جائزة نوبل أمام مهمة منزلية

جائزة نوبل أمام مهمة منزلية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:46

أحياناً أفكر أن أعظم اختبار للإنسان المثقف لا يوجد في الجامعة، ولا في قاعة المحاضرات، ولا أمام جمهور يصفق لفكرته، ولا حتى في لحظة حصوله على جائزة كبرى؛ الاختبار الحقيقي يبدأ حين يعود إلى البيت، ويكتشف أن كل ما قاله عن الحرية والعدالة والأخلاق والإنسان لا يعفيه من إعداد فطور الصباح.

وهنا تحديداً تبدأ مشكلتي الشخصية مع الفلسفة. فأنا أستطيع أن أكتب عن هيغل، وأن أجادل فوكو، وأن أستدعي بورديو، وأن أختلف مع هايدغر، وأن أشرح شيئاً عن الوعي والسلطة والخطاب والتمثيل، لكنني أمام قائمة مشتريات معلقة على باب الثلاجة، أتحول فجأة إلى كائن أقل ميتافيزيقا وأكثر واقعية. إداك أكتشف أن نظرية المعرفة لا تنفعني: هل اشترينا الخبز؟ ولا تنفعني فلسفة اللغة: ماذا كان المقصود حين قالت الزوجة “لا تنسَ الحليب”؟ ولا تنفعني الأنطولوجيا: أين اختفى السكر؟ ولا حتى نظرية السلطة عند فوكو، لأن السلطة في تلك اللحظة تكون واضحة تماما، ومصدرها معروف، ولا تحتاج إلى حفريات أركيولوجية.

ثم هناك شطائر المدرسة. تلك الشطائر التي تبدو، لمن ينظر إليها من الخارج، فعلا صغيرا لا يستحق الذكر، لكنها بالنسبة إلى أب يواجه الصباح هي جزء من اقتصاد يومي كامل: ماذا سيأكل الطفل؟ هل وضعت له ما يكفي؟ هل سيتذكر أن يأخذها معه؟ وهل يمكن أن تبدأ صباحاً هادئاً من دون أن تتحول الدقائق الأخيرة إلى مفاوضات بين الأبناء والآباء والزمن؟

لذلك، أعترف أنني أجد عزاءً خاصا في أخبار العلماء الكبار حين أكتشف أنهم يعيشون هذه الورطة نفسها.

يحكى عن عزيز سانجار، عالم الكيمياء الحائز جائزة نوبل سنة 2015، أن زوجته طلبت منه ذات يوم إخراج القمامة، فاحتج متدللاً بمكانته: “أنا حائز على جائزة نوبل!”. قد تكون العبارة مجرد دعابة زوجية، لكنها بالنسبة إليّ تحمل فلسفة كاملة عن مأزق الإنسان حين يصدق صورته العامة أكثر مما ينبغي.

فماذا تفعل جائزة نوبل أمام سلة القمامة؟ .. لا شيء. وهذه الـ”لا شيء” هي ربما واحدة من أكثر الحقائق ديمقراطية في الحياة.

فالجائزة لا تطبخ والشهرة لا تنظف والدكتوراه لا تشتري الخبز والعبقرية لا تمنح صاحبها حقا طبيعيا في أن يعيش على حساب الآخرين. بل إن الحياة الخاصة تقوم أحيانا بعملية هدم قاسية لكل ما تبنيه الحياة العامة من أوهام. في الخارج، أنت الأستاذ والباحث والمفكر والخبير والحائز على الجائزة. في البيت أنت الشخص الذي نسي أن يشتري البيض.

وهذا تحديدا ما يجعل قصة كارل ديسيروث، عالم الأعصاب والطبيب النفسي الأمريكي، حين تحدث عن إعداده شطائر المدرسة لأبنائه، أكثر من مجرد تفصيل طريف في سيرة عالم. إنها تذكرنا بأن أعظم العقول لا تعيش في المختبر وحده. إنها تعود إلى البيت، إلى الأطفال، إلى الطعام، إلى المرض، إلى التعب، إلى تلك الأعمال التي لا تكتب عنها المجلات العلمية لأنها لا تنتج نظرية ولا اكتشافا.

لكنها تنتج شيئاً أكثر بداهة، إنها إمكانية استمرار الحياة. وقد أشارت حنة أرندت في إحدى رؤاها الفلسفية إلى مسألأة ضرورية لفهم ما نعتبره عادةً أعمالا هامشية. فقد ميزت في الحالة الإنسانية بين العمل المرتبط بحاجات الحياة، والعمل الذي يصنع عالماً قابلاً للسكن، والفعل الذي يكشف الإنسان في علاقته بالآخرين. والعمل المنزلي، في هذا المعنى، لا ينبغي النظر إليه باعتباره هامشا أمام “الأعمال الكبرى”، لأنه مرتبط بالشروط التي تجعل الحياة نفسها قابلة للاستمرار.

المشكلة أن الثقافة الحديثة صنعت تراتبية غريبة للأعمال، فهناك أعمال ترفع صاحبها إلى المنصة، وأعمال تجعله ينحني أمام المغسلة. وهناك من يُحتفى به لأنه اخترع، ومن لا يلتفت إليه أحد لأنه أطعم، أو ربّى، أو نظف، أو حمل، أو رعى. والأغرب أننا كثيرا ما نمنح الأعمال الذهنية قيمة أعلى من الأعمال التي تحفظ الحياة نفسها.

ويرى بورديو من خلف الستار، أننا لا نوزع الاحترام بالتساوي، وإنما نوزع “الرأسمال الرمزي” وفق قواعد اجتماعية تجعل بعض الأسماء أكثر قيمة من غيرها. فالعالم الشهير يمتلك رأسمالا رمزيا هائلا؛ اسمه يتحول إلى علامة، وشهاداته إلى سلطة، وكلامه إلى مرجع. لكن هذا الرأسمال، مهما تضخم، يبقى عاجزا أمام الحياة اليومية.

فالبيت لا يعترف بالرأسمال الرمزي. وهذه ربما هي أجمل فضيلة للبيت. إنه المكان الذي تستعيد فيه الأشياء وزنها الحقيقي. حيث لا تسأل زوجتك كم بحثا نشرت هذا العام. ولا يسأل أبناؤك كم مرة ظهرت في الصحافة. ولا يهم كثيرا أنك ألقيت أمس محاضرة عن مستقبل الإنسان. إذا كان الخبز غير موجود، فالمشكلة قائمة.

كانط، الذي جعل الواجب مركزا أساسيا في فلسفته الأخلاقية، كان سيجد في هذه التفاصيل اليومية مادة كثيفة للتفكير؛ فالعقل العملي عنده لا يكتفي بمعرفة ما هو صحيح، وإنما يتعلق بالسؤال عما ينبغي فعله.

لكنني أخشى أن كانط نفسه كان سيواجه مشكلة إذا طُلب منه إعداد شطائر المدرسة في السادسة والنصف صباحاً فالواجب حين يكون مكتوبا في كتاب، يبدو عظيما. وحين يكون أمامك في المطبخ، يصبح أكثر تواضعا وأكثر إزعاجا، وهذا هو معنى الأخلاق حين تخرج من الفلسفة وتدخل الحياة.

أن تعرف أن الآخرين ليسوا تفصيلا في سيرتك الذاتية. وأن تفهم أن الطفل الذي ينتظر شطيرته ليس أقل أهمية من المقال الذي تنتظر أن تنشره المجلة.

أن تدرك أن الزوجة التي تطلب منك شراء شيء من السوق لا تعترض طريق مشروعك الفكري، وإنما تشاركك في بناء الحياة التي من دونها لن يكون لمشروعك أي معنى.

والعظيم سارتر يفكك هذه النقطة، إذ يذهب إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يختبئ طويلا وراء الدور الذي منحه لنفسه. لا يمكن أن أقول: أنا كاتب، ولذلك لا علاقة لي بالتسوق. ولا أن أقول: أنا مفكر، ولذلك الأعمال المنزلية أقل من مقامي. الأدوار الاجتماعية لا تعفي الإنسان من مسؤوليته عن اختياراته. وقد يكون هذا هو المعنى الحقيقي للحرية، أن تعرف أنك مسؤول عن الأشياء الصغيرة كما أنت مسؤول عن الأشياء التي تحب أن تراها كبيرة.

لذلك، كلما قرأت عن عالم كبير يعد شطائر أبنائه، أو حائز نوبل يقف أمام سلة القمامة، لا أضحك منه. أضحك معه. لأنني أراه يعود من قمة العالم إلى أرضه. وأرى في ذلك شيئا من العدالة. فالبيت لا يسمح للعبقرية بأن تتحول إلى طبقة أرستقراطية. إنه يعيد العالم إلى حجمه البشري.

وهذا، في النهاية، ما ينقص كثيرا من المعرفة المعاصرة، أنها تتضخم في الرأس وتضمر في الحياة. نعرف أكثر، ونقرأ أكثر، ونحلل أكثر، وننتج خطابا لا ينتهي عن الإنسان، لكننا قد نفشل في أبسط امتحان إنساني، أن نكون نافعين لمن يعيشون معنا.

ما جدوى أن أعرف تاريخ الفلسفة إذا كنت أعتقد أن إعداد فطور لأطفالي ينتقص من مقامي؟ وما جدوى أن أكتب عن العدالة إذا كنت أتعامل مع من يشاركونني البيت بمنطق الامتياز؟

ما جدوى أن أشرح للناس معنى الحرية إذا كنت أطالب الآخرين بأن يحملوا عني أعباء حياتي لأنني أرى نفسي “أهم”؟

العلم الذي لا يتحول إلى أخلاق عيش يبقى معرفة معلقة. والفكر الذي لا ينتج تواضعاً أمام الحياة قد يتحول إلى شكل راقٍ من النرجسية.

أما المعرفة التي تستحق الاحترام حقا، فهي تلك التي تجعل صاحبها أكثر قدرة على العطاء، وأكثر انتباها إلى تعب الآخرين، وأكثر استعدادا لأن ينزل من برجه حين تناديه الحياة. ولهذا أعتقد أن علينا أن نعيد تعريف العبقرية. ربما ليست العبقرية أن تكتشف قانونا جديدا في الكون فقط. وربما هي أيضا أن تعرف كيف تعيش مع الذين تحبهم دون أن تجعلهم يدفعون ثمن عبقريتك.

فأن تشتري الخبز. وأن تعد الشطائر. وأن تخرج القمامة. ثم تجلس بعد كل ذلك، لتكتب عن معنى الإنسان. فقد يكون أعظم درس في الفلسفة أن نكتشف أن الإنسان الذي نحاول فهمه في الكتب هو نفسه الذي ينتظر منا، في البيت، أن نحمل عنه شيئاً من ثقل الحياة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة