النبي ﷺ شروطاً بدت في ظاهرها مجحفة، إيثاراً للمصلحة العليا المتمثلة في وقف نزيف الصراع وفتح قنوات التواصل مع الخصم. وقد أثبتت الوقائع اللاحقة أن هذا الخيار الدبلوماسي القائم على الصبر والنَّفَس الطويل، حتى في لحظة تفاوت موازين القوى، هو ما مهّد لما وصفته السيرة النبوية بـ«الفتح المبين» ولدخول القبائل في الإسلام أفواجاً. وهو درس يستلهم منه صنّاع دبلوماسية القيم المعاصرة منهجاً يقدّم بناء الثقة على المكاسب الآنية.

أما المحطة الثالثة فهي معاملة النبي ﷺ للوفود وأهل الذمة، من استقبال وفد نصارى نجران وإذنه لهم بأداء صلاتهم داخل المسجد النبوي، إلى قوله ﷺ: «ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة». هذه النصوص تجعل من حسن معاملة المخالف في الدين مقصداً شرعياً، لا مجرد سماحة اختيارية قابلة للتراجع بحسب الظرف السياسي.

ولا يكتمل هذا المشهد دون الإشارة إلى البعد الصوفي، الذي شكّل عبر الزوايا والطرق الصوفية كالطريقة القادرية البودشيشية، جسراً حضارياً ربط المغرب بمحيطه الإفريقي والمتوسطي عبر التجارة والعلم والوساطة الاجتماعية. فمقصد التزكية في التصوف لا ينحصر في تطهير النفس الفردية، بل يمتد إلى بناء علاقة سليمة مع الآخر.

من النظرية إلى الممارسة: أربع مبادرات ملموسة

القيمة الحقيقية لهذا النموذج لا تكمن في الخطاب وحده، بل في ترجمته إلى مبادرات مؤسسية قابلة للقياس والتقييم. أبرزها إعلان مراكش، الصادر في يناير 2016 عن مؤتمر دولي احتضنته مدينة مراكش، بمبادرة من مؤسسة الشيخ عبد الله بن بيه للسلام والتنمية بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء، وبرعاية ملكية. جمع الإعلان مئات العلماء والمفكرين من مختلف الدول الإسلامية، واستند صراحة إلى وثيقة المدينة النبوية بوصفها الأساس الدستوري الأول الذي كرّس مبدأ المواطنة المتساوية بين مكونات دينية متعددة، موصياً بتطوير مفهوم فقهي لـ«المواطنة» يشمل جميع الفئات الدينية.

وثمة لجنة القدس، التي يرأسها جلالة الملك محمد السادس، وهي لجنة منبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي مهمتها العناية بالوضع الخاص لمدينة القدس ومقدساتها، جامعةً بين صيانة الهوية العربية الإسلامية للمدينة والحرص على استمرار الحضور الديني الفلسطيني وصون الأماكن المقدسة لمختلف الديانات فيها.

أما معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، المؤسَّس سنة 2014، فيستقبل إلى جانب الطلبة المغاربة أعداداً متزايدة من الطلبة الوافدين من دول أفريقية كمالي وغينيا وساحل العاج وتشاد ونيجيريا، ومن الجالية المسلمة في أوروبا وخاصة فرنسا. ينشر المعهد نموذجاً دينياً وسطياً قائماً على العقيدة الأشعرية والفقه المالكي والتصوف الجُنيدي، محوّلاً وظيفته من التكوين الديني الصرف إلى أداة دبلوماسية روحية ناعمة تعزز الروابط بين المغرب وأفريقيا وأوروبا.

وأخيراً، هناك رعاية التراث اليهودي المغربي، عبر ترميم المقابر والمعابد اليهودية العتيقة في مختلف المدن المغربية، وصولاً إلى قرار وزارة التربية الوطنية سنة 2020 إدماج التراث والثقافة اليهوديين المغربيين ضمن المقررات الدراسية، وهي خطوة اعتُبرت غير مسبوقة في العالم العربي، وتحوّل رعاية الذاكرة اليهودية من خطاب مناسباتي إلى ترسيخ مؤسسي وتربوي دائم.

نموذج ناجح.. لكن أمامه تحديات حقيقية

لا يستمد هذا النموذج قوته من كونه رد فعل دفاعياً أو استجابة لضغط خارجي، بل من مرجعية دينية داخلية أصيلة تمنحه مشروعية شعبية يصعب أن يحظى بها خطاب حقوقي علماني مستورد. وهو، فوق ذلك، تجربة ذات سجل تراكمي ملموس: فإعلان مراكش حظي بتزكية علماء من مختلف الدول الإسلامية، ومعهد محمد السادس أصبح مرجعاً استقطب آلاف الطلبة من عشرات الدول الأفريقية والأوروبية، وهو ما يؤكد أن هذا النموذج قابل للتصدير لا مجرد تجربة محلية معزولة.

غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بتحديات ثلاثة لا تُنقص من قيمة النموذج بقدر ما تفتح أمامه آفاقاً للتطور. أولها خطر الاختزال البروتوكولي، أي أن تتحول مبادرات الحوار إلى فعاليات رمزية نخبوية دون ترجمة كافية على مستوى الوعي المجتمعي القاعدي وبرامج التعليم الديني في المساجد والزوايا. غير أن المغرب يملك فعلاً البنية الكفيلة بتجاوز هذا التحدي: شبكة كثيفة من المساجد والزوايا وأعداد كبيرة من الأئمة والمرشدين المؤطَّرين مؤسسياً.

ثانيها الإكراه الجيوسياسي المرتبط باستمرار قضايا كالصراع في فلسطين، الذي يضع خطاب التعايش على محك مستمر أمام الرأي العام العربي والإسلامي. لكن استمرار رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس يمنح المغرب موقعاً فريداً يجمع بين الثبات على القضايا العادلة والانفتاح على الحوار، محوّلاً هذا الإكراه إلى فرصة لإبراز تماسك الموقف المغربي بدل أن يكون مصدر إحراج.

أما ثالثها فمنافسة الخطابات المتطرفة التي تستثمر الفضاء الرقمي بسرعة تفوق أحياناً وتيرة المؤسسات الرسمية. ومع ذلك، يظل هذا المجال من أكثر المجالات قابلية للتطوير السريع، إذ تكفي استراتيجية إعلامية رقمية مركزة، مستفيدة من الرصيد الرمزي الكبير الذي تتمتع به إمارة المؤمنين لدى الشباب المغربي والأفريقي، لقلب موازين هذه المنافسة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.

إلى أين يتجه النموذج المغربي؟

يبدو مستقبل دبلوماسية القيم المغربية مرتبطاً بأربعة مسارات واعدة. أولها ترسيخ مضامين التعايش داخل المناهج التعليمية الدينية ذاتها، لا في الخطاب الرسمي وحده، بما يضمن انتقال هذه القيم من جيل إلى جيل كجزء بنيوي من التنشئة الدينية. وثانيها الاستثمار الجاد في الإعلام الرقمي وتأهيل الأئمة والمرشدين لمخاطبة جيل الشباب بلغته ووسائطه. وثالثها تفعيل الدور المجتمعي للزوايا والطرق الصوفية بوصفها حلقة وصل حية بين المؤسسة الرسمية والمجتمع. ورابعها توسيع الشراكات الأفريقية القائمة عبر معهد محمد السادس ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة لتشمل برامج مشتركة في حوار الأديان، بما يحوّل الزخم الديني المتراكم إلى مشروع قاري متكامل.

في نهاية المطاف، تمثل إمارة المؤمنين نموذجاً مغربياً أصيلاً يعيد الاعتبار للمرجعية النبوية بوصفها مصدر حكمة دبلوماسية حية، لا مجرد إرث تاريخي مؤطَّر في الكتب. فمن وثيقة المدينة إلى إعلان مراكش، ومن صلح الحديبية إلى معهد تكوين الأئمة، يترجم المغرب سنة نبوية عمرها أربعة عشر قرناً إلى سياسات وبرامج معاصرة قابلة للقياس والتصدير. ويبقى التحدي الحقيقي أمام هذا النموذج ألا يظل حبيس الخطاب المؤسسي الرسمي، بل أن يتحول إلى ممارسة يومية راسخة في وعي المواطن المغربي والأفريقي، حصانةً له من خطابات التطرف والانغلاق التي لا تزال تتربص بمنطقة هشة جيوسياسياً.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة