عادة ما يختزل الزوار مدينة “بني ملال” في المنتجع السياحي والبيئي المعروف “عين اسردون”، ذلك المنتجع الذي يقصده الناس من كل فج عميق، ليستمتعوا بمناظر الطبيعية الجميلة وبالهدوء والراحة النفسية التي تحدثها رؤية تدفق الماء وخريره في النفس البشرية، لكن المدينة في حقيقة الأمر أوسع وأكبر واعمق من هذا المكان الذي لا تستقيم زيارة المدينة دون التمتع بمناظره الخلابة، ومياهه المتدفقة، تلك التي لا تكف عن الانهمار طول فترات السنة، صيفها وشتائها، ربيعها وخريفها.
وهو ما يمنح المدينة والمنطقة عموما، زخما ايكولوجيا استثنائيا، وكأنني بها معرض طبيعي مفتوح، يعرض إمكاناته الطبيعية بسخاء لا مثيل له، وهذا ربما ما يجعل الزائر يستغرب من عدم استثماره طاقات المكان الكبيرة ليصبح قبلة للسياح من داخل المغرب وخارجه، بأفواج سياحية لا تتوقف طول السنة، فالمكان مركزه وضواحيه، يستحق الزيارة المتكررة خاصة إذا رافق ذلك انشطة ثقافية وسياحية وترفيهية، تعرف الزوار بتنوع الغطاء النباتي والحيواني للمنطقة، بالإضافة إلى تقديم الإنتاجات المحلية الوفيرة للزوار، من خلال احتضانها من طرف معارض دائمة، تؤطرها فعاليات جمعوية، من أجل الترويج لما تنتجه الأيادي الماهرة لنساء ورجال المنطقة.
ما أجمل هذه المدينة، التي تسترخي على سفح جبال الأطلس، منبهرة هي نفسها برونقها المتجدد، فحين تزورها تمنحك الانطباع بأنها لا تكف عن الامتداد، إذ أنها تعرف توسعا عمرانيا كبيرا، وتمتاز هندستها بتشكيل بديع، فهي عبارة عن وحدات منفصلة عن بعضها البعض، وهي في نفس الوقت مترابطة ومتكاملة، تساهم في ذلك تعدد التجمعات السكانية، التي تشكل فيما بينها فسيفساء جميلة، اتسقت فيما بينها لتبرز جمال هذه المدينة، التي تخترقها الخضرة اليانعة، والسهول مترامية الاطراف، والمرتفعات والمنحدرات، تلك التي لا تخلو من بنايات متناسقة، وبساتين غناء، تتخلل الأحياء والطرقات، والفضاءات، التي تقدم للعين قبل البطن فواكه متنوعة الأصناف والأشكال، تفاح وزيتون ورمان، وحدائق مفتتنة بخضرتها، فما تنفك تسكر العين بنشوتها المشتهاة.
خلال زيارتي الأخيرة لمنطقة الأطلس المتوسط عموما ومدينة بني ملال على الخصوص، استوقفتني تجربة إحدى الجمعيات المحلية، التي نظمت فطورا جماعيا دعت له شخصيات من شتى المجالات، أغلبهم يمثلون جمعيات ناشطة ضمن ما يسمى بالمجتمع المدني، وكانت هذه الفعالية التي حاولت جاهدة أن تجمع ما بين ما هو ثقافي وسياحي وسوسيو اقتصادي، فرصة للتعريف بمنتوجات فلاحية للمنطقة، وتحف فنية، ومسبوكات الصناعة التقليدية، مع ابراز أحد الطقوس المهمة التي ترافق حفلات الزفاف في المنطقة. فعلا استمتعت بالاجواء، وبالفطور الذي تميز بتنوعه وبمحليته، فتمنيت لو أن هذه الانشطة ومثيلاتها تعرض في المنتجع السياحي عين اسردون على امتداد المسالك التي يعبرها الزائر خلال تجوله بالمنتجع.
من المعالم الجمبلة لبني ملال، التي تستوقف الزائر ذلك القصر المنيف، الذي يقف شامخا في إحدى الروابي المحبطة بالمدينة، يطل من عل على حاصرة بني ملال وسهل تادلة، ويسمى ب “قصر عين أسردون” هذا القصر/ الحصن، الذي يبدو أنه يختصر ماضي المدينة بحلوه ومره، حين كان المكان عبارة عن مركز للمراقبة والحماية وصد هجوم الغزاة كذلك. وهو في هندسته عبارة عن قلعة حصينة بنيت في القرن السابع عشر، للسباب عسكربة، ولا شك أن الوقوف في رحابته يمنح العين فرصة الاستمتاع بالاطلالة البهية للمدينة ولسهل تادلة عموما، الممتد نحو الافق البعيد حيث تتناسل الحقول والبساتين، والتجمعات السكانية الصغيرة..
من ككانك هناك بجانب الحصن، تتامل العمران في الاسفل، فتقدم لك لحظتها المدينة نفسها كسيدة أنيقة، تستلقي على قدم الجبل وهي تلتحف رداء الخجل، متمددة في رحاب حديقة قصرها المنيف، تداعب لنامل جدول ماء ينساب بلطف، ويصدر صوتا ناعما متغنجا،لا يكاد يقلق راحة العصافير التي تحيط بالسيدة البهية، المستلقية في سكون ذاتها غير منشغلة بما تحيكه السحب في الخفاء من دسائس، كي تغمرها على حين غرة بوابل من الغيث المفاجئ، الذي اعتاد سكان المدينة تقلباته المزاجية..
وكباقي المدن الساحرة، التي لا يقبل العقل انها مدينة واقعية بابنيتها وحدائقها وشوارعها ساكنتها، فلا يكتمل سحرها إلا إذا اختلط في اذهان الناس حين يتحدثون عنها الواقعي بالخيالي، تؤثثه لمسة خرافية، تزيد من غرائبية المدينة، فيحكي لحظتها بعض عشاقها ااءين لم يفارقها ابدا بل يهعنبرها جنت أرضية، أخطأت طريقها نحو دنيا البشر، يحكي بمهابة عن ذلك الرجل الذي اكتشف الماء سرا، فكان يستفيد منه بعد أن يزيح عن عين سرية حجرا ضخما بواسطة قوة بغله، وحين ينال كفايته من المياه يعيد الحجر إلى موضعه، وحين علم الناس بأمره وقد أنهكهم نقص المياه، فاجتمعوا به وعرضوا عليه جرة من الذهب ليدلهم على منبع الماء الحقيقي، فقبل ذلك بعد تردد، وأخذهم إلى هناك واستعمل بغله ليزيح الحجر جزئيا، فانفجرت العين الشهيرة بمقدار، إذ أنه تجنب ان يزبح الحجر كاملا، حتى لا يفيض على الناس بحر من الماء، فيغرقهم.
لحظتها أطلق الناس على العين المشهورة عين اسردون، وأسردون هو البغل باللغة الامازيغية، المنتشرة بين الناس في المدينة ونواحيها خاصة الجبلية منها.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.