تجارة الأعضاء البشرية بتندوف تضع "البوليساريو" والجزائر أمام المساءلة

تجارة الأعضاء البشرية بتندوف تضع "البوليساريو" والجزائر أمام المساءلة
كاريكاتير: عماد السنوني
الأحد 20 شتنبر 2026 - 08:00

تحوّلت قضية الشركة الاستثمارية التي هزّت مخيمات تندوف إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل المخيمات، بعدما كشفت معطيات حديثة عن عملية نصب واسعة استهدفت أموال سكان المخيمات، في سياق يثير أسئلة حادة حول كيفية تمكن شركة وهمية من استقطاب مبالغ مالية كبيرة واكتساب ثقة الضحايا، وسط حديث عن استفادتها من غطاء وفرته جهات نافذة داخل المخيمات.

ولا تقف القضية، وفق معطيات وشهادات استقتها هسبريس، عند حدود الاحتيال المالي، إذ برزت اتهامات بالغة الخطورة تتعلق بالاتجار بالبشر والأعضاء البشرية، مع تداول وثائق ومعطيات تستدعي فتح تحقيق دولي جدي لتحديد طبيعة هذه الممارسات وحجمها والجهات التي تقف وراءها، خصوصا أن المخيمات ظلت لسنوات خارج آليات الرقابة والمساءلة الدولية المباشرة.

وتثير هذه المعطيات بدورها علامات استفهام حول مسؤولية قيادة “البوليساريو”، التي تتولى تدبير شؤون المخيمات، ومدى علمها بما كان يجري، خصوصا في ظل الحديث عن أن الشركة تمكنت من نسج علاقات مع شخصيات وفعاليات محسوبة على القيادة واستفادت من حضورها في أنشطة وفعاليات داخل المخيمات، بما عزز ثقة السكان فيها وفتح أمامها المجال لاستقطاب أموالهم.

وتضع القضية، في المقابل، الجزائر أمام أسئلة محرجة، باعتبار أن مخيمات تندوف تقع فوق أراضيها وتخضع، حسب تقارير أممية، لظروف خاصة فيما يتعلق بالوصول والمراقبة؛ فيما تتصاعد المطالب بكشف حقيقة ما جرى وتحديد مصير الأموال ومساءلة كل من يثبت تورطه.

وبين روايات تتحدث عن واحدة من أكبر عمليات النصب التي عرفتها المخيمات، وأخرى تثير شبهة الاتجار بالبشر والأعضاء، تتسع دائرة الأسئلة حول ما يجري خلف أسوار مخيمات تندوف وبمرأى ومسمع من الجهات التي تتولى إدارتها.

غياب الرقابة

حمادة لبيهي، العائد من مخيمات تندوف إلى أرض الوطن، قال إن القضية تتعلق بـ”إنشاء شركة وهمية في مكان وهمي وفي إطار وهمي”، مؤكدا أن هذا الأمر “لم يكن ليسهل لولا مباركة نافذين وقادة في هذه المخيمات، سواء في مخيمات تندوف أو من الجنرالات والقيادات الجزائرية”، ومشيرا إلى تحويل أموال بين الرابوني وتندوف، فضلا عن تحويل عملات صعبة إلى الجزائر العاصمة وموريتانيا وحتى الأقاليم الجنوبية للمغرب.

ووصف لبيهي القضية ضمن تصريحه لهسبريس بأنها “أكبر عملية نصب واحتيال عرفها التاريخ المعاصر”، خصوصا داخل مخيمات تندوف التي اعتبرها “خارج الرادار وخارج نظر ومسمع العالم بأسره”، متسائلا عن الجهة التي تتحمل مسؤولية “الكارثة” التي قال إن ضحيتها سكان المخيمات، وما خلفته من أزمة في معيشتهم وفي الأموال والمساعدات التي يتلقونها من ذويهم المقيمين في إسبانيا والأقاليم الجنوبية.

وأضاف أن الأمر لا يقتصر، حسب قوله، على الاحتيال المالي؛ بل يشمل أيضا “صفقات وهمية” تتصدرها قضية بيع الأعضاء البشرية، لافتا إلى أن هذه الممارسات “ليست وليدة اللحظة”، وأنه سبق الحديث عنها منذ سنوات، إلى جانب ما وصفه بالمتاجرة بالأطفال وبيعهم، مسجلا وجود حالات قال إنه يمكن ذكر أصحابها بالاسم، سواء داخل المخيمات أو بين أشخاص عادوا إلى الأقاليم الجنوبية.

وأكد رئيس “الرابطة الصحراوية للديمقراطية وحقوق الإنسان” أنه “لا يستبعد مشاركة قيادة “البوليساريو” في هذه العملية الاحتيالية”، مصرحا بأن لديه قناعة بمشاركتها، مشيرا بشكل خاص إلى المستشارة الإعلامية لزعيم “البوليساريو”، التي قال إنها كانت تروج للشركة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأضاف: “الشركة كانت تمول برامج واحتفالات ومهرجانات وفعاليات تنظمها قيادة “البوليساريو”، فضلا عن مؤتمرات وندوات ومحاضرات؛ وهو ما ساهم، وفق تقديره، في منحها ثقة لدى سكان المخيمات.

وتابع قائلا إن ما يجري لا ينفصل عن حالة الاحتقان داخل مخيمات تندوف، متحدثا عن صراعات مرتبطة بتجارة المخدرات والحبوب المهلوسة، وعن مواجهات بالرصاص بين ما وصفها بمافيات المخدرات وميليشيات “البوليساريو”، ذاكرا أن قيادة الجبهة اضطرت إلى الاستعانة بعناصر من الجيش الجزائري للتدخل، بسبب وجود أسلحة من نوع كلاشينكوف؛ وهو ما قال إنه “تسبب في حالة من الخوف والهلع، خصوصا في صفوف النساء والأطفال”.

وحمّل الفاعل الحقوقي ذاته قيادة “البوليساريو” والجزائر مسؤولية ما يجري، معتبرا أن الأخيرة تتحمل “المسؤولية التاريخية والأخلاقية” عما يحدث، باعتبار أن المخيمات تقع على الأراضي الجزائرية. كما ربط القضية بموقفه من نشأة جبهة “البوليساريو” ووجود المخيمات، لافتا إلى أن سكانها تعرضوا، لعملية تضليل واحتيال متواصلة.

وبخصوص صاحب الشركة، قال لبيهي إن المعطيات المتوفرة لديه تفيد بوجوده حاليا في تركيا، متسائلا عن كيفية خروجه من المنطقة وطريقة تحويل الأموال إلى تركيا، وربط ذلك بـ”اختلاس وتبييض الأموال”.

وأضاف أن القضية خلفت توترا داخل المخيمات، بعدما نشبت خلافات بين أفراد الأسر والتجار حول الأموال التي جرى تحويلها إلى حسابات الشركة.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن حجم الأموال المتداولة في القضية يناهز، حسب المعطيات التي استند إليها، 49 مليون يورو؛ وهو رقم وصفه بالضخم قياسا إلى الوضع المعيشي داخل المخيمات، مؤكدا أن هذه الأموال، “تبخرت” من أموال سكان المخيمات.

وأجمل حمادة لبيهي بالقول إن الشركة ما كانت لتتمكن من استقطاب هذه الأموال لولا الثقة التي اكتسبتها نتيجة تعامل قيادة “البوليساريو” معها وترويجها لها، متسائلا: “أين هي الأموال؟ وأين هو الشخص؟ وأين هي الشركة بحد ذاتها؟، واصفا مخيمات تندوف بأنها أصبحت “بؤرة للإرهاب وتهريب المخدرات والمتاجرة بالبشر” ومنطقة “خارج الرادار”، لافتا إلى أن السلاح أصبح منتشرا في المخيمات.

تحقيق مستقل

من جانبه، قال عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، إن قضية شركة “إنفرافيست” بمخيمات تندوف ليست حادثا معزولا، وإنما تكشف عن بنية غابت عنها الرقابة والشفافية والمساءلة، وتركت مدخرات الأسر الصحراوية أمام مصير مجهول، متسائلا عن كيفية تمكن كيان مالي من الاشتغال لسنوات دون ترخيص واضح أو ميزانيات مدققة أو ضمانات فعلية للمودعين.

وأضاف الكاين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الشركة سالفة الذكر قدمت نفسها باعتبارها مجمعا يشتغل في مجالات الأشغال العمومية والوساطة المالية ورعاية المبادرات الخيرية، وعرضت على سكان مخيمات تندوف عوائد مرتفعة، على الرغم من طبيعة الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمخيمات، مشيرا إلى أن ذلك كان يفترض أن يثير الانتباه في وقت مبكر.

وأوضح أن المعطيات المتداولة تشير إلى اشتغال الشركة وفق ما يشبه نظام “بونزي”؛ من خلال دفع أرباح المودعين الأوائل من أموال مودعين جدد، إلى جانب اعتماد حملات على مواقع التواصل والاستعانة بأشخاص مؤثرين ونشطاء لتعزيز صورتها، فضلا عن عقود تتضمن، وفقه، بنودا مبهمة تؤخر استرجاع رؤوس الأموال.

وأكد المهتم بنزاع الصحراء أن توقف تدفق الأموال الجديدة أدى إلى تعثر الشركة وتوقف الدفعات، قبل إغلاق مقراتها واختفاء مؤسسها وسط تقارير عن فراره إلى الخارج، لافتا إلى أن ناشطين ومدونين سبق أن أثاروا تساؤلات بشأن غياب الميزانيات المدققة والتراخيص والضمانات.

وأضاف أن أحد المشتبه فيهم الرئيسيين خضع للتحقيق ولم ينف، إلى حدود اللحظة، ما نسب إليه من أفعال؛ بما فيها اتهامات مرتبطة بتجارة الأعضاء البشرية، مشددا على أن هذه الأخيرة تظل اتهامات بالغة الخطورة تحتاج إلى تحقيق رسمي ومستقل للحسم في صحتها.

ولفت المتحدث ذاته إلى أن تداعيات القضية لم تقتصر على أصحاب المدخرات؛ بل طالت أسرا صحراوية هشة وتجارا وتعاونيات محلية، وأثارت موجة استياء واحتجاج داخل المخيمات، وسط شبهات بشأن وجود علاقات بين بعض مسؤولي الشركة وشخصيات نافذة داخل قيادة “البوليساريو”، وهي معطيات قال إنها تستوجب التحقيق والتثبت منها. كما تحدث عن أموال جرى تحويلها، وفق المعطيات التي استند إليها، إلى وجهات خارجية، وعن صراعات وخلافات داخل المخيمات على خلفية الأزمة المالية.

وسجل الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن خطورة القضية ترتبط بغياب آليات مستقلة لحماية المدخرين وتسوية النزاعات المالية داخل المخيمات، مشددا على أن اعتماد السكان على المساعدات الدولية وهشاشة البنية الرقابية يفتحان المجال أمام تنامي عمليات الاحتيال. وربط ذلك بسياق أوسع يتعلق بتدبير موارد المخيمات والمساعدات الإنسانية، مستحضرا النقاش الذي أثارته تقارير سابقة بشأن احتمال تحويل جزء من المساعدات عن وجهتها.

وأكمل الناشط الحقوقي تصريحه بالقول إن قضية “إنفرافيست” ينبغي ألا تنتهي باختفاء مؤسس الشركة أو التحقيق مع مشتبه فيه، داعيا إلى فتح تحقيق مستقل ونزيه يكشف حجم الخسائر ومصير الأموال، ويحدد الجهات التي كانت تراقب نشاط الشركة أو تغاضت عنه، ويفصل في الاتهامات المنسوبة إلى المشتبه فيهم، بما فيها تلك المتعلقة بتجارة الأعضاء البشرية.

كما دعا عبد الوهاب الكاين إلى تحديد المسؤوليات وترتيبها في حق كل من يثبت تورطه أو تواطؤه أو تقصيره، والعمل على استرداد حقوق الضحايا وتجميد الأصول وتفعيل التعاون القضائي الدولي، إلى جانب إخضاع تدبير أموال سكان المخيمات ومواردهم؛ بما فيها المساعدات الإنسانية، لرقابة وتدقيق مستقلين، محذرا من أن غياب هذه الآليات قد يجعل قضية “إنفرافيست” مجرد حلقة في سلسلة قابلة للتكرار.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • أحمد
    الأحد 20 شتنبر 2026 - 09:11

    نظام الجزائر العسكري الخبيث يوظف دائما أموال مخابراته القذرة لشراء الذمم ولإسكات بعض الاصوت التي تنتقذه من منظمات وهيئات حقوقية دولية …بل يدعم كل قناة أو جهة تهاجم المغرب ….ماذا نفعل مع جار السوء؟ ننعل الجغرافيا التي جمعتنا به .

  • retraité
    الأحد 20 شتنبر 2026 - 09:32

    التحقيق يجب أن يكون دوليا حيث من اين تاتي الاموال للمحتجزين؟ لا فلاحة ولا صناعة ولا معادن ولا اي وسيلة تدر الاموال ليبقى أمامهم فقط التجار في المخدرات العابرة للحدود مع تواطء الكبرانات والخول في منظمات إرهابية واختلاف الاعانات اللتي تقدمها الأمم المتحدة للفراء ولكن استغلالها من طرفى الجيش الجزائري ادت الى وصلوا اليه اليوم من عيش الذل في مخيمات وقيان العار

  • مغربي
    الأحد 20 شتنبر 2026 - 09:39

    علاقة المرتزقة والعسكر الجزائري باروبا الشرقية قديمة
    اروبا الشرقية كانت معروفة بتجارة الأعضاء وهذا ما يؤكد وجود مافيا بالجزائر ومخيمات الخزي تتاجر بالأعضاء البشرية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 3

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم

صوت وصورة
بنعبد الله يدعو إلى التصويت
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:54 1

بنعبد الله يدعو إلى التصويت

صوت وصورة
رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:23 2

رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة

صوت وصورة
أوزين والمؤشر الاجتماعي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:50 2

أوزين والمؤشر الاجتماعي

صوت وصورة
بركة يحذر من العزوف الانتخابي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:30 8

بركة يحذر من العزوف الانتخابي