نشرَ موقع “Le360” يوم 31 غشت 2026 مقالا للكاتب الطاهر بن جلون بعنوان “سرقاتٌ عادية”.
والاسم وحده يكفي لكي يرفع سَقْف الانتظار: كاتبٌ راكَم تجربة أدبية وفكرية طويلة، ومنبر واسع الانتشار، وبلد لا تنقصه القضايا التي تستدعي النظر والتفكير والمساءلة.
لذلك يصبح السؤال مشروعا منذ البداية: ماذا اختار هذا القلم أن يضع أمام القارئ؟
سرقات حقائب، وقُفَفًا اختفت من صندوق سيّارة أجرة، وحكايات يومية تقع، مع اختلاف التفاصيل، في مدن العالم كلها.
قرأتُ المقال، وتبادرت إلى ذهني هذه الأفكار:
من البراق إلى قفَّة السّمك
ثمة لحظات نادرة في حياة الأمم تتوقف فيها عجلة التاريخ، وتحبس الشعوب أنفاسها، ويجلس المواطن أمام الشاشة مترقبًا كلمة المثقف التي ستُضيء له جانبًا معتمًا من واقعه.
ثم تأتي الكلمة أخيرًا: حقيبة اختفت في القطار.
الحمد لله أنّ بقية الأمور تسير على ما يرام.
لا أزمة في المدرسة، ولا سؤال في المستشفى، ولا شباب يطوفون حول أبواب الشغل، ولا مدن تتضخم أسرع من قدرتها على التنفس، ولا قرى تنتظر طريقًا أو طبيبًا أو ماءً، ولا إدارة ترهق المواطن بين نافذة ونافذة، ولا اقتصاد يجعل بعض الناس يحسبون ثمن الطماطم قبل أن يحسبوا أحلامهم.
المسألة التي استدعت القلم هذه المرة أخطرُ بكثير:
مسافرٌ وصل إلى محطته ولم يجد حقيبته.
وحتى لا نظلم الحقيبة، فالسرقة فعلٌ قبيحٌ، سواء تعلقت بمحفظة أو هاتف أو كيس سردين.
ولا يحتاج المرء إلى فلسفة كانط حتى يعرف أن أخذ مال الغير من دون حق سلوك مُنحَطّ.
ولا أظن أن لصًا سيقرأ المقال صباحًا، ويضع يده على جبينه، ثم يقول في خشوع: “يا إلهي، لم أكن أعلم أن السرقة سيئة! سأعيد الحقائب فورًا إلى أصحابها”.
هنا تبدأ الطرافة.
كاتب بحجم الطاهر بن جلون يخصص مساحة طويلة ليخبرنا أن اللصوص يسرقون، وأن الناس يجب أن يحذروا منهم، وأن اليابان بلد مُنظّم، وأن سائق تاكسي قد يهرب بقُفتين من السَّمك واللَّحم والدَّجاج.
حسنًا، وماذا نفعل بهذه المعرفة غدًا صباحًا؟ نكتب أسماءنا على القُفف؟ نُصور سائق التاكسي قبل أن نَركب؟ المشكلة ليست في أن الكاتب حكى حادثتين صغيرتين.
الأدبُ نفسه يصنع أحيانًا من زِرّ قميص عالَمًا متخيلا.
تشيخوف يستطيعُ أن ينطلق من عطْسة، وكافكا من استدعاء إداري، ونجيب محفوظ من مقْهى.
لا تأتي قِيمة الموضوع من حجْمه، وإنَّما من السُّؤال الذي يفتحه.
وهنا تحديدًا يحق لنا أن نسأل: أيُّ سؤال كبير فتحته هذه السّرقات الصغيرة؟
ينتقلُ المقال من حقائب “البراق” إلى قُفة العامِلة المنزلية، ومنها إلى حيلة عامل محطَّة البنزين، ثم إلى الفَساد، ثم إلى سُمعة المغاربة في إيطاليا، ثم يقفز إلى اليَابان، ومنها إلى مِترو باريس، ثم يعُود إلينا حاملًا الوَصْفة: علينا أن نُربي أبناءنا جيِّدًا.
رحلة أطول من رحلة البراق نفسها.
وخلال هذه الرحلة تضيع حقيبة أخرى، أهم بكثير من الحقيبة الأولى:
حقيبَة الأسْئلة:
لماذا يسرقُ الإنسان؟
متى تتحوَّل السَّرقة من انحراف فردي إلى عرض اجتماعي؟
ما علاقة الفقر بالسرقة؟
وما حدود هذه العلاقة؟
ماذا تفعل هشاشَة القانون؟
ماذا يصنعُ الإفلات من العِقاب؟
كيف تؤثر الفَوارق الاجتماعية الصارخة في تصور الناس للعدل والحقّ؟
ما مسؤولية المدرسة والأسرة والمؤسسات والإعلام؟
وكيف نبني ثقة تجعل المواطن يحترم مال غيره لأنه يؤمن بقيمة الحقّ، لا لأنه يخشى كاميرا معلقة فوق رأسه؟
هذه أسئلة تليقُ بقلم كاتبٍ كبير.
أما أن نستنتج من سائق تاكسي سرق قفتين أن “السَّرقة مُمارسة منتشرة في مجتمعنا الجميل”، فهنا يتحول الانطباع الشخصي إلى تشخيص اجتماعي بسرعة تثير الإعجاب أكثر مما تثير الاطمئنان.
بين قفة مسروقة وبلد ينتظر الأسئلة
كلُّ إنسان يحمل مخزنًا من الحكايات يستطيعُ أن يصنع منه نظرية عن شعب بأكمله.
رجلٌ خدَعه ميكانيكي في باريس يستطيعُ أن يكتبَ أن الفَرنسيين نَصَّابُون؛ امرأة سرق أحدهم هاتفها في برشلونة تستطيع أن تعلن سقوط الأخلاق الإسْبانية؛ سائحٌ فقد محفظته في روما يستطيع أن يقيم جنازة للضَّمير الإيطالي.
إذا اعْتمدنا هذه المنهجية، سنحتاجُ إلى علماء اجتماع أقلّ، وإلى مَحافِظ مَسروقة أكثر.
ثم يظهر اليابان كما يظهر عادة في كثير من أحاديثنا: ذلكَ الكوكبُ البعيدُ الذي لا يسرق فيه أحد، ولا يرمي أحد ورقة في الشارع، ولا يتأخر قطار ثانية، وربما يعتذر الزلزال نفسه قبل أن يَهزَّ المباني.
لليابانِ ثقافةٌ مدنيةٌ قويَّةٌ فعلًا، وُمعدّلات الجريمة فيها مُنخفضة، وهذا يستحقُّ الدِّراسة؛ لكن تحويلَ مجتمع كامل إلى فردوس أخلاقي لا يساعدُنا على فهم اليابان ولا المغرب.
المجتمعاتُ لا تصنعها جِينَاتُ الفَضيلة.
لاَ يُولد الياباني وفي يده ميثاقُ الأمانة، والمغربيُّ لا يخرج إلى الدُّنيا وفي جيبه خُطةٌ لِسَرقة قُفَّةٍ.
المؤسسات والتعليم والعقوبات والعادات والثقة العامة والتنظيم الحضري والرقابة الاجتماعية كلها تصنعُ السُّلوك مع مرور الزَّمن.
من سَرقةٍ عابرةٍ إلى حُكْم على مُجتمع
بهذا المعنى، تُصبحُ الحكاية أخطر من القُفّة، وهذا ما يرويه لنا تاريخ الصُّور النمطية كله تقريبًا.
ولذلك، من واجب الكاتب، خصوصًا حين يملكُ اسمه وزنًا ثقافيًا وإعلاميًا، أن يقاوم هذه الخطورة، لا أن يمنحها جملة إضافية.
ليسَ المغربي أمينًا لأنه مغربي، وليس لصًا لأنه مَغربي.
الإنسان مسؤول عن فعله، والمجتمع مسؤول عن الشُّروط التي تشجِّع السلوك أو تحاصره، والقانون مسؤول عن حماية الجميع.
بهذا الشَّكل نفهم الأشياء دون أن نُحوِّلَ الجنسية إلى صفَة أخْلاقية.
ومع ذلك، لا تفتقر مقالة “السَّرقات العادية” إلى فكرة جديرة بالتَّوقُّف: التربية. نعم، التربية مهمَّة. لكن عبارة “علينا إعادة تربية أطفالنا” سهلةٌ جدًا.
من همْ الأطفال الذين نتحدث عنهم؟
أطفال المدارس المكتظة؟
أطفال الأحياء الغنية؟
أطفال القُرى؟
أطفال الأسَر التي تعمل طوال اليوم ولا تجد وقتًا للحِوار؟
أطفالٌ يشاهدون يوميًا من ينجح بالاسْتحقاق ومن ينجحُ بالعَلاقات؟
لا يتعلَّم الطفلُ الأخلاق من درس مَحفوظ فقط؛ يراقبُ العالم.
حين نقول له إن الأمانة فضيلة ثم يشاهد المحتال يربح، يتلقى درسين مُتناقضين.
حين نشرح له احترام القانون ثم يرى القويَّ يتجاوزُه، يفهم الرِّسالة الخفيَّة أسرع من الرِّسالة المدرسية.
حين نطالبه بأن يحترم المِلْكية العامَّة ثم يجدُ الرَّصيف مُحتلاً والحديقةَ مُهملة والمرفقَ العُمومي بدون عناية، يسأل نفسه بطريقة غير واعية:
لمن تنتمي هذه الأشياء أصْلًا؟
لذلك تبدأ التَّربية من البيت، ثم تتواصلُ في المدرسة، وتكتملُ في الشارع والإدارة والمحكمة والتلفزيون ومشهد الحياة اليومية كُله.
ليست الأخلاقُ حصَّة أسْبوعية؛ الأخلاقُ بنية تحتية أيضًا.
وهنا أصلُ إلى الحيْرة التي تركَها المقالُ عندي:
لديْنا بلدٌ يتحرَّك بسُرعة مُذهلة في بعض المجالات ويتعثَّر في أخرى.
لدينا أسئلة عن التعليم، والصحة، والماء، والشغل، والثقافة، والعدالة الاجتماعية، والمدينة، والقرية، والشباب، والهجرة، واللغة، والهوية، والذكاء الاصطناعي، ومستقبل الطبقة الوسطى، والتحوُّلات التي تدخل بيوتَنا وعقولنا بسُرعة لا نكاد نلْحق بها.
كل واحد من هذه الملفَّات يَفتحُ أبوابًا لا تنتهي أمام كاتبٍ كَبير.
ومع ذلك جلسنا طويلًا أمام قُفَّتيْن في صُندوق تاكسي.
سَرقات عادية… وأسئلةٌ غيرُ عادية
قد أبدُو قاسِيًا على المقَالِ.
لا بأس.
حتى النقدُ يحتاج أحيانًا إلى شيء من السَّرقة.
لقد سرقتُ منه القُفَّةَ وأعدْتُ إليه السُّؤالَ، لأن القضية التي تستحقُّ أن نتقاسم التَّفكير حولها ليست: لماذا سرق سائقُ التاكسي السّمك والدّجاج؟
السُّؤال الأثْقل هو: أي مجتمع نريد أن نصنع حتى يصبح احترام حقّ الغير سُلوكًا طبيعيًا، وحتى لا يحتاجَ المواطن إلى أن يعيشَ واضعًا يده على مِحفظته وعينه على حقيبَته وعقْله مشغولًا بمَن سيخْدَعه بعدَ لحظة؟
ثم هناكَ سؤالٌ آخر أكثر إحْراجًا: حين يملكُ المثقف مِنْبرًا واسِعًا وقَلمًا ثقيلًا واسْمًا يسمَعُه الآلاف، ماذا ننتظرُ منه؟
أن يُحْصِيَ لنا اللُّصوص؟
أمْ أن يساعدنا على رُؤية ما لا نراه خَلْفَهم؟
فالسَّرقات العَادية ستظلُّ تقع في الرباط وباريس وطوكيو ونيويورك، وستظلُّ الشرطة تُطارد أصحابها، وستظلُّ الجيوب تحتاج إلى شيء من الحَذَر.
أما الأفكارُ الكبيرةُ، فسَرِقتُها أشَدُّ خطرًا؛ يسرقها منا أحيانًا الصّخبُ، ويسرقُها التَّبسيط، ويسرقُها انشغالُنا بالحادِثة حتى ننسى الظَّاهرة، وبالقُفَّة حتى ننسَى المجتمع، وبالحَقيبةِ التي اختفَت من القطار حتى تَمُرَّ أمامنا قطاراتٌ محمَّلةٌ بالأسئلة…
ولا يلتفتُ إليْها أحَدٌ.
عندما ينسلخ الاديب او المثقف ويبتعد عن مجتمعه يفقد الاحساس والارتباط الوجداني الذي يجعله يقيس نبض المجتمع والتفاعلات التي تطبع هذا المجتمع وتؤثر في سيرورته .
من هنا يصبح تفاعل هذا المثقف مع مجتمعه تفاعلا فلكلوريا تغيب عنه القراءة العميقة والتحليل السوسيلوجي لتطورات المجتمع.
يقول أحمد شوقي إنما الامم الاخلاق ما بقيت فإن ذهبت هم اخلاقهم ذهبوا.فالاخلاق هي أساس بقاء الامم.والاخلاق هي منظومة يتربى عليها الشعب عبر الاجيال من البيت الى المدرسة الى الشارع والادارة والشركة . عندما تسأل ساءق التاكسي او الباءع في محطة البنزين او حتى الطفل لماذا تسرق يجيبك الكل يسرق وينهب السياسي والمسؤول الجماعي والموظف والمحامي والطبيب والقاضي والأستاذ.اذن فالمنظومة من الأساس فاسدة.اما الظاهرة اليابانية فهي حالة خاصة لا مثيل لها في العالم
مقال جميل في محله, شكرا للكاتب. السؤال موجه لمن يجرون في هذه الاستحقاقات الانتخابية: اين انتم مما قاله الكاتب ؟ من ستكون له الجرأة الإجابة على الأسئلة المطروحة ؟
كيف للأسرة مغربية ان تربي اطفالنا على احترام الآخرين و القناعة و المبادئ و ….واول اصطدام الابن مع المجتمع ان يرغم على إعطاء بقشيش كي ينجح في اختبار السياقة او عندما تضطر مرغما على طلب الوساطة لإضافة ذلك الابن في لائحة المقبولين ،رغم حصوله على المعدل المخول،،،؛هنا يقف الأب عاجزا
مقال جميل و مفيد جدا يحث على المواطنة الحقة و عدم الجري وراء المقارنة التي لا تفيد في شي شكرا جزيلا لك يا سيدي
مقال رائع … لا أضيف كلمة أخرى
شكرا للأستاذ عبد الفتاح
شكرا هسبريس
كلام معقول وعين العقل
شكرا هسبريس على إمتاعنا وإفادتنا
برافو أستاذ عبد الفتاح ،إني انتظر موضوعاتك القيمة كل يوم
و التهمها وانتظر أخرى منك ، شكرا جزيلا…..
تلك عادته، السي الطاهر. ولم تقسو عليه.
اتابع يابانيا يقدم حلقات في اليوتيوب عن بلده تجعلني اشعر بشفقة حقيقية على الياباني، واتابع يابانية شابة تقدم يومياتها، ضغط هائل وفقر حقيقي ووحدة خانقة يعيشه قطاع واسع من الشباب هناك.
هموم رجل الشارع العادي واحدة في كل مكان، وهناك فرق كبير بين القناع وما وراءه، يكفي ان باليابان وكوريا اعلى معدلات انهاء الحياة بين الشباب في العالم