رحيق الأسفار

رحيق الأسفار
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:13

صدر مؤخرًا [2026] عن دار السلام الجديدة مؤلف للصحفي والكاتب المغربي أحمد لمشكح، وُسم بـ«رحيق الأسفار»، يسرد الكتاب رحلات الصحفي المهنية لعدد من الدول الأوروبية والعربية والإفريقية، يصنف الكاتب مؤلفه ضمن أدب العمل الصحفي، وتحديدًا الرحلة، لكنه يضيف أن به «نفحة تحمل معها روح الاستطلاع أو الروبورتاج الذي يصنف ضمن أرقى الأجناس الصحفية» [ص 3]، يمزج الكاتب مشاهداته بتأملات الصحفي الاستقصائي الناقد، مقدمًا للقارئ عدسة فريدة يرى من خلالها البلدان التي زارها وملامحها الثقافية.

لعل القارئ الذي يعرف الخلفية السوسيو-مهنية للكاتب، كصحفي ومدير نشر لصحيفة «المساء» المغربية، وتاريخه في الكتابة الصحفية، يتوقع أن يجد مزيجًا من التدوين الموضوعي للأحداث والأماكن والتعليق الحر الذي يعبر عن ثقافة وقيم الصحفي في مواجهة سياقات وعلاقات وتناقضات الأمكنة التي يزورها، يتألف الكتاب من 19 مقالًا مرتبة وفق تسلسل موضوعاتي، يضع فلسطين بروحها الثائرة ومقاومتها للمحتل في المقدمة، حيث يحكي الكاتب معاناة وحنين الفلسطيني للعودة، وتشبثه برموز الهوية كالدبكة والكوفية، مذكرًا المغاربة بالباب الذي حمل اسمهم لعقود، ثم ينتقل عبر دول عربية كالسعودية ليحلل بمصفاته الأيديولوجية اليسارية وضعية المرأة، ويستشرف ثورة هادئة ستغير معالم العلاقات الجندرية، ثم تونس التي ما زال الحماس السياسي الذي أحدثته ثورة الياسمين يهيمن على المجالات الأخرى، ومن بينها بالخصوص الرياضة، كانت الجزائر محطة للتأمل في الصراع بين السياسيين في المغرب والجزائر، وفي الحل الذي يمكن أن تقدمه لعبة شعبية لتجاوز عداء فوقي لا علاقة له بالعلاقة التاريخية بين الشعبين، وكانت زيارات الكاتب لأوروبا [فرنسا، بلجيكا وسويسرا] مناسبة للتعليق على السياسات العنصرية لليمين المتطرف نحو المهاجرين، وفي الوقت نفسه لتحميل المهاجرين بعض المسؤولية في عدم الاندماج، وكان لقاء الكاتب مع نظام وهدوء زوريخ السويسرية مثيرًا لتعارضه مع توقعات رحالة ينظر إلى شوارع المدينة أثناء اللقاءات الرياضية بعين مغربي ألف الضجيج والهتاف في الشوارع قبل المباراة، ختم الكاتب رحلته لأوروبا بزيارة تركيا متهمًا إياها بالانتهازية والاستفادة من الربيع العربي من حيث السياحة والتجارة، رجوع الرحالة لأرض إفريقيا كان لمدينة كاروا الفقيرة في شمال الكاميرون، حيث رصد الفوارق المجالية بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي، متهمًا الفساد السياسي بتكريس التخلف الذي تعيشه المدينة، وكانت مصر آخر المحطات ومناسبة للإشادة بحب المصريين لفريقهم الوطني ولبلدهم مصر.

لم يكن الكاتب والرحالة أحمد لمشكح يحكي تفاصيل سفره لهذه البلدان التي تم في تواريخ مختلفة [ما بين 2003 و2018]، بل كان يخلق بؤرة موضوعاتية في كل زيارة ليجعلها نقطة انطلاق لتعاليقه وتأملاته التي كانت في مجملها سوسيو-ثقافية ومؤطرة خطابيًا لتبرز خلفية الكاتب الصحفية وثقافته الحداثية واليسارية التي تصطف بجانب الشعب المقاوم للظلم في فلسطين، والشعب المفقر في الكاميرون، والمرأة المقموعة في السعودية، وتقف في وجه التضليل السياسي في الصراع المغربي الجزائري، والسياسة العنصرية لليمين المتطرف في فرنسا، والانتهازية التركية في مجالها الجيوسياسي، متشبثًا بالحس الموضوعي للصحفي المتمرس في تحليل الظواهر الاجتماعية كمسؤولية المهاجر في فشل ونجاح الاندماج، ودور الشعوب في التخلص من قيود التقليد وتأثير التضليل السياسي، لا تأتي المعلومة للقارئ عارية من التأطير، بل تمر بمصفاة ثقافة الرحالة والكاتب الصحفي، لا حديث عن فلسطين بدون إبراز المعاناة والصمود، الفقد والحنين، وشعر محمود درويش، سمفونية عربية مقاومة لرتابة الخطاب الإعلامي العربي وتواطئه مع النسيان، عند السفر، نصدم أحيانًا بالمظاهر المختلفة عن ثقافتنا، كما حدث للكاتب في سويسرا وتركيا، وتلك صدمة مخففة لاصطدام الحضارات كما تخيله هنتنغتون.

غير أن التأطير الثقافي والأيديولوجي للرحلات يحوّل أدب الرحلة إلى كتابة استقصائية تحلّل عبر مصفاة انتقائية مظاهر لا تروق لعين الرحالة الصحفي، تتأملها وتعلق عليها على هامش المهمة الصحفية التي كان الكاتب يقوم بها في هذه الدول، عندما نحلل فضاءات الكتابة، نجد تداخلًا للرياضة والرحلة والسياسة، على أساس أن النقد السوسيو-ثقافي له جذور سياسية، كان سبب الزيارة أحيانًا هو المحفز للتأمل في ظواهر مرتبطة، وفي كل حالة نجد تعليقًا يربط بين سبب السفر والظاهرة السوسيو-ثقافية والرياضة، استغرب اليمين المتطرف في فرنسا كثرة اللاعبين الأفارقة في المنتخب الفرنسي واعتبره منتخبًا غريبًا عن فرنسا، وكانت هذه الملاحظة كفيلة بإثارة الكاتب الرحالة الذي شجب عنصرية لوبان التي تسبح ضد التيار في فرنسا، حيث أصبحت الكرة عقيدة جديدة تجذب إليها الشباب وتذكي حماسهم، لم تكن كرة القدم في الكاميرون سوى النسخة الإفريقية للاستغلال والتضليل أو التوظيف، حيث كان إنشاء فريق محلي في كاروا نقطة تحول في اهتمامات الشباب من التجمهر والاحتجاج ضد التهميش الاقتصادي إلى التعبير عن الانتماء الكروي والهوية الجماعية لشباب ضائع بدون تعليم جيد ودون فرص حقيقية للشغل والتنمية، كما لاحظ الكاتب الرحالة تأثير المجال السوسيو-ثقافي على المجال الرياضي في السعودية وسويسرا، حيث يهمّش الفكر التقليدي الوهابي في السعودية الاهتمام بمجال الرياضة ويضعه في خانة الأمور التافهة التي يجب على المسلم تجنبها، ويحرّمه على المرأة لكشفه لعورتها، أما سويسرا فكانت لها مبرراتها الثقافية ليس في تهميش لعبة شعبية، بل في إعطائها حجمها الحقيقي في مجتمع متعلم، يعرف كيف يوزع وقته حسب المصلحة وبعيدًا عن الحماس المغيب لدور العقلانية التي هي أساس الحضارة الأوروبية.

قراءة «رحيق الأسفار» هي رحلة فكرية تجوب بك بلدانًا وثقافات مختلفة، وتنقلك عبر مواضيع مؤطرة إلى عمق التجربة والتأمل الرحلي الذي يحلل ويناقش وينتقد عبر مصفاة الكاتب الثقافية، غير أن فضاء «رحيق الأسفار» ليس فقط فضاءً جغرافيًا ننتقل عبره ونسجل تفاصيله، بل سفر في داخل الثقافة والسياسة والرياضة، وتحليل لتداخل هذه الفضاءات لتنتج لنا تأملات من النوع الاستقصائي التي تعلق وترتب، من حيث القيمة والأيديولوجيا والبعد الثقافي، كل الظواهر التي رصدتها العين الثاقبة للصحفي أحمد لمشكح.

-أستاذ باحث بجامعة شعيب الدكالي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 18:46 4

شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح

صوت وصورة
المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية
الخميس 24 شتنبر 2026 - 15:48 10

المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية

صوت وصورة
بوعياش: ضعف المشاركة إنذار
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:37 8

بوعياش: ضعف المشاركة إنذار

صوت وصورة
ندوة حزب الأصالة والمعاصرة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:33 11

ندوة حزب الأصالة والمعاصرة

صوت وصورة
"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى
الخميس 24 شتنبر 2026 - 09:00

"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31 8

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات