الذكاء الاصطناعي يغري المستثمرين والحكومات بـ"توقع أحداث المستقبل"

الذكاء الاصطناعي يغري المستثمرين والحكومات بـ"توقع أحداث المستقبل"
صورة: أرشيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 05:00

بدأ الذكاء الاصطناعي يفرض حضوره في مجال التنبؤ بالأحداث الاقتصادية والسياسية، بعدما أظهرت أنظمة متطورة قدرتها على تقدير احتمالات تحركات الأسواق المالية وتطور الأزمات الدولية وحتى نجاح الأعمال الفنية، بمستويات تنافس أداء أبرز الخبراء المتخصصين في التوقعات، وهو تطور يدفع شركات ناشئة إلى تسويق هذه التقنيات للمؤسسات المالية والمقاولات والحكومات الباحثة عن أدوات أكثر دقة لاتخاذ القرارات.

وتعتمد هذه الأنظمة على تحليل كميات ضخمة من البيانات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بعضها متاح للعموم وبعضها الآخر يجري اقتناؤه من مزودي المعلومات المتخصصة، بهدف بناء تقديرات احتمالية للأحداث المستقبلية، تتراوح بين اتجاهات البورصات وإمكانية إعادة فتح مضيق هرمز وتحديد المراتب التي قد تحتلها أغنية جديدة للمغنية الكولومبية شاكيرا في التصنيفات الموسيقية.

ويرى دان شوارتز، المؤسس المشارك لشركة “FutureSearch” المتخصصة في التوقعات باستخدام الذكاء الاصطناعي، أن هذه التكنولوجيا مرشحة لإحداث تحول عميق في طرق اتخاذ القرارات الاستراتيجية، معتبرا أن الأساليب المعتمدة حاليا قد تبدو بحلول سنة 2030 بدائية مقارنة بالإمكانيات التي ستتيحها النماذج المتطورة.

وتستند توقعات العاملين في هذا القطاع إلى التقدم الذي أحرزته أنظمة الذكاء الاصطناعي في منافسة الخبراء المعروفين بقدرتهم الاستثنائية على استشراف الأحداث، والذين يطلق عليهم وصف “المتنبئين المتفوقين”، بالنظر إلى دقة تقديراتهم مقارنة بالتوقعات البشرية المعتادة.

وسجلت هذه الأنظمة إنجازا لافتا مطلع شتنبر الماضي، بعدما احتل نموذجان للذكاء الاصطناعي المركزين الأول والثاني في مسابقة “Metaculus Cup”، التي تجمع متخصصين في التنبؤ وبرامج حاسوبية تتنافس على تقدير احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، في سابقة أظهرت المستوى الذي بلغته النماذج الآلية في هذا المجال.

ويعتقد شوارتز أن التطور المتسارع لهذه التقنيات قد يجعلها تتفوق خلال السنوات المقبلة على أفضل الخبراء البشريين، مشيرا إلى أن المهندس توم ليبتاي، الذي يعد من أبرز المتخصصين في التوقعات داخل شركته، يدرك أن موقعه المهني قد يتأثر مستقبلا بقدرات الأنظمة التي يساهم القطاع في تطويرها.

وتتجاوز التطبيقات الحالية حدود التجارب العلمية والمسابقات المتخصصة، بعدما بدأت أدوات التوقع القائمة على الذكاء الاصطناعي تستقطب اهتمام المستثمرين الباحثين عن فرص لتحقيق أرباح في الأسواق المالية ومنصات المراهنة على نتائج الأحداث المستقبلية.

وفي تجربة أثارت اهتمام العاملين في القطاع، تمكن ثيو سامر، المؤسس المشارك لشركة “Preseen”، من تحويل مبلغ أولي قدره 35 دولارا إلى 1,9 مليون دولار خلال سبعة أشهر، مستعينا بالذكاء الاصطناعي في التداول عبر منصة التوقعات الأمريكية “Kalshi”، التي تتيح للمستخدمين اتخاذ مراكز مالية مرتبطة بنتائج أحداث سياسية واقتصادية وغيرها.

وتبرز هذه التجربة الإمكانيات التي قد توفرها أدوات التحليل والتوقع المتقدمة في الأسواق القائمة على الاحتمالات، لكنها لا تعني ضمان تحقيق أرباح مماثلة، إذ تظل النتائج مرتبطة بدقة التقديرات وطبيعة المخاطر والتقلبات التي تعرفها الأسواق.

ولا تقوم هذه التكنولوجيا على تقديم إجابات قطعية بشأن ما سيحدث مستقبلا، وإنما على تحديد احتمال تحقق سيناريو معين بناء على المعطيات المتاحة، مع إمكانية الربط بين أحداث متداخلة، مثل تأثير تطورات الحرب في الشرق الأوسط على أسعار النفط أو انعكاسات القرارات السياسية على الأسواق المالية.

ويتيح هذا الأسلوب للمؤسسات المالية مقارنة سيناريوهات مختلفة وتقدير المخاطر المرتبطة بكل منها، عوض الاعتماد على توقع واحد، خصوصا في الملفات التي تتأثر بعوامل متغيرة يصعب الإحاطة بها باستخدام أدوات التحليل التقليدية وحدها.

وقال فينيامين فيسيلوفسكي، المؤسس المشارك لشركة “Preseen”، إن صناديق التحوط كانت من أسرع الجهات إقبالا على اقتناء خدمات التوقع بالذكاء الاصطناعي، موضحا أن هذه المؤسسات تتحرك بسرعة عندما ترى إمكانية تحقيق أرباح من أداة جديدة، بالنظر إلى مرونتها في اتخاذ القرارات الاستثمارية.

ويأتي هذا الاهتمام في وقت تعتمد فيه المؤسسات المالية منذ أكثر من عقد على خوارزميات لتنفيذ عمليات التداول وتوجيه الاستثمارات في بورصة وول ستريت، غير أن ظهور نماذج متخصصة في تحليل الاحتمالات المستقبلية قد يدفع نحو توسيع نطاق القرارات التي تتدخل فيها الأنظمة الآلية.

وأكد توبي شيفلين، المسؤول عن شركة “Mantic” الناشطة في هذا المجال، أن تقنيات التوقع بدأت بالفعل تؤثر في بعض العمليات المالية، مشيرا إلى أن شركته تتعامل مع زبائن يستخدمون هذه الأدوات لاتخاذ قرارات مرتبطة بالتداول والاستثمار.

وامتد حضور الذكاء الاصطناعي إلى منصات التوقعات الأمريكية، وفي مقدمتها “Kalshi” و”Polymarket”، اللتان تستقطبان ملايين المستخدمين للمراهنة على نتائج أحداث مستقبلية، وسط توقعات بأن تصبح الأنظمة الآلية طرفا أساسيا في نشاط هذه الأسواق خلال المرحلة المقبلة.

وحذر فيسيلوفسكي من أن الفرصة المتاحة حاليا للمستخدمين الراغبين في تحقيق أرباح من هذه المنصات قد تتقلص مع مرور الوقت، مرجحا أن تهيمن عليها قريبا أنظمة التوقع المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما قد يزيد حدة المنافسة ويجعل استغلال الفوارق في تقدير الاحتمالات أكثر صعوبة.

ورغم الاهتمام المتنامي بهذه التكنولوجيا، فإن الشركات المطورة لأكثر النماذج تقدما تتجه إلى تسويق خدماتها أساسا للمؤسسات المهنية والمقاولات الكبرى، بالنظر إلى ارتفاع تكاليف الحصول عليها، وهو ما قد يحد من إمكانية استفادة الأفراد منها خلال المدى القريب والمتوسط.

وتتطور قدرات هذه الأنظمة باتجاه تحليل الأحداث دون الاكتفاء بالأسئلة التي يحددها المستخدمون، إذ أوضح المسؤول عن شركة “Mantic” أن النماذج الأكثر تقدما أصبحت قادرة على صياغة أسئلتها الخاصة بشأن المستقبل، ثم تحديد الاحتمالات المرتبطة بمختلف النتائج الممكنة.

ويسمح هذا التطور بتوسيع استخدام التكنولوجيا في المجالات التي تتطلب متابعة مستمرة للتغيرات الاقتصادية والتنظيمية، إذ يمكن للنظام تحديد الأحداث التي تستحق المراقبة وتقدير انعكاساتها المحتملة على نشاط مؤسسة معينة.

ولم يعد الاهتمام بهذه الخدمات مقتصرا على المستثمرين والأسواق المالية، بعدما بدأت شركات ناشئة توسيع نشاطها نحو تقديم توقعات للمقاولات والحكومات، بهدف مساعدتها على تقييم المخاطر المحتملة والاستعداد للتغيرات التي قد تؤثر في قراراتها.

وكشف شيفلين أن شركته توفر لمقاولة أمريكية كبرى توقعات بشأن التطورات التنظيمية والقانونية المحتملة في القطاع الذي تنشط فيه، كما سبق لها العمل مع الحكومة البريطانية، في مؤشر على تنامي الطلب المؤسساتي على أدوات تقدير السيناريوهات المستقبلية.

وأوضح أن المؤسسات الاقتصادية تهتم أساسا بتحديد المخاطر التي قد تواجه نشاطها وطرق مراقبتها، مستفيدة من التقديرات الاحتمالية التي تقدمها أنظمة الذكاء الاصطناعي، بما يسمح بإدراج سيناريوهات متعددة ضمن عمليات التخطيط واتخاذ القرار.

ويبدو أن الشركات المطورة لهذه التكنولوجيا تراهن على اتساع سوق الخدمات الموجهة إلى المؤسسات أكثر من اهتمامها بالاستثمار المباشر في الأسواق المالية، إذ اعتبر فيسيلوفسكي أن تقديم أدوات التوقع إلى صناع القرار يوفر فرصا تجارية أكبر من الأرباح التي قد تحققها شركة تدير صندوقا استثماريا خاصا اعتمادا على نماذجها.

وتشمل الاستخدامات المحتملة مجالات بعيدة عن التداول المالي، من بينها البحث الطبي، حيث يمكن الاستفادة من التوقعات في مقارنة احتمالات نجاح مسارات بحثية مختلفة والمساعدة على تحديد أولويات تمويل الدراسات التي تستهدف تطوير علاجات جديدة.

كما يمكن للحكومات الاستعانة بهذه الأنظمة لمقارنة النتائج المحتملة لاختيارات تتعلق بالسياسات العامة، فيما تستطيع المقاولات استخدامها لتطوير قراراتها اللوجستية والتجارية، وشركات التأمين لتقدير المخاطر التي ينبغي تغطيتها والاستعداد للتغيرات التي قد تؤثر في نشاطها.

ويعتبر فيسيلوفسكي أن القيمة الاقتصادية والاجتماعية لهذه التكنولوجيا تكمن في قدرتها على تحسين جودة القرارات داخل المؤسسات، بما يسمح بتوجيه الموارد بصورة أكثر فعالية والاستعداد المبكر للتطورات المحتملة، معتبرا أن تحسين عملية اتخاذ القرار قد ينعكس إيجابا على قطاعات متعددة.

غير أن اتساع استخدام أنظمة التوقع يثير مسألة تفاوت القدرات التقنية بين المؤسسات والدول، خصوصا إذا أصبحت النماذج الأكثر دقة حكرا على الجهات القادرة على تحمل تكاليفها والحصول على قواعد بيانات متقدمة.

وفي هذا السياق، أعرب المؤسس المشارك لشركة “Preseen” عن مخاوفه من احتمال تطوير روسيا أو الصين أنظمة للتوقع تتفوق على النماذج الأمريكية، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية التي قد تكتسبها هذه التكنولوجيا ضمن المنافسة الدولية على الذكاء الاصطناعي.

وتشير التطورات الحالية إلى أن القيمة الرئيسية لهذه الأدوات ستتحدد بمدى قدرتها على تقديم تقديرات دقيقة وقابلة للتحديث تساعد المؤسسات على اتخاذ قرارات أفضل، خصوصا أن التوقعات، مهما بلغت درجة تطورها، تبقى احتمالات معرضة للخطأ عندما تتغير الظروف أو تظهر معطيات لم تكن متاحة عند إعدادها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • ,عبدالرحمان
    الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 05:46

    توقع الاحدات أو المستقبل لايعلمها الا الله سبحانه وتعالى

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 4

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة