فاز رافاييل غلوكسمان، زعيم حزب “بلاس بوبليك”، الأحد، من الدور الأول بالانتخابات التمهيدية لاختيار مرشح اليسار الاجتماعي الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الفرنسية، متقدما بفارق واسع على أوليفييه فور، الأمين العام للحزب الاشتراكي، الذي لن يمثله مرشح من صفوفه في السباق الرئاسي للمرة الأولى في تاريخه.
وحصل النائب الأوروبي، البالغ من العمر 46 عاما، على أكثر من 66 في المائة من الأصوات، بما يعادل 79 ألفا و613 صوتا، مقابل نحو 14 في المائة لفور، الذي نال 17 ألفا و398 صوتا، في نتيجة تضع الفائز أمام مهمة توحيد تيار سياسي منقسم بشأن التحالف مع حزب “فرنسا الأبية”، وهو خيار يرفضه غلوكسمان.
وقال غلوكسمان، في كلمة أمام الصحافة عقب إعلان النتائج، إن “الديمقراطية قالت كلمتها والنتيجة لا تقبل التأويل”، مقدما نفسه باعتباره “مرشح اليسار الديمقراطي” القادر على هزيمة اليمين المتطرف، كما أعلن أنه يمثل القطيعة مع النهج الماكروني ومع هيمنة جان لوك ميلانشون على اليسار.
وأكد أن مسؤوليته الأولى تتمثل في جمع العائلة الاشتراكية ثم مختلف مكونات اليسار الديمقراطي، مضيفا: “خصمنا الحقيقي هو اليمين المتطرف، وسنتحد لخوض المعركة ومنع أنصار ترامب وبوتين وكارهي الأجانب والديماغوجيين من الاستيلاء على الجمهورية”.
وكان زعيم “بلاس بوبليك” قد اعتبر، في منشور على منصة “إكس”، أن النتيجة تؤكد قدرة يسار متمسك بقيمه على جمع التأييد والحكم والفوز، مشددا على أن الهدف هو كسب الانتخابات الرئاسية وليس حسم خلاف داخل اليسار.
وتمنح استطلاعات الرأي غلوكسمان حاليا ما بين 10 و12 في المائة من نيات التصويت في الانتخابات الرئاسية المقررة يومي 18 أبريل و2 ماي، خلف مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، التي تتصدر التقديرات، ورئيس الوزراء السابق إدوار فيليب، المنتمي إلى يمين الوسط، وزعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون.
وأقر أوليفييه فور بهزيمته، مخاطبا غلوكسمان بالقول: “برزت أغلبية واضحة جدا، وقد استطعت إقناع أغلبية المصوتين”، مؤكدا احترامه للنتيجة، بعدما كان قد اعتبر خلال الحملة أن فوز منافسه سيعني تراجع حضور الحزب الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية.
وكان فور يعول على تعبئة أعضاء حزبه لتجاوز منافسه، رغم استطلاعات الرأي التي منحته ما بين 3 و5 في المائة من نيات التصويت في السباق الرئاسي، وسيكون مطالبا الآن بدعم الفائز، تنفيذا للتعهد الذي قطعه جميع المرشحين قبل الاقتراع.
وحلت سيغولين روايال، المرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية سنة 2007، خلفهما بنسبة 7,62 في المائة، معربة عن خيبة أملها من النتيجة دون أن تبدي ندما على مواقفها خلال الحملة، التي لم تخف فيها رفضها لغلوكسمان، فيما حصل النائبان جيروم غيدج، عن الحزب الاشتراكي، وإيمانويل موريل، عن “اليسار الجمهوري والاشتراكي”، على أقل بقليل من 6 في المائة لكل منهما.
وأكد غيدج، القريب من توجهات غلوكسمان، أن الانتخابات التمهيدية أصبحت وراء المرشحين وأن التصويت كان واضحا، بينما اعتبر موريل أن هذا التيار انطلق في المسار الصحيح.
وشارك في الاقتراع نحو 120 ألفا و787 مصوتا، من أصل 134 ألفا و456 مسجلا يحق لهم التصويت، وجرت العملية إلكترونيا بالكامل، غير أنها تعرضت لهجوم سيبراني صباح الجمعة، عند افتتاح التصويت، ما تسبب في بطء الاتصال بالمنصة ودفع المنظمين إلى تمديد الاقتراع حتى مساء الأحد.
ويرى غلوكسمان في هذه الانتخابات بداية لإعادة بناء اليسار على أساس قطيعة واضحة مع حزب “فرنسا الأبية” وزعيمه ميلانشون، وهي المسألة التي شكلت أبرز نقاط الخلاف بينه وبين فور وروايال خلال المناظرات التلفزيونية.
واتهم الأمين العام للحزب الاشتراكي بالسعي إلى التقارب مجددا مع ميلانشون، بعد تجربتي تحالف “نوبس” سنة 2022 و”الجبهة الشعبية الجديدة” سنة 2024، في حين اتهمه فور، المدافع عن توحيد اليسار داخل الجمعية الوطنية، بالتوجه نحو الوسط، معيدا طرح الانتقادات التي تربطه بالماكرونية.
وبلغ الخلاف بين غلوكسمان وميلانشون مستوى حادا حين وصف الأول زعيم “فرنسا الأبية”، في مارس الماضي، بأنه “جان ماري لوبان عصرنا”، في إحالة على مؤسس حزب اليمين المتطرف الفرنسي المعروف بتصريحاته المعادية للسامية، بعدما سخر ميلانشون، خلال تجمع سياسي، من طريقة نطق اسم غلوكسمان، المنحدر من عائلة يهودية أشكنازية، كما فعل مع أسماء أخرى ذات وقع يهودي.
وأعربت مارين تونديلييه، زعيمة حزب “الخضر” والقريبة من فور، عن أسفها لفوز من وصفته بأنه “يختار الانكفاء”، بينما كان ميلانشون قد قال، السبت، إنه ينتظر انتهاء الانتخابات التمهيدية حتى تتضح خريطة المنافسة، متوقعا ظهور خلافات داخلية سريعة في معسكر المرشح الفائز.
أما النائب عن “فرنسا الأبية” بول فانييه، فاعتبر أن الحزب الاشتراكي يغادر المشهد السياسي الوطني بعدم تقديم مرشح من صفوفه للرئاسة، واصفا غلوكسمان بأنه يسعى إلى قيادة الكتلة الماكرونية.
وبرز غلوكسمان خلال السنوات الأخيرة داخل اليسار المعتدل الفرنسي، مستندا إلى مسار يجمع بين الكتابة والدفاع عن حقوق الإنسان والتكامل الأوروبي ودعم أوكرانيا، وبنى طموحه الرئاسي من البرلمان الأوروبي، الذي يشغل فيه مقعدا منذ سنة 2019، بعدما شارك في تأسيس حزب “بلاس بوبليك” سنة 2018 وقاد مرتين لائحة مشتركة بين حزبه والحزب الاشتراكي في الانتخابات الأوروبية.
ويأخذ عليه خصومه ابتعاده عن الحياة اليومية للفرنسيين وارتباطه بالأوساط الباريسية، لكنه يرد بالإحالة على تجاربه خارج فرنسا، حين عمل على أفلام وثائقية عن إبادة التوتسي في رواندا و”الثورة البرتقالية” في أوكرانيا سنة 2004، ثم مستشارا للرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكاشفيلي بين سنتي 2008 و2012.
ويقول غلوكسمان، نجل الفيلسوف أندريه غلوكسمان، إن رؤيته للعالم لم تتشكل في دافوس أو واشنطن، وإنما في أماكن عاين فيها الخراب، وقد كثف خلال الصيف زياراته إلى المناطق الفرنسية، مقدما مشروعا يؤكد انتماءه إلى اليسار ويسعى إلى الجمع بين التحول البيئي والتقدم الاجتماعي.
ويقر بأنه لم يكن موفقا في حملته الأوروبية الأولى سنة 2019، حين حصلت لائحته على 6,19 في المائة من الأصوات، لكنه يؤكد أنه عمل على تطوير أدائه وأن تجربته البرلمانية غيرته، قبل أن يفرض حضوره داخل تيار اجتماعي ديمقراطي كان يفتقر إلى شخصية تتصدره.
وفي بروكسل، عرف بدفاعه عن الأويغور، الأقلية المسلمة المضطهدة في الصين، وبمواقفه الحازمة تجاه روسيا في عهد فلاديمير بوتين، فيما يكرر أن أوروبا هي “معركة حياته”، ويحمل تاريخ عائلته جانبا من تعقيدات القارة، إذ ولد جده روبين غلوكسمان في منطقة تقع اليوم داخل أوكرانيا، وعمل جاسوسا سوفياتيا في ألمانيا قبل أن يفر إلى فرنسا مع وصول النازيين إلى السلطة.
ويعد غلوكسمان من أبرز المدافعين عن أوكرانيا ورئيسها فولوديمير زيلينسكي، غير أنه يواجه انتقادات، خصوصا من “فرنسا الأبية”، بسبب عمله السابق مع ساكاشفيلي، المعروف بأفكاره الليبرالية والذي تلاحقه اليوم العدالة.
وفي جورجيا، تعرف على إيكا زغولادزه، الوزيرة السابقة ووالدة ابنه الأول، بينما يرتبط حاليا بالصحافية ليا سلامة، ليشكلا أحد أكثر الأزواج حضورا في المشهد السياسي والإعلامي الفرنسي.
رئيسة فرنسا المقبلة ستكون إما السيدة مارين لوبين وهذا ماتتمناه أو السيد جوردن بارديلا