أحيانًا لا نحتاج إلى تحليل أكاديمي حتى نفهم تحولات المجتمع، فوثيقة قديمة وصورة عابرة تستطيعان أن تفتحا أمامنا بابًا واسعًا للتأمل.
أمامي “وثيقة صادرة عن وزارة التعليم الابتدائي، مؤرخة في 19 شتنبر 1970” تداولتها العديد من المواقع والمنتديات، وأمامنا، بعد ستة وخمسين عامًا، صورة أخالُها أقرب لطفل صغير نعرفه جميعا من زمننا يمشي داخل مَمَرِّ مدرسته، وقد غطت حقيبة مدرسية كبيرة جزءًا واسعًا من ظهره.

بين الورقة والصورة زمن طويل، تغيّرت خلاله المدارس والمناهج والوسائل وطرائق التدريس وأنماط الحياة، غير أن شيئًا واحدًا يعبر العقود ويصل المشهدين بعضهما ببعض: الأدوات المدرسية وما تضعه من مسؤولية على المدرسة، ومن كلفة على الأسرة، ومن وزن على كتفيْ الطفل.
حين تكتب الحقيبة تاريخ المدرسة
تحمل مذكرة صدرت سنة 1970 عن وزارة التعليم الابتدائي عنوانًا إداريًا لافتا: “تحديد الأدوات والكتب المدرسية”؛ غير أن مضمونها يكشف حساسية اجتماعية واضحة تجاه واقع الأسر المغربية في ذلك الزمن.
فقد لاحظت الوزارة أن بداية كل سنة دراسية تدفع بعض المعلمين إلى مطالبة التلاميذ بشراء عدد كبير من الكتب والأدوات، وأن هذه المطالب تضع الآباء أمام نفقات قد تتجاوز طاقتهم.
لم تتعامل الوزارة مع المسألة باعتبارها مجرد قائمة مشتريات تخص المدرسة، وإنما ربطتها مباشرة بالحالة الاجتماعية والاقتصادية للأسرة، وكأنها أرادت أن تقول للمدرس إن التلميذ الذي يجلس أمامه لا يأتي إلى القسم منفصلًا عن بيته.
وإن الدفتر الذي يطلبه منه له ثمن، والكتاب الذي يضيفه إلى القائمة له ثمن، وكل قلم أو كراسة أو أداة إضافية تدخل في حساب أسرة قد تعيش بموارد محدودة.
لا تناقش هذه الوثيقة مستوى الدروس ولا عدد الحصص ولا تفاصيل المقررات فقط، ذلك أنها تنزل إلى أبسط الأشياء التي ترافق الطفل كل صباح. تدعو المدرسين إلى مراعاة المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسر، وتطلب منهم ألا يكلفوا التلميذ شراء ما لا يحتاج إليه فعليًا.
وتؤكد أن الضرورة التعليمية يجب أن تقود الاختيار، لا كثرة الأدوات ولا الرغبة في جمع أكبر عدد من الكتب والدفاتر. وفي هذا التوجيه فكرة تربوية شديدة الحداثة رغم مرور أكثر من نصف قرن عليها: جودة التعليم لا تقاس بعدد الأشياء التي يملكها التلميذ، وإنما بما تمنحه تلك الأشياء من فائدة حقيقية في تعلمه.
الطفل يحمل ما قرره الكبار
تهتم هذه المذكرة بتفاصيل عملية دقيقة؛ فهي تشير إلى أن التلميذ لا يحتاج إلى شراء كتب المطالعة كلها، وتدعو إلى الاقتصار على ما يلزم فعليًا، كما تحدد عددًا محدودًا من الدفاتر للقواعد والملخصات، وللفروض والتمارين، وللاختبارات الدورية. إنها تحاول أن تضع حدًا للفوضى التي قد تنتج عن تراكم الطلبات المدرسية.
حتى الزي المدرسي لم يخرج عن هذا المنطق. فقد دعت المذكرة إلى النظافة والأناقة، وتركت للمعلم مساحة في اختيار ما يناسب ذوقه، من غير تشدد في النوع واللون.
تظهر هنا مرة أخرى الرغبة في الحفاظ على جوهر الأمر وتجنب المبالغة في شكله. فالهدف أن يأتي الطفل إلى المدرسة نظيفًا ومرتبًا، لا أن يدخل أهله في سباق لشراء زي أكثر كلفة أو أدوات أكثر زينة.
والرسالة التي تجمع هذه التعليمات واضحة: المدرسة تحتاج إلى التنظيم، والتلميذ يحتاج إلى الأدوات، والأسرة تحتاج في الوقت نفسه إلى من يفهم حدود إمكاناتها.
الدفتر بوصْفه قضية اجتماعية
ثم نغادر الورقة الصفراء التي تحمل تاريخ 1970، وندخل ممرًا مدرسيًا في سنة 2026. لا نجد نصًا مكتوبًا هذه المرة، ولا توقيع وزير، ولا تعليمات موجهة إلى المدرسين. نجد طفلًا صغيرًا يمشي بخطواته القصيرة، وحقيبة كبيرة تمتد على جزء واضح من ظهره.
يصنع هذا المشهد وحده خطابًا مباشرا: كم يحمل طفل اليوم معه إلى المدرسة؟ وهل يحتاج فعلًا إلى كل ما يحمله؟ لقد تغيّر العالم المدرسي تغيرًا هائلًا منذ سنة 1970.
اتسع عدد الكتب، وتنوعت الكراسات، وظهرت الملفات والحافظات والدفاتر المتخصصة، وتكاثرت الأقلام والألوان والأدوات الهندسية والمواد المرافقة للأنشطة، وظهر الحاسوب واللوح الإلكتروني والمنصات الرقمية.
وتحوّل الدخول المدرسي في كثير من البيوت إلى موسم للشراء والاستعداد.
تعرض المتاجر حقائب بأشكال لا تنتهي، ومقالم مجهزة بعشرات القطع، ودفاتر تختلف في الأحجام والألوان، وأدوات تقدمها الإعلانات أحيانًا كما لو أن النجاح الدراسي يتوقف عليها. وهنا تعود مذكرة سنة 1970 من بعيد لتسألنا السؤال نفسه: ما الضروري؟
تكتسب صورة طفل 2026 دلالتها الكبرى عندما نضعها بجانب تلك المذكرة. ففي سنة 1970 ظهر العبء أساسًا في ميزانية الأسرة، وفي سنة 2026 نرى العبء على ظهر الطفل. لقد حمل الأب قديمًا همَّ ثمن الكتب والدفاتر، ويحمل الطفل اليوم حقيبته وربما يحمل معها ما يفوق حاجته اليومية.
وهكذا تتحول الأدوات المدرسية إلى نقطة التقاء بين اقتصاد البيت وصحة الطفل وتنظيم المؤسسة التعليمية. كل كتاب زائد يحمل ثمنًا ووزنًا معًا، وكل دفتر لا يحتاج إليه التلميذ في ذلك اليوم يأخذ مكانًا داخل الحقيبة ويضيف غرامات صغيرة تتجمع حتى تصبح كيلوغرامات.
حين يغدو الطفل هو الغاية… لا الحقيبة
هكذا، عندما نضع مذكرة التاسع عشر من شتنبر 1970 بجانب صورة الطفل في سنة 2026، لا نضع الماضي بجانب الحاضر فقط، ذلك أننا نضع سؤالًا قديمًا أمام إجابة لم تكتمل بعد.
ستة وخمسون عامًا غيرت شكل المدرسة، وغيرت شكل الحقيبة، وغيرت نوع الكتب والأقلام والوسائل، غير أنها لم تلغ ضرورة الاعتدال. لقد طلبت المذكرة من معلم الأمس أن يراعي جيب الأب، وتدعونا الصورة اليوم إلى أن نراعي جيب الأسرة وظهر الطفل في آن واحد.
بهذا المعنى، تبقى أجمل مدرسة، في تقديري، هي تلك التي لا تقيس جديتها بثقل الحقيبة ولا نجاحها بطول قائمة المشتريات. تعرف المدرسة الحقيقية أن الطفل يحتاج إلى عقل فضولي، ومعلم واعٍ، وكتاب نافع، ودفتر يؤدي وظيفته، وأدوات محدودة تخدم المعرفة. وما زاد على الحاجة يستحق المراجعة.
من ورقة قديمة تحمل حبر سنة 1970 إلى طفل صغير يمشي في ممر مدرسي سنة 2026، تصلنا الرسالة نفسها وكأن الزمن لم يستطع إسْكاتها: خفِّفُوا عن الطفل طريقه إلى العِلْم، فالمعرفة في ذاتها رحلة كبيرة، ولا حاجة إلى أن نضع فوق كتفيه أوزانًا أخرى.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
والنتيجة تقهقر إلى الخلف، وتردي في المعرفة والعلم، وبناء أجيال جوفاء فارغة …
في زمن طفولتنا، كان للمدرسة طعمٌ آخر، وكانت الأشياء الصغيرة تحمل في قلوبنا فرحةً كبيرة. كان اقتناء الكتب والأدوات المدرسية الجديدة يُعدّ يومها علامةً على يُسر حال الآباء وثرائهم، أما نحن، أبناء البسطاء، فكنا ندرس بكتبٍ مستعملة تناقلتها الأيدي؛ من أخٍ إلى أخت، ومن جارٍ إلى جار، وكأن لكل كتابٍ حكايةً وذكرياتٍ تركها فيه من سبقونا.
لم نكن نطلب الكثير؛ محفظة جديدة كانت كفيلة بأن تجعلنا نشعر بالسعادة، ودفاتر رخيصة وبعض الأقلام كانت تكفينا لنستقبل العام الدراسي بقلوبٍ مفعمة بالأمل. كنا نعرف قيمة الأشياء، ونفرح بها من أعماقنا، لأننا كنا نتعلم أن السعادة لا تحتاج إلى الكثير.
واليوم، حين نتذكر تلك الأيام، نشعر بدفءٍ غريب يسكن القلب… فقد كانت أيامًا بسيطة وفقيرة في الأشياء، لكنها غنية بالصحبة والبراءة، وبذلك الشعور الجميل الذي لا يُشترى: أن نفرح بالقليل، وأن نحلم بالكثير.
تلك المذكرة تهمني لأنني بدأت مشواري الدراسي في أكتوبر من تلك السنة في القسم التحضيري. وأنا الآن مقبل على التقاعد في آخر هذه السنة الدراسية بعد 42 سنة من التدريس والتدبير التربوي. لم أكن أعرف أن سلك الابتدائي آنذاك له وزارته الخاصة به. يالها من ذكريات جميلة ياسيدي عبد الفتاح ! شكراً لك.
شتان بين الأمس واليوم…أولا جيل السبعينات درسوا على يد أساتذة مكونين بجد ومثقفين ثقافة غربية,ومنهم من درسه أساتذة الإستعمار الفرنسي….لذلك كان المستوى جيدا…ومع الأسف سار التعليم بعدها بشكل انحداري.مع تقاعد أولئك الأساتذة،جر من بعدهم تلامذتهم المهمة بصعوبة،ولامشكل كان لديهم في الثمانينات والتسعينات….لكن ببروز الالفينات تقاعد أساتذة الستينات والسبعينات،فخلف من بعدهم خلف أضاعوا التحصيل والجد الا من رحم ربي…وازدادت الطامة الكبرى لما أدمج أصحاب التعاقد….تحول عكسي،يجب إصلاحه ومعالجته….الزمن الماضي،كانت كراسة ودفتر ولوحة خشبية وحبر…تكفي للمطالعة والتحصيل..وفي زمننا هذا اصبحت المحفظة الثقيلة عبئا على مشتريها،وحاملها!!!. صار التعليم تفاخرا بين الأسر،وتنافسا على المدارس الخاصة لمحاولة تقمص حياة الأثرياء الأرستقراطيين…ولو بالقرعة والكريديات…؟!غريب أمر هذا الزمن!!!!
مذكرة وزارية تنم بالفعل عن حس اجتماعي راق جدا وتحليلك أستاذ عبد الفتاح لواقع الأمس واليوم موفق التعليم قضية على الحكومة منحها الأولوية لكن مع الأسف تتغير الحكومات وتظل دار لقمان على حالها
ينبغي أن يتكفل بوزارة التعليم تكنوقراطي وإبعاد الأحزاب عن التعليم هذا هو الحل
لم أفهم لماذا الوزارة لا توفر الكتب المدرسية في وقتها من يجيبنا من المسؤولين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
جواب مقنع