ما هي بعض الاستنتاجات الرئيسة التي يمكن الخروج بها فيما يخص الاقتراع الذي جرى يوم 23 شتنبر الحالي، والمتعلق بانتخاب أعضاء وعضوات مجلس النواب؟ في نظري، يمكن، على الأقل، في انتظار مزيد من المعطيات حول تشكل الخريطة الانتخابية، ونوعية الأصوات التي حصل عليها كل حزب، والتحالفات المستقبلية المرتبطة بتشكيل الحكومة التي سيديرها حزب الأصالة والمعاصرة، رصد مجموعة من التوجهات: أولها مرتبط بالاقتراع نفسه كآلية لضبط التنافس، وثانيها يكمن في ضعف نسبة المشاركة. وثالثا، فإن النتائج أفرزت معطيات متباينة، من أبرزها الاستمرارية داخل التحالف السابق نفسه بترتيب مغاير. في المقابل، صعود وازن لحزب العدالة والتنمية، وتحالف اليسار، مع تراجع لحزبي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، اللذين يواجهان صعوبات واضحة في التقدم في المشهد السياسي المغربي.
أولا: تكريس الاقتراع المباشر كآلية لضبط التنافس
المعاينة الأساسية الأولى تكمن في كون الاقتراع بات آلية لا مناص منها لضبط المنافسة الحزبية من أجل التمثيل داخل مجلس النواب الذي يتكون من 395 نائبا ونائبة. والجدير بالإشارة أنه بالنسبة للاقتراع الحالي، فقد أعلن عن تاريخه منذ شهر مارس الماضي، مما مكن من التحضير، سواء على المستوى القانوني أو اللوجستيكي، أو على مستوى الأحزاب السياسية التي كانت تتوفر على متسع من الوقت لتحضير نفسها للاستحقاق. في هذا السياق، من المهم أن نبرز الدور المهم الذي قامت به وزارة الداخلية من أجل إعداد الإطار القانوني، رغم النقاش الذي أثاره، لا سيما فيما يتعلق باحتمال تعارض بعض أحكامه مع مبدأ قرينة البراءة. لكن الهدف كان يرمي بالأساس إلى تنقية الولوج إلى الترشيح، وإلى المجلس نفسه، من بعض الشوائب، ومن بعض الكائنات الفاسدة التي تسيء إلى صورة البرلمان، والتي لا محل لها في الفضاء السياسي. ومن ثم، فإن دور وزارة الداخلية في السهر على تنظيم الاقتراع لم يعد محل انتقاد، رغم بعض الأحداث الجزئية التي لا يمكن إجمالا أن تؤثر على النتائج النهائية، والتي ينبغي التعامل مها بالشفافية اللازمة من طرف القضاء، علما منا أن هذا المسار سيكتمل بإمكانية الطعن أمام المحكمة الدستورية من طرف المترشحين في كل ما يعتقدون أنه أخل بنزاهة ومصداقية العملية، فيما يتعلق بالدائرة التي ترشحوا فيها.
ثانيا: نسبة المشاركة تستنطق الفاعلين السياسيين
في مقابل التحضير المرضي لهذا الاستحقاق، فإن نسبة المشاركة الضعيفة تسائل، لا أقول فقط الأحزاب السياسية، بل الفاعلين السياسيين برمتهم. فهي في العمق تطرح مسألة الثقة في المؤسسات، وجدوى المشاركة وفاعلية التصويت في تحقيق الانتظارات الفعلية للمواطن. ولا تقتصر مسألة المشاركة فقط على الإدلاء بالصوت يوم الاقتراع، بل إنها ترتبط أصلا بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، حيث إنه بالرغم من الحملات الرامية إلى تعبئة المواطنين، فإن عدد المقيدين في اللوائح لم يتجاوز 15 مليون شخص، مما يعني أن نسبة مهمة لم تنخرط أصلا في هذا المسار الانتخابي. ولا يمثل الشباب إلا أقل من 5 في المئة من المقيدين في اللوائح الانتخابية. لا شك أن هذه المعاينة تحتاج إلى مقاربة معمقة لتحديد الأسباب الكامنة وراء هذا العزوف، وكذا طرح المقاربات الملائمة لجعل المسلسل الانتخابي أكثر جاذبية وإغراء وفاعلية لإسماع صوت المواطن والتفاعل معه بالجدية الضرورية.
أما فيما يتعلق بنسبة المشاركة المتدنية بالنسبة للمسجلين في اللوائح الانتخابية، التي لم تتجاوز 38 في المئة، فهي لا تعكس موقف فئة واحدة منسجمة. فنحن أمام فئات مختلفة فيما يتعلق بموقفها من المشاركة في التصويت. فهناك فئة تشاطر الاعتقاد بأن هناك ما يمكن وصفه بأزمة السياسة في حد ذاتها والتي تراجعت لحساب التكنوقراطية والشعبوية، وبالتالي عجز السياسيين بكل أطيافهم عن الإتيان بأجوبة وأدوات فعلية لمواجهة المشكلات التي تواجه اليوم البشرية، كما هو الأمر بالنسبة للتغيرات المناخية، والتوترات الجيو-سياسية، والدور المتصاعد للذكاء الاصطناعي. وفي الواقع، فإن هذا التصور ليس محسوما بشكل نهائي. نلاحظ في عدد من التجارب الانتخابية أن الخوف من المصير المجهول قد يفضي إلى الإقبال على المشاركة الانتخابية. وهناك فئة أخرى تعتقد أنه لا جدوى من التصويت طالما أن النتيجة محسومة مسبقا، وأن الدولة راغبة في قيادة حزب الأصالة والمعاصرة للحكومة المقبلة، التي ستتزامن مع تنظيم المغرب لكأس العالم .
وزاد من هذا الاعتقاد انضمام السيد فوزي لقجع إلى هذا الحزب أياما قبل بدء الحملة الانتخابية، وتقديمه من طرف البعض كمرشح فوق العادة لقيادة الحكومة، ليس كسياسي، ولكن في الواقع كتكنقراطي مسلح بحصيلته في مجال التدبير الرياضي، وفي إمكانياته من أجل إنجاح ورش تنظيم كأس العالم في سنة 2030. في حين، فإن فئة أخرى تبرر عزوفها عن التصويت، اعتبارا للوضعية الهجينة التي تعرفها بعض الأحزاب، لا سيما فيما يتعلق بالقيام بمهامها التي نشأت من أجلها، والمتمثلة في التأطير والتعبير الصادق عن هواجس وانشغالات المواطن، واتخاذ مواقف واضحة وجريئة، في الوقت الذي يتطلب الأمر ذلك.
بصفة عامة، فإن العزوف الانتخابي، وخاصة عند الشباب الأكثر تأثرا على المدى الطويل بالقوانين والمواقف التي يتخذها البرلمان، يبقى من التحديات التي ينبغي أن يعالجها النظام برمته، حتى يضمن فعليا مشاركة جماعية في تدبير الشأن العام.
ثالثا: هل يتعلق الأمر بتصويت عقابي؟
جزئيا نعم، لكن عموما، فإن النتائج الإجمالية لا تسمح بمشاطرة هذه المعاينة. فالملاحظ أن الثالوث الذي كان يشكل الأغلبية قد حافظ على مكانته، مع تغيير فقط في الترتيب. فالتجمع الوطني للأحرار يعتبر الخاسر الأكبر؛ إذ انخفضت تمثيليته من 102 مقعد في المجلس السابق إلى 66 مقعدا، وحزب الاستقلال بدوره تراجع من 81 مقعدا إلى 66 مقعدا. وحده حزب الأصالة والمعاصرة انتقل من 86 مقعدا إلى 97 مقعدا. معنى هذا أن التحالف الذي شكل الحكومة السابقة فقد إجمالا 41 مقعدا، وهي التي، كما سنلاحظ، سيستفيد منها حزب العدالة والتنمية.
من الواضح أن التجمع الوطني للأحرار قد أدى فاتورة التداخل بين المال والسياسة. ومن سوء حظه أن الانتخابات جرت في الوقت الذي تعرف فيه أسعار النفط ارتفاعا مهولا له تأثيرات واضحة على القدرة الشرائية للمواطن. في الوقت الذي يملك زعيمه السابق أكبر شركة لتسويق البترول، تحقق أرباحا كبيرة. أضف إلى ذلك أن انسحاب رئيس الحكومة من السباق السياسي كان يعطي إشارة واضحة إلى الخوف من الدفاع عن الحصيلة التي يعتبرها البعض كارثية، والتي حاول الحزبان الآخران التنصل منها.
بالنسبة لحزب الاستقلال، لم يكن فعليا ضمن المرشحين لقيادة الحكومة المقبلة. ولا شك أنه بدوره عانى من هجرة بعض أسمائه إلى حزب الأصالة والمعاصرة الذي كان المرشح الأوفر حظا.
لكن في المقابل، كيف يمكن تفسير تقدم حزب الأصالة والمعاصرة بالرغم من مشاركته في الحكومة، وتبني بعض وزرائه، كما هو الشأن بالنسبة لوزير العدل، مواقف شنجت بعض القطاعات، كما هو الأمر بالنسبة للقانون المتعلق بمهنة المحاماة، الذي شل المحاكم طيلة الشهور الماضية؟ هل يمكن تفسير ذلك بجاذبية برنامجه وقدرته على تقديم عرض وممارسة أكثر فاعلية مما كان عليه الأمر وهو موجود في الحكومة السابقة؟ قد يكون ذلك قد ساهم بنسبة ما، لكن من الواضح أن قوة الحزب الانتخابية، وليس المجتمعية، تكمن بالأساس في قدرته على استقطاب عدد من المترشحين الأعيان المالكين لإمكانيات مادية تسمح لهم بالتأثير في بعض الشرائح الاجتماعية، سواء عبر رصيدهم الخاص، أو عبر التواجد في مؤسسات الدولة، وطنيا ومحليا. فضلا عن استقطاب مترشحين من أحزاب أخرى، لا سيما التجمع الوطني للأحرار، في ظل ميركاتو سياسي بات يميز وضعية بعض الأحزاب التي لا تؤمن فقط بعطاء المناضل، وإنما بقدرته على الحصول على المقعد الانتخابي. وهي حالة تزيد من غربة السياسة، وتزكي العزوف الذي ينخر الجسد السياسي المغربي. أكثر من ذلك، فإن دوره في قيادة الحكومة بات يبدو كقدر محتوم، طالما أنه ظل يحن إلى ذلك منذ تأسيسه أصلا للاضطلاع بهذه المهمة.
رابعا: حزب العدالة والتنمية كطائر الفينيق ينتفض من رماده
المستفيد الأكبر في هذا الاستحقاق يبقى بدون منازع حزب العدالة والتنمية. فتقريبا ضاعف غلته بأربع مرات، صاعدا من 13 مقعدا إلى 54 مقعدا. وهو شيء إيجابي بالنسبة للمعارضة التي بوأها الفصل 10 من الدستور مكانة ينبغي أن تقوم بها فعليا في البرلمان. فقد عانى المجلس الأسبق من الضعف العددي للمعارضة بشكل لم يكن يساعدها على أجرأة بعض آليات المراقبة البرلمانية. هذه النتيجة تعود في اعتقادي إلى ثلاثة عناصر: أولها عودة السيد عبد الإله بنكيران إلى قيادة الحزب بعد الاندحار الذي كان قد عرفه في ظل الحكومة التي كان يقودها سلفه السيد سعد الدين العثماني. فرغم طابعه الشعبوي، فإنه عبر عن حضور فاعل، يتسم بالتفاعل المستمر مع الأحداث التي تعرفها البلاد، عاقدا العزم تارة على تعبئة قواعده، وتارة التعبير عن توجهات وهواجس الرأي العام. فقد ظل محافظا فيما يتعلق بالحريات العامة، لكنه عبر عن مواقف انشغل بها الرأي العام. ويكفي أن نشير إلى تفاعله مع ما وقع في سبتة من هجرة جماعية، أو ما فيما يتعلق بقرار تعميق التطبيع مع إسرائيل، حيث عبر حزبه عن موقف معارض يساير أغلبية الرأي العام المغربي، التي تستهجن سياسة الإبادة التي يمارسها نتنياهو واليمين المتطرف ضد الشعب الفلسطيني.
وهو موقف لا يقتصر على الرأي العام المغربي، بل هو موقف إنساني وكوني لا يجد حرجا في تكييف ما قامت به إسرائيل من جرائم كجريمة إبادة، علاوة على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يتابع بها نتنياهو ووزير دفاعه الأسبق. وأما العنصر الثاني، فيتمثل في الدور النشط الذي قامت به المجموعة البرلمانية للحزب، التي عبرت عن معارضة واضحة، وحاولت بالخصوص فضح التداخل بين المال والسياسة في تناقض واضح مع رفض تضارب المصالح التي نص عليها الدستور. وأخيرا، فإن العنصر الثالث المفسر يتمثل في وجود شريحة اجتماعية، منها ما هي محافظة مؤمنة بالقيم التي يجسدها حزب العدالة والتنمية، ومنها ما هي متعاطفة مع هذه المقاربة الساعية إلى خلق نوع من التوازن بين حماية المصالح العليا للبلد، وعدم الغلو في فرض الموقف الواحد.
خامسا: مصاعب اليسار
إذا استثنينا التقدم الملموس لتحالف اليسار الذي دعم مركزه بحصوله على 8 مقاعد بفعل اتحاد مكوناته والحضور المستمر، خاصة عبر الفضاء الرقمي لبعض أطره، والتركيز على محاربة الفساد، وتنامي الفوارق الاجتماعية، فإنه يلاحظ أن الحزبين التاريخيين الآخرين المشكلين لليسار، سجلا نتائج مخيبة للآمال.
على خلاف العدالة والتنمية الذي استطاع استرجاع عافيته في حقبة وجيزة، وإلى حد ما، تحالف اليسار، فإن الاتحاد الاشتراكي تراجع بشكل ملحوظ، حيث انتقل من 34 مقعدا إلى 26 مقعدا. وتكرس هذه النتيجة المخيبة عجز القيادات المتعاقبة منذ نكسة انتخابات 2007 على إرجاع التوهج والشعبية إلى هذا الحزب العتيد الذي ساهم بشكل وافر في بناء الديمقراطية في بلادنا بفضل تضحيات مناضليه. فهو يؤدي ثمن عدم قدرة القيادة الحالية على إعادة تعبئة الطاقات التي كان يتوفر عليها الحزب سابقا، وعلى تبني خط سياسي متذبذب عاجز عن المبادرة السياسية والتعبير عن مواقف شجاعة في مواجهة القضايا التي تشغل بال المجتمع المغربي. فالإغراق في الحسابات السياسية الضيقة لا يمكن أن يشكل سياسة مغرية بالنسبة للمواطن. وفي العرف الديمقراطي، فإن القيادة التي تتراجع انتخابيا من واجبها أن تقيم بشكل موضوعي، وأن تقر بمسؤوليتها الشخصية على هذه الانتكاسة، وعدم الاكتفاء بالقبول بموقع لا يتجاوز الحصول على بعض الحقائب الوزارية، مهما كانت الحكومة المشكلة مستقبلا.
في السياق نفسه، لم يتمكن حزب التقدم والاشتراكية بدوره من تحسين موقعه. حيث انخفض من 22 مقعدا إلى 19 مقعدا. وهي نتيجة تعكس مصاعب الحزب في التموقع كقوة رئيسة في المشهد السياسي المغربي، في ظل سيطرة الأحزاب التي تملك وعاء واسعا من الأعيان على العملية الانتخابية، ورغم محاولات أمينه العام الإتيان بخط سياسي يروم الانحياز لقيم اليسار، فإن كل ذلك لم يكن كافيا لتبويء هذا الحزب المكانة التي كان يتطلع إليها.
صفوة القول، من الواضح أن حزب الأصالة والمعاصرة الذي واجه إعصار 20 فبراير 2011، الذي عصف آنذاك بطموحاته، يشعر بنوع من التعويض (revanche). سينتقل من مشارك في القيادة إلى سائق رئيسي في ظرفية لا تخلو من صعوبات. لا شك أن الطريق ليست سالكة؛ فمن جهة سيواجه معارضة من خصمه اللدود الذي استرجع جزءا من عافيته وروحه، حزب العدالة والتنمية، في انتظار معرفة اصطفاف باقي القوى السياسية. ومن جهة أخرى، سيجد نفسه أمام فعلية تنفيذ الوعود التي أطلقها في حمأة الحملة الانتخابية، في ظرفية تسائل الحكومة المقبلة عن الإمكانيات الفعلية التي ستوفرها لمواجهة التحديات التي يواجهها المجتمع المغربي، وأبرزها تقليص الفوارق والضمان الفعلي للمعيش اليومي للمواطن، بفعل عوامل داخلية، وأخرى دولية أردنا أو لم نرد، تظل ضاغطة على كل سياسة وطنية، من أبرزها التغيرات المناخية وانعكاساتها خاصة على المجال الفلاحي، والتوترات العالمية التي فجرها الرئيس الأمريكي، وخاصة فيما يتعلق بأسعار المحروقات الأساسية المتأثرة حاليا بإغلاق مضيق هرمز، لا سيما أن المغرب من الدول المستوردة والمتأثرة بتقلبات السوق النفطية. لنا عودة للموضوع.
مشكل الثقة لا علاقة للفاعل الحزبي به بل هو مرتبط بوضع نفسي تاريخي عاشته كل الدول في مرحلة من مراحل حياتها حين يكون القديم لم يندثر بعد و الحديث مازال لم يتغلغل كليا بعد ، ثم هناك الخطابات التيئسية المهيمنة في المدن و استفحلت مع وسائط التواصل الاجتماعي كما تغذيها أطراف بعينها في الداخل و الخارج لا تريد الخير لهذا البلد. المشكل إذن ثقافي نفسي عميق لا يمكن تغييره إلا حين يتحول المغرب إلى بلد حداثي بالكامل بقيم عصرية مثل الأوروبيين يفهم مواطنوه السياسة العصرية .