كان إعلان الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله عن تنظيم المسيرة الخضراء لاسترجاع الصحراء المغربية الغربية في 16 أكتوبر 1975 بمثابة افتتاح لمرحلة جديدة، قوامها الوحدة الوطنية وتحقيق الأفق الديمقراطي المنشود، في إطار “المسلسل الديمقراطي”. ولم تكن الخطوة في حد ذاتها بداية واقعية لتلك المرحلة بالذات، فقد سبقتها مؤشرات معينة وبعض اللحظات المتميزة. إذ عند إعلان حالة الاستثناء وتعطيل الدستور والمجلس النيابي سنة 1965، كانت هناك انتخابات عام 1969 طعنت فيها المعارضة الممثلة في حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية. ومن ثمة، امتنع التنظيمان الوطنيان عن المشاركة فيها، بدعوى عدم استكمال الشروط الموضوعية، وعلى رأسها تعديلات دستورية ظلت تطالب بها المعارضة منذ البداية، ثم تطهير الجو السياسي عبر انفراج عام، بإعادة الحريات وإطلاق سراح المعتقلين وعودة المنفيين والمغتربين.
في المقابل، انتبهت الجهة الحاكمة بعد إعلان حالة الاستثناء إلى بعض الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، التي رأتها ضرورية لإعادة ترتيب الأوراق، قبل الانتقال إلى المحور السياسي. ولمحاولة إيجاد أفق ما أمام الأزمة الخانقة، فطبقت عدة إجراءات كان لها وقعها الإيجابي على الاقتصاد الوطني والفئات الحاكمة معاً، أبرزها تفعيل سياسة السدود، بهدف سقي مليون هكتار وضمان الأمن الغذائي للمغاربة – الدخول في مسلسل مغربة الشركات والمؤسسات – توزيع الأراضي على الفلاحين، ثم الرفع من سعر الفوسفاط في السوق الدولية. وكل هذه الإجراءات أعطت نفساً جديداً للمغرب وأخرجته من أزمة الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي. ثم جاء دور البعد السياسي، فتم فتح ملف الصحراء المغربية المحتلة آنذاك من طرف إسبانيا، أي الساقية الحمراء ووادي الذهب، وشكل ذلك أيضاً استجابة مباشرة لمطالب الحركة الوطنية، المتعلقة باسترجاع الأراضي التي احتلت أو اقتطعت من المغرب.
جرت أول انتخابات بلدية وفقاً لآخر تعديل على دستور 1972، شاركت فيها أحزاب الحركة الوطنية بتاريخ 12 نونبر 1976 على أساس الاقتراع الفردي في دورة واحدة، ويُمنح الفوز لمن حاز على الأغلبية النسبية، أي الذي احتل المرتبة الأولى. ففاز حزب الاستقلال بمدن وحواضر عديدة، علاوة على بعض الجماعات القروية، في حين ظهر تأثير الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي أصبح بعد مؤتمره الاستثنائي في يناير 1975 يحمل اسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بقيادة عبد الرحيم بوعبيد. قلت: ظهر تأثير الاتحاد في العديد من المدن الساحلية وعلى رأسها الرباط وسلا، حيث فاز بالأغلبية هناك، ثم بعض جماعات الدار البيضاء ومدن آسفي وأكادير والعرائش وصفرو وسيدي إيفني وبني ملال وقصبة تادلة. وشكل في المقابل معارضة قوية بباقي الحواضر كطنجة وفاس ومكناس وتازة ومراكش ووجدة. لكن برزت فجأة ظاهرة اللامنتمين أو المستقلين، الذين فازوا في مناطق واسعة خاصة بالبوادي، واحتلوا بذلك المرتبة الأولى قبل باقي الأحزاب (…..) وهي نفس الكتلة التي سيُعتمد عليها فيما بعد لتأسيس حزب التجمع الوطني للأحرار بقيادة أحمد عصمان.
مرة أخرى، ورغم انخفاض نسبة المشاركة، قياساً لانتخابات ماي 1960 بحوالي تسع نقاط، فإنها ظلت مرتفعة مع ذلك، حيث بلغت 66%. وساهمت في الوضع “الأجواء الجديدة” التي أفرزها حدث المسيرة الخضراء وروح الإجماع الوطني، الذي حصل لأول مرة منذ الحماية. كما كان لمشاركة الحزبين الأساسيين بالحركة الوطنية، أي الاتحاد الاشتراكي والاستقلال، أثر كبير في هذه النسبة المشرفة. غير أن نفس المشاركة لم تعدم بعض التحفظات التي أبداها الحزبان، حول طبيعة عمل المجالس ودور سلطات الوصاية، خاصة من خلال ظهير 1976 المنظم لعمل واختصاصات الجماعات المنتخبة.
ضمن نفس سياق انبعاث الحماس السياسي، جرت الانتخابات البرلمانية في 03 يونيو 1977، وسجلت تعبئة شاملة للأحزاب المشاركة، وخاصة الاتحاد الاشتراكي، الذي نظم تجمعات ضخمة، ضمت أحياناً عشرات الآلاف من المواطنين والناشطين، ثم التقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال، إضافة طبعاً إلى الأحرار. وكانت نسبة المشاركة تاريخية فاقت 80%، وبذلك أربت على انتخابات 1960 و1963. وأسفرت عن حصة الأسد من المقاعد للمستقلين مرة أخرى (…..) بمجموع 141 مقعداً، وحازوا بذلك على أغلبية مقاعد مجلس النواب المتشكل آنذاك. في حين أحرز حزب الاستقلال وحليفه الاتحاد العام للشغالين على 51 مقعداً، متبوعاً بالحركة الشعبية (44 مقعداً)، واقتصر الاتحاد الاشتراكي على 15 مقعداً، مما دفعه إلى التنديد بالنتائج، على اعتبارها لا تعكس حقيقة الخريطة السياسية بالبلاد. وعاد التقدم والاشتراكية بمقعد وحيد للأستاذ علي يعته، فيما توزعت باقي الهيئات المقاعد الأخرى، وكان عددها الإجمالي المشارك في الاقتراع هو ثمانية (08).
رغم كل الملاحظات والتحفظات، استمر عمل المعارضة الاتحادية، وشهد البرلمان تجاذبات مختلفة، حول الميزانية والقوانين المالية والقطاعات المختلفة، بينها وبين الحكومة التي تشكلت من الأحرار والاستقلاليين والحركيين. ومع ذلك، فإن الفترة عرفت دينامية كبيرة على المستويين السياسي والاجتماعي، ففضلاً عن مخطط التقشف الذي أقرته الحكومة، تم تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل سنة 1978، فاشتعل الوضع الاجتماعي، ورُفع الحظر القانوني عن المنظمة الطلابية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. كما عرفت الجامعة المغربية نهضة كبيرة، على مستوى البحث العلمي والأكاديمي، واكبها نهوض شامل لجمعيات المجتمع المدني، أو المنظمات الموازية للأحزاب، وازدهار ملحوظ للصحافة وخاصة الحزبية منها. ويعتبر إضراب 20 يونيو 1981 منعطفاً حاسماً في هذه التطورات. وقد انتهت هذه المرحلة بتمديد البرلمان والمجالس إلى سنة 1983، حيث جرت انتخابات جديدة، سجل خلالها انخفاض في نسبة المشاركة، إذ لم تتجاوز 71,3%، أي بفارق حوالي 10 نقاط عن سابقتها. أعقبتها أحداث الشمال والريف احتجاجاً على الزيادات في الأسعار، بينما بلغت على مستوى استحقاق 1984 التشريعي 72%، وزاد عدد النواب إلى 204 في الغرفة الأولى و102 في الغرفة الثانية. وقد تصدرت ما سمي بالأحزاب الإدارية والحكومية النتائج، وهي على التوالي: الاتحاد الدستوري (حديث النشأة تحت قيادة الوزير الأول المعطي بوعبيد) – التجمع الوطني للأحرار، ثم الحركة الشعبية بمجموع 124 مقعداً. وفقد حزب الاستقلال العديد من المقاعد، حيث اقتصر على 23 مقعداً، في حين نال الاتحاد الاشتراكي 34 مقعداً. كما ارتفعت نسبة الممتنعين عن التصويت بشكل لافت إلى 566.642، حيث تضاعفت حوالي خمس مرات ونصف قياساً إلى الانتخابات السابقة. وبدل أن تنخفض، زادت في التصاعد خلال استحقاقات 1992 و1997 و1993 و2003، وصولاً إلى انتخابات 2021.
في نفس السياق، بدأت سلسلة حوارات مع قادة الحركة الوطنية، من أجل تشكيل حكومة تضم المعارضة، واصطدمت كل المحاولات، خاصة مع الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال، بعوائق قانونية وسياسية. ولم تنجح محطات ومساعي التناوب التوافقي إلا بعد أزيد من عشر سنوات. وقد تميزت السنوات الأخيرة من الثمانينيات بنوع من الجمود السياسي، لم تحركه إلا استحقاقات جديدة سنة 1992، حيث شهدت نسبة الإقبال على التصويت ارتفاعاً خفيفاً قدر بأربع نقاط أي 75%، على حين أن استحقاق 1993 التشريعي عرف انخفاضاً في نسبة المشاركة بما يناهز 10 نقاط. علماً بأن هذه النسبة تختلف بين البوادي والمدن وأحياناً بين منطقة وأخرى، ففي حواضر مثل الدار البيضاء وفاس ومكناس ومراكش والقنيطرة، لا تتجاوز 15 إلى 25%، بينما تصل نسبة 60 إلى 70% في الأقاليم الصحراوية. ولهذا وصلت النسبة وطنياً إلى 62,75%.
وإذا كانت استحقاقات 1997 الجماعية قد عرفت نوعاً من الاستقرار في نسبة المشاركة، حيث بلغت 75,13%، فإن ذات النسبة للانتخابات التشريعية سجلت انخفاضاً جديداً، قياساً إلى سابقتها، فقد وصلت إلى 58,30%. وهذه المحطة بالذات مهدت لتجربة التناوب التوافقي، والتي أنجزت في شخص الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي (بعد وفاة الزعيم عبد الرحيم بوعبيد في يناير 1992)، مع الملك الراحل الحسن الثاني، الشيء الذي مهد للمرور بسلاسة إلى “العهد الجديد”. فيما اختلفت القراءات وتعددت التأويلات حول طبيعة هذا التعاقد، الذي انتهى عملياً مع حكومة إدريس جطو في صيف 2002. وكان التناوب إياه قد وضع نقطة النهاية أيضاً لعقود من الصراع بين الحاكمين وقوى المعارضة اليسارية والاتحادية على وجه الخصوص.
عرفت المرحلة سياسياً أحداثاً هامة، كملتمس الرقابة (14 ماي 1990) والإضراب الوطني العام الذي خاضه كل من الاتحاد العام للشغالين بالمغرب والكونفدرالية الديمقراطية للشغل يوم 14 دجنبر 1990، وما صاحبه من أحداث ومواقف. وعلى الساحة الدولية، تميزت الأوضاع بانهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الأوروبية التي كانت تابعة له، ما خلف آثاراً عميقة على الفكر الاشتراكي واليساري عموماً. واعتبر بعضهم أن هذا المنعطف يشكل نهاية التاريخ (فوكوياما) تبعاً لانتصار القيم الليبرالية، من حرية وديمقراطية وحقوق معلومة، مع التزام الصمت إزاء الديمقراطية الاجتماعية التي تلح عليها أحزاب اليسار.
وتخللت المرحلة تجربة التناوب التوافقي، التي علقت عليها آمال كبيرة، وخضعت كما سبق الذكر للعديد من التأويلات، حول الأساس القانوني والسياسي الذي بنيت عليه، وانتهت سنة 2002.
طبعاً، تلت ذات الحقبة العديد من الاستحقاقات الجماعية والتشريعية، كما تخللها رحيل الملك الحسن الثاني رحمه الله في 23 يوليوز 1999. ولحسن حظ البلاد، أن حكومة التناوب كانت تمارس مهامها، فأعلن الملك الجديد الأمير مولاي محمد، والذي اعتلى العرش باسم محمد السادس، تأييده لها في أول خطاب عرش له. كما مر انتقال السلطة بسلاسة تاريخية بصم عليها جميع “أهل الحل والعقد”. ثم جرت أول انتخابات تشريعية سنة 2002 وجماعية سنة 2003 في ظل العهد الجديد، احتل خلالها (نقصد الانتخابات التشريعية) الاتحاد الاشتراكي متزعم التناوب الرتبة الأولى في عدد النواب (53 مع حلفائه)، يليه حزب الاستقلال بـ48 مقعداً، ثم العدالة والتنمية 42 مقعداً، فالتجمع الوطني للأحرار 41، تتلوه الحركة الشعبية، فباقي الأحزاب. وبلغ عددها الإجمالي 21 حزباً تنافست على 325 مقعداً. ولوحظ أن نسبة المشاركة لم تتعد 51,61%، أي ناقص 7 نقاط عن استحقاق 1997. وما يلفت الأنظار هو ارتفاع نسبة الممتنعين عن التصويت التي ناهزت 15%، بما يزيد عن مليون صوت.
كانت سنة 2002 مفصلية في التاريخ السياسي، ليس للدولة فحسب، ولكن أيضاً لأحزاب الصف الوطني الديمقراطي، وقد ضعفت في أدائها ومواقفها وخطاباتها وحتى تنظيماتها، فأصبح دورها باهتاً، بعد أن حملت المشعل منذ استقلال البلاد. ولم تكن انتخابات 2007، سواء الجماعية منها أو التشريعية، والتي لم تزد فيها نسبة المشاركة عن 37%، سوى نسخة طبق الأصل في إعادة نفس النخب ونفس الظواهر، التي طالما نعتتها القوى الحية بالفساد والاستبداد. كما تكبد الاتحاد الاشتراكي أكبر خسارة في تاريخه، حيث فقد 12 مقعداً، وحصل حزب الاستقلال على 52 مقعداً والعدالة والتنمية على 46 مقعداً.
الاستثناء الأساس إذن في هذا السياق، هو بروز حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي، المنبثق عن الحركة الشعبية الدستورية (الخطيب) وجمعيات كالشبيبة الإسلامية. حيث ما فتئت قوته الانتخابية تتنامى، وفي ظل ظروف مناسبة له، كتصاعد التيارات الأصولية في العالم العربي، بعد الثورة الإيرانية وحرب أفغانستان وانكماش كل القوى الديمقراطية. وكان هذا التنامي في كثير من الأحيان على حساب اليسار وخاصة الاتحاد الاشتراكي، الذي تراجعت شعبيته وانكفأت أدواره السياسية إلى حد بعيد.
شكلت وسائط التواصل التكنولوجية الحديثة ثورة حقيقية، يمكن الحديث فيها عما قبلها وما بعدها، في مجالي الإعلام والتواصل، بينما تراجعت الصحافة الورقية، وضمنها طبعاً الجرائد الحزبية أو المستقلة على حد سواء. وعبر ذات الوسائط والفضائيات، تفجر الربيع العربي سنة 2011 بكل ما تبعه من تجاذبات مختلفة، كان أبرزها فسح المجال أمام التيارات الأصولية، التي وصفت بـ”المعتدلة”، قصد الوصول إلى الحكم وممارسة شيء من السلطة، كما حدث خلال مرحلة أولى في تونس ومصر والأردن ثم المغرب. حيث تم التمهيد للعدالة والتنمية، قبل التحول المعني أي الربيع العربي، ففاز هذا الحزب بقيادة الشعبوي بن كيران. فيما شكل دستور 2011 نقلة نوعية على مستوى النصوص والمضامين المتقدمة فعلاً، وقاطعته مع الانتخابات عدد من التنظيمات اليسارية الصغيرة أو الأصولية كالعدل والإحسان والنهج الديمقراطي وحركة 20 فبراير. وقد وصل عدد مقاعد الحزب الأصولي في البرلمان إلى 107، وبذلك تقلد بن كيران الوزارة الأولى في نوع جديد من التناوب، ثم قفز العدد إلى 125، وهي أعلى نتيجة يحققها حزب سياسي منذ أول انتخابات نيابية في المغرب.
لن نتناول الأحداث التي استجدت إثر ذلك، وانتقال حزب بن كيران إلى “المعارضة” بعد جرجرة طويلة من المناورات والتجاذبات، لينتهي المسلسل بتحجيم هذا الحزب هو الآخر إلى تشكيل فريق برلماني بالكاد. وهذا يعد منعطفاً عجيباً وغريباً في الانتخابات المغربية، حيث لم يتجاوز في آخر استحقاق 13 مقعداً، بينما فاز كل من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال بحصة الأسد.
دون الدخول في تفاصيل أكثر، أصبحت معروفة لدى الجميع، يمكن استخلاص الملاحظات التالية، حول الاستحقاقات الانتخابية المغربية، باعتبارها اختباراً شعبياً يعبر عن بعض مظاهر الديمقراطية (وليس كلها)، والديمقراطية التمثيلية تحديداً:
أصبحت الانتخابات في المغرب تلتزم بالأجندة الزمنية لإجرائها، مهما كانت الظروف. وهذا شيء هام للغاية، يدخل في احترام الدستور والقوانين الجاري بها العمل.
لم تفرز الانتخابات المغربية على مر فتراتها أغلبية واضحة لحزب معين، (سواء كان إدارياً أو “ليبرالياً” أو يسارياً أو أصولياً)، ونقصد بذلك حيازة أكثر من نصف مقاعد البرلمان (ومعها عدد الأصوات أحياناً) لحزب معين. وحتى ظاهرة الأحرار أو المستقلين سرعان ما “تقددت” خلال مراحل معينة. فلابد لأي حزب احتل الصف الأول في عدد المقاعد من التحالف مع أحزاب وتيارات أخرى، حتى يضمن الأغلبية، ومن ثمة تشكيل الحكومة.
الانحصار التدريجي الواضح للتمثيلية الانتخابية، فهناك خمسة أو ستة ملايين تصوت من أصل 15 مليون مسجل/ة، وهذه بدورها تحتسب من 25 مليون مواطن في سن التصويت. الشيء الذي يطرح أكثر من علامات استفهام حول الأفق الممكن أمام أشكال اليأس أو التيئيس أو المقاطعة. وآخر نسبة للمشاركة لم تتعد رسمياً 45%، أي أقل من نصف الناخبين المسجلين في اللوائح.
استفحال ظاهرة الامتناع عن التصويت، إما بوضع جميع اللوائح في الصندوق، دون التأشير على أي رمز، أو كتابة أشياء على اللائحة، أو رمي الغلاف في الصندوق فارغاً. وبغض النظر عن استمرار وجود أشياء مثل الأمية، فإن حجم الظاهرة (وتعد الآن حوالي مليون ونصف، وهو رقم ليس سهلاً في كل الأحوال) يتطلب تحليلاً متأنياً. لأننا نفترض أن هذا النوع من الناخبين يصدر عن موقف سياسي صريح وناضج، يفيد بأن الشخص المصوت أو الممتنع ليس ضد عملية التصويت في حد ذاتها، بدليل أنه كلف نفسه التوجه إلى مكتب التصويت على الأقل، ولكنه غير مقتنع بأي حزب أو تيار سياسي، كيفما كان نوعه أو لونه أو اختياراته.
نهاية الأدوار السياسية الفاعلة لأحزاب الحركة الوطنية، إما لأن هذه الأحزاب تجاوزتها الأحداث ذاتياً وموضوعياً، أو تبعاً لرحيل الرواد و”الشيوخ”، أو اضطرارها للانزواء واكتفاؤها بأن تكون رقماً بئيساً فحسب، مكملاً لباقي الأحزاب الحكومية أو الإدارية أو الجهات المتحكمة في القرار بالبلد.
بقاء الحزب الأصولي واستمراره تنظيمياً وسياسياً في المستقبل المنظور رهين – في نظري – بالتحولات الجيوسياسية على المستويات الجهوية والعربية والدولية، أكثر من أي عوامل داخلية. فوضعه أصبح في الأخير شبيهاً بوضع أحزاب الحركة الوطنية.
ومع كل هذا نأمل تطور الأمور إيجاباً لما فيه خير البلاد والعباد والمؤسسات.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.