قاموس ما بعد الانتخابات

قاموس ما بعد الانتخابات
صورة: منير امحيمدات
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 19:58

شَهدت اللُّغة السياسية هذه الأيام انتعاشًا غير مسبوق، فاكتسبَت الكلماتُ مُرونة المفاصل، وفقدت المعاني عناوين إقامتها، حتى غدا لكلِّ تفسيرٍ تفسيرٌ مُضاد، ولكل موقفٍ ما يبرّره وما ينقُضه، ولم تعُد الكلماتُ تعبّر عمّا تعنيه، بقدر ما تخدم المعاني التي تفرضها عليها الأهواء والمصالح.

أمام هذه الثورة المعجمية، باتَ من الضّروري إعْدادُ قاموس يُساعد المواطن على فَهْم ما يسْمعهُ، أو على الأقل مَعرفة سبَب عجْزه عن الفَهم؛ ومن أبرز مصطلحات هذا القاموس السياسي، وما استقرّ لها من تعريفات، أقتصر على ما يلي:

اجتماعٌ حاسِم (قبل إعلان الحُكومة):

لقاءٌ بالغ الأهمية، تنعقدُ قبله اجتماعات تمهيدية، وَبعده اجتماعات تكميلية، تتخلله مشاورات مكثفة، ينتهي بالاتفاق على مواصلة التشاور.

يدخل المشاركون حاملين ملفات ثقيلة، يخرجون بتصريحات خفيفة. تؤكد المصادر تقارب وجهات النظر، وتشير مصادر أخرى إلى استمرار بعض التّباينات، تتفق جميع المصادر على أهمّية المرحلة ودقة الظرفية.

تتسرّب أسماء، تعود الأسماء نفسها في تسريبات جديدة. يتمّ ختمُ اللقاء في أجواء إيجابية، وتحديد موعد اجتماع حاسم آخر، تتقدَّم المشاورات خطوة متقدّمة نحو نُقطة انطلاقها.

بُطولة الشَّاشات:

مسابقة موازية للانتخابات، تبدأ بعد إغلاق مكاتب التصويت، وتستمر حتى إشعار آخر. لا تحتاج إلى ناخبين ولا إلى صناديق ولا حتى نتائج.

يتصدر المنافسة من ينجح في اقتحام ثلاث قنوات في أمسية واحدة، ويقدم التحليل نفسه بثلاث نبرات مختلفة: يتحدث في الأولى بثقة العارف، وفي الثانية بحكمة المتبصر، وفي الثالثة بغرور منْ كان حاضرًا شخصيًا أثناء فرز الأصوات.

وإذا ناقض نفسه بين قناتين، فذلك ليس تناقضًا، وإنما تطوُّرٌ سريعٌ في قراءة المشهد.

أما بطل السهرة، فهو من يبدأ الليل محتفلًا بانتصار حزبه، ثم يكتشف بعد نشرة التاسعة أن الحزب ارتكب أخطاءً كارثية، ويختتم السهرة مطالبًا برحيل قيادته التي كان يشيد بعبقريتها قبل ساعتين.

قد تخسر الأحزاب الانتخابات، وقد يخسر المرشحون مقاعدهم، أما هؤلاء فلا يخسرون أبدًا. ففي أسوأ الأحوال، يخسر الواحد منهم تحليله في قناة، ثم يستعيده منتصرًا في القناة المجاورة.

تجديدُ الثِّقة:

عملية تجميل سياسي تُعيد الوجوه القديمة إلى الواجهة بعد أن تُنعش مظهرها وتُلمّع صورتها.

لا يحتاج المسؤول إلى مغادرة منصبه، يكفي أن يغيّر ربطة عنقه، ويخفّف ابتسامته في الصورة الرسمية، ويتحدث بنبرة رجل اكتشف فجأة أن البلاد تحتاج إلى التغيير.

يظهر أمام الكاميرات ليعلن أنه استوعب رسالة الناخبين، وأن المرحلة المقبلة تستدعي نفسًا جديدًا وقطيعة شجاعة مع الممارسات السابقة.

ينتقد الماضي بحماسة معارض شرس، ويعِدُ بمحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات، حتى يخشى مستشاروه أن يَذكُرَ اسمه ضمن المتّهمين.

أما التغيير الحقيقي الذي يفتخر به فيقتصر على استبدال عبارة “مواصلة الإصلاح” بعبارة “إطلاق دينامية جديدة”.

تحالُفات:

فنُّ اكتشاف الفضائل في الخصوم السّابقين، وإعادة تأهيل العيوب بقرار من المصلحة العامة.

بالأمس، خطر على الديمقراطية، واليوم، شريكٌ في الإصلاح.

بالأمس، عنوانُ الفساد، واليوم، ضمانة الاستقرار.

بالأمس، لا يجمع الطرفين سوى التناقض، واليوم، تجمعهما رؤية مشتركة اكتُشفت فجأة بين جلستين من المفاوضات.

تختفي الاتهامات من الذاكرة، لتظهر المصافحات، وتتحوَّل الخطوط الحمراء إلى سجّاد أحمر، كما تتحوّل المبادئ غير القابلة للتّفاوض إلى نقاط قابلة للتّفاهم.

خبير انتخابي:

كائن إعلامي فريد، يتنبأ بما سيقع، ويفسر ما لم يقع، ليثبت في الحالتين صحة تحليله.

قبل الاقتراع، يتحدث بلُغَة اليَقين؛ بعده يستعين بتعقيدات المشهد.

يتوقّع اكتساح حزب، ويبشِّر بسقوط مرشح.

لا تفاجئه النتائج، تفاجئه فقط جرأة من يُذكّره بتوقُّعاته.

يمتلك ذاكرة انتقائية، وثقة لا تتزعزع، وقدرة خارقة على الانتقال من النقيض إلى النقيض دون المرور بمحطة الاعتذار.

وعندما تضيق به الأسئلة، يستحضر التّحولات السّوسيولوجية، والتّوازنات المجالية الدّقيقة، المتغيرات البنيوية المعقّدة.

يخرجُ المشاهد مُقتنعًا بشيء واحد: النّتائج واضحة، أما تفسيرها فيحتاج إلى خبير آخر.

خيارُ المساندة النّقدية:

ابتكار سياسي يجمع مزايا المشاركة في الحكم وامتيازات الجلوس في المعارضة، دون تحمُّل الأعباء الكاملة لأيٍّ منهما.

مساندة عند التصويت، نقدٌ عند التعثر، تضامنٌ عند توزيع المكاسب، مسافة آمنة عند توزيع المسؤوليات.

يُشيد أصحابه بالحكومة حين تنجحُ، يذكرونها باستقلاليتهم حين تفشل، يحتفظون بحقّ الدفاع عنها وحقّ التبرؤ منها، أحيانًا في التصريح نفسه.

يُصوِّتون لصالح القرارات الصّعبة حرصًا على الاستقرار، ينتقدون آثارها حرصًا على المواطنين، يطالبون بتصحيح الاختلالات التي ساهموا في تمريرها.

أما المواطن، فيظلّ مطالبًا بفهم الفرق بين مساندة الحكومة، معارضتها، مساندتها نقديًا، نقدها بمساندة.

فوزٌ:

كلمة مطّاطية تتمتّع بلياقة بدنية استثنائية.

انتصارٌ انتخابي، أخلاقي، رمزي، واستراتيجي على الخصوم والتوقعات في آنٍ واحد.

لذلك، تتعدّد أنواع الفوز، يكفي أن يعلن المرشح أنه أربك حسابات منافسيه، غيّر موازين اللّعبة، فرضَ نفسه رقمًا صعبًا.

أما حين تخذله جميع هذه التّفسيرات، فثمة انتصار أخير مضمون: التّفوق على التّوقعات المتواضعة التي وضعها بنفسه، بعد أن كان قد وعد أنصاره باكتساح تاريخي.

قراءة هادئة للنّتائج:

طقس تلفزيوني صاخب، يجتمع فيه خمسة ضيوف حول طاولة واحدة، يتحدثون في وقت واحد، يقاطع بعضهم بعضًا، يتنافسون على احتكار الهدوء.

ترتفع الأصوات، تتطاير الاتهامات، تتزاحم الأصابع في الهواء، يحاول المذيع استعادة النظام بمضاعفة الصّخب.

يطالبُ كل متدخل بحقِّه في إتمام الفكرة، كل مقاطعة تُقدَّم باعتبارها تصحيحًا ضروريًا للمُغالطات.

تبلغ القراءة ذروة هُدوئها حين يهدِّدُ أحدُ الضّيوف بمغادرة الاستوديو، يتدخل المذيع لإنقاذ الحِوار، يُعلن في النّهاية نجاح النّقاش في تنوير الرّأي العَام.

هَزيمةٌ:

كلمة من مفردات السياسة القديمة التي باتت تهدد السلامة النفسية للسياسيين ومستقبلهم المهني.

لذلك ابتكر خبراء الخطاب السياسي كلمةً أكثر لطفًا، تتحوَّل فيه الخسارة إلى “إعادة تموضع”، والتراجع إلى “مراجعة استراتيجية”، وصفعة الناخبين إلى “رسالة عميقة تستحق التأمل”.

تبدأ ورشة الترجمة فور إعلان النتائج.

يجتمع قادة الحزب للبحث عن تفسير مقنع لما حدث، لا لمعرفة أسباب الهزيمة، وإنما للعثور على اسم آخر لها.

يتحدث أحدهم عن تصحيح المسار، ويقترح آخر إطلاق دينامية جديدة، بينما يطالب ثالث باحترام إرادة الناخبين، شرط ألا تصل الوقاحة بهذه الإرادة إلى المطالبة باستقالته.

وفي نهاية الاجتماع، يخرج المهزوم أمام الصحافة بابتسامة المنتصر، ليؤكّد أن النتائج أثبتت صحة اختياراته، وأن المواطنين لم يستوعبوا مشروعه بعد.

هكذا يكتشف الناخب أنه لم يعاقب السياسي بصوته، وإنما أخفق في فهم عبقريته.

كلمة أخيرة

هذه عيّنة من “قامُوس ما بعد الانتخابات”، حيث تتحوّل الهزيمة إلى انتصار ساحق، ويكتشف خُصوم الأمس، فجأة وبمحض الصّدفة، أنّهم كانُوا يتقاسَمون الرُّؤى نفسها مُنذ الأزل!

أمّا المبادئ، فتخضع لقواعد “النَّحْوِ السّياسي”: يرفعُها السّياسي في خطاباته، وينصِبُها فخًا لمنافِسيه، ويجرُّها خلفه عند توزيع الحقائب الوزارية.

ولأن هذا القَاموس يتطوَّر أسرع من مواقف أصحابه، يقترح الناشِرون إرفاقَ الطَّبعة المقبلة بدَليلٍ خاصّ للناخب، يساعده على فهم كيف يتحوَّل صوته الرّافض إلى تفويض.

وكيف يُصبح وَعْد الأمس مجرد سُوء فهم، وكيف يكتشف بعد الانتخابات أن الحزب الذي صوّت ضدَّه يمثلُه في الحكومة أيضًا.

أما القُرّاء الذين يعترضُون على هذه التّعاريف، فأذكّرهُم بأن السّياسة فنُّ الممْكِن، وأن المعاني تتغيّر بتغيُّر المصالح.

وأرجُو منهم ألاَّ يبحثوا عن المنطق بين كلّ هذه التعاريف، فـالقاموسُ لا يعترف بالخاسرين؛ الجميع فيه مُنتصرون، حتَّى منْ لم يحصُل على صوت واحد يخرجُ ليؤكِّد أن الشَّعب اختاره، لكَّنه نَسِيَ أن يُصوّتَ لَه!

وحدهُ النّاخبُ يخرجُ من القامُوس كمَا دخل إليه: لا محلَّ لهُ من الإعراب.

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • تحية
    الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 20:44

    أحيي الأستاذ الكريم على أفكاره و أسلوبه و لغته. أرجو أن يتحفنا قريبا بكتاب يجمع فيه مقالاته الراقية. شكرا له و لهيسبريس.

  • سعيد برحو من تطوان
    الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:21

    أنصح أن يقرأ البرلمانيون والبرلمانيات وأعضاء الأحزاب هذه الزاوية ففيها فائدة لهم من أجل فهم اللغة التي يستعملونها في تصريحاتهم الصحفية البئيسة والمليئة بالنفاق السياسي المكشوف
    أعتبر هذا القاموس مرجعا أساسيا لتحسين لغة السياسيين
    شكرا لكاتب هذه الزاوية بما يتحفنا به وشكرا لجريدة هسبريس الرائعة

  • محمد بريويل من بوقنادل
    الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:26

    بالفعل هذه المصطلحات أصبحت تتردد في كل التصريحات ومقال أستاذنا عبد الفتاح أكسبها بعدا ساخرا بديعا استمتعت بقراءة المقال الذي وفق في اختيار مصطلحات القاموس

  • بدون تعليق
    الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:31

    وحده المواطن لا محلّ له من الإعراب في جملة الوطن، حاضرٌ في الواجبات، غائبٌ عن الحقوق، يُستدعى حين يحتاج الوطن إلى تضحياته، ويُنسى حين يحين موعد إنصافه.
    شكار هسبريس

  • شكرا هسبريس
    الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:36

    أستاذ عبد الفتاح شكرا على مقالك الجميل كون غير ضفتي كلمة «المحاسبة» ملقيتهاش في القاموس الانتخابي

  • سليمة سلاوي
    الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:39

    ثورة معجمية فقاموس الانتخابات! الوعود ولات إنجازات، والشفوي ولى برنامج انتخابي، والكذوب ولى تواصل سياسي، والتبندير ولى نضال حزبي، والتقرب من المواطن ولى استراتيجية ميدانية
    هنيئا لنا بأحزاب الكارتون

  • صحافية متدربة
    الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:42

    En politique, l’échec devient une expérience, l’inaction une réflexion, les promesses oubliées des projets en cours. Les mots changent de sens, les discours gagnent en élégance et la réalité demeure obstinément la même. À défaut de transformer le monde, on réforme le dictionnaire !

  • توفيق يقيني
    الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:45

    مقال رائع بالفعل تُتقن اللغة السياسية اليوم فنَّ تغيير معاني الكلمات، هربًا من مشقّة تغيير الواقع.

صوت وصورة
"اتصالات المغرب" تعزز الأمن السيبراني
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:49 1

"اتصالات المغرب" تعزز الأمن السيبراني

صوت وصورة
حنان والإصرار على النجاح
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 12:47 6

حنان والإصرار على النجاح

صوت وصورة
التوعية بدور المساعدة الطبية
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 10:54

التوعية بدور المساعدة الطبية

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 7

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن