"الاستقلال" والحداثيون داخل الحكومة.. هل تتعثر إصلاحات الحريات الفردية؟

"الاستقلال" والحداثيون داخل الحكومة.. هل تتعثر إصلاحات الحريات الفردية؟
صورة: منير امحيمدات
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 10:00

تطرح التركيبة السياسية للأغلبية الحكومية الجديدة، التي تضم حزب الأصالة والمعاصرة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، وحزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى جانب التقدم والاشتراكية، سؤالا بشأن طبيعة التوازنات الإيديولوجية داخل الحكومة، وحدود التوافق بين خطاب التحديث والمرجعية المحافظة، خصوصا في القضايا المرتبطة بالحريات الفردية والعلاقات الرضائية.

ففي الوقت الذي ترتبط فيه 3 هيئات سياسية، بدرجات متفاوتة، بخطاب يساري تقدمي أو حداثي في عدد من القضايا المجتمعية، يمثل حزب الاستقلال مكونا ذا مرجعية محافظة نسبيا؛ وهو ما يجعل حضوره داخل هذه التركيبة عاملا يستحق التوقف عنده، بالنظر إلى انعكاس الاختلافات الإيديولوجية المحتملة على الملفات التشريعية والاجتماعية.

ولا يتعلق الأمر هنا بالقول إن الأحزاب ذات الخطاب التقدمي تتبنى بالضرورة موقفا موحدا من جميع قضايا الحريات الفردية، أو إن حزب الاستقلال يقف موقفا واحدا من كل الإصلاحات الاجتماعية، وإنما يتعلق بوجود تباينات في المرجعيات والخطابات السياسية قد تظهر بوضوح أكبر عندما ينتقل النقاش من الشعارات العامة إلى قضايا محددة؛ مثل الحريات والعلاقات الرضائية، ومضامين القانون الجنائي وحدود تدخله في الحياة الخاصة، ومدونة الأسرة.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب السنة الماضية، أهمية خاصة، بعدما وصف حزب الاستقلال بأنه محافظ إلى حد ما، معتبرا أنه لا يبلغ درجة المحافظة نفسها التي ينسبها إلى حزب العدالة والتنمية.

وقال وهبي، خلال تقديم مشروع الميزانية الفرعية لوزارة العدل برسم السنة المالية 2026: “رغم أنني حداثيّ، وأساند النَّفَس التقدمي داخل الجهاز التنفيذي، فإن الحكومة ليست حداثية بالكامل؛ فهي تضم صوت الحداثيين والمحافظين على حد سواء”.

وتابع المسؤول الحكومي عينه: “حزب الاستقلال مثلا ليس محافظا بالدرجة نفسها التي عليها حزب العدالة والتنمية؛ لكنه محافظ إلى حدّ ما، وعلينا القبول به كمكون داخل الأغلبية”.

هسبريس نقلت هذا النقاش في لقاء خاص مع عبد الجبار الراشدي، رئيس المجلس الوطني لحزب الاستقلال، فلم ينفِ التمسك بالتوجه المحافظ، معلنا بصراحة أن حزبه يعاكس المضي قدما في صيغة معينة في مواضيع ذات حساسية مجتمعية على غرار الحريات الفردية والعلاقات الرضائية، وقال صراحة: “نحن ضدها”.

هكذا، تظهر المسافة بين الخطاب التقدمي لبعض مكونات الأغلبية وبين المواقف المحافظة التي يدافع عنها مسؤولون استقلاليون في قضايا الحريات الفردية، بمثابة تباينات مستقبلية واضحة، لا سيما أن حزب الأصالة والمعاصرة الذي يقود الحكومة ساند وهبي في كافة اختياراته، لكونها تعبيرا عن “المشروع المجتمعي” لحزب “الجرار” ونَفَسِه الحداثي الذي جاء به، وفق تعبير قياداته.

وتبقى المسألة الأساسية هي ما إذا كانت هذه التباينات ستنعكس على الخيارات التشريعية للحكومة، أم أن منطق التوافق بين مكوناتها سيقود إلى حلول وسط في الملفات الأكثر حساسية. ففي نهاية المطاف، لا تُقاس الطبيعة التقدمية أو المحافظة لأي أغلبية بتعدد المرجعيات داخلها فقط، وإنما أيضا بالمواقف العملية التي تتخذها إزاء توسيع الحريات الفردية وضمان الحقوق والمساواة أمام القانون.

وإذا استمر عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل في الحكومة الجديدة، فإن ذلك سيضع أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الأغلبية أمام اختبار سياسي، خصوصا أن المسؤول الحكومي يتبنى “خطابا حداثيا” مُعلنا في تدبير الإصلاح القانوني ومراجعة النصوص التي تنظم الحريات الفردية. وقد أكد، في لقاء خاص مع هسبريس سابقا، أن هذه القضايا تعيش نقاشا عميقا لم يُحسم بعد، قبل أن يتضح لاحقا أن حزب الاستقلال مكون جوهري في هذا السجال المنتعش داخل أروقة الحكومة السابقة.

ولا يتعلّق الأمر بشخصية حكومية بعينها فحسب؛ ولكن أيضا بطبيعة الملفات الموضوعة أمام وزارة العدل المقبلة وأمام الحكومة برمتها. فالولاية الجديدة الممتدة إلى غاية 2031 ستشهد فترتها تنظيم فعاليات كأس العالم الذي تراهن عليه الدولة بمعناها الاستراتيجي، بما يطرحه من تحديات أمام التصورات المحافظة داخل المجتمع، وفق قراءات سوسيولوجية متعدّدة.

ورش مراجعة القانون الجنائي وما يرتبط به من نقاش حول تجريم بعض السلوكات الخاصة، فضلا عن قضايا الحريات الفردية والضمانات القانونية المرتبطة بالحياة الشخصية، تأتي في مقدمة الخلاف الحكومي السابق؛ فهذه النصوص تختبر قدرة الوزير على اقتراح إصلاحات قانونية تساير العصر، بالقدر الذي تختبر فيه أيضا قدرة الأغلبية على تحويل الاختلافات الإيديولوجية إلى توافقات تشريعية.

في هذا المستوى، يمكن لحزب الاستقلال، انطلاقا من المرجعية المحافظة التي نسبها إليه وهبي كتعبير داخل النسق الحكومي السابق، أن يدفع باتجاه التحفظ على بعض المقتضيات التي يعتبرها متعارضة مع تصوره للقيم المجتمعية، خصوصا في ظل التعقيد الذي ينطوي عليه موضوع الحريات؛ لكونه يقف في خط التماس مع تصورات مجتمعية رافضة وبقوة.

وفي المقابل، قد تجد الأطراف ذات الخطاب اليساري التقدمي، خصوصا حزبي “الوردة” و”الكتاب”، نفسها مطالبة بتحديد مدى استعدادها للدفاع عن اختياراتها عندما تتحول إلى مواد قانونية ملموسة، لأن إعلان الانتماء إلى الحداثة يتطلب، وفق ما أبداه قيادي في حزب التقدم والاشتراكية لهسبريس، “الاستعداد لتحمل الكلفة السياسية لبعض الإصلاحات، خصوصا عندما تثير انقساما داخل الأغلبية أو جدلا واسعا في المجتمع”.

وتكتسب فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيسة الحكومة المعينة، أهمية إضافية في هذا السياق؛ بالنظر إلى موقع الحزب داخل التركيبة الحكومية المعلنة حديثا، وإلى طبيعة التوازنات التي ستنشأ بينه وبين الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال.

ومن هنا، سيكون من المفيد مراقبة ما إذا كانت الأحزاب الثلاثة ستشكل “جبهة” متقاربة بشأن توسيع الحريات الفردية وتعزيز المناصفة في مدونة الأسرة الجديدة، أم أن اختلاف حساباتها السياسية سيجعل كل ملف يخضع لتفاوض منفصل. كما سيكون موقف حزب الاستقلال حاسما في تحديد طبيعة التوافقات الممكنة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • متابع
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 10:08

    ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [التوبة: 67] صدق الله العظيم

  • Aziz
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 10:11

    الحداثة بالمعنى العالمي للكلمة اتية لا ريب هناك من يعرقلها ويزيدنا تاخيرا هناك جيوب مقاومة من الماضي وهدا طبيعي في مجتمع لا زالت فيه الامية.. فقد عرقلوا ولوج المرأة التعليم زمن محمد الخامس ووقف هو بنفسه ضدهم بل اخد صورا لبناته داخل المدرسة بلباس عادي وعصري وقتها.. و ها هي امرأة رءيسة حكومة

  • مولاي
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 10:26

    حزب الاستقلال حزب وطني ذو مرجعية محافظة تحترم الدين والعادات وقيم التامغرابيت. رغم كونه يعاني اليوم من أزمة كفاءات على المستوى الاستراتيجي تجعله رهينة وجوه استهلكت في التجارب السابقة الا انه يشكل صمام أمان داخل حكومة يطغى عليها التوجه العلماني المعادي للدين والاخلاق والقيم المجتمعية الراسخة. اذا خسر حزب الاستقلال رهان ترشيح اسماء قادرة على منع الانحرافات التي قد يتسبب فيها تهور من يسمون انفسهم بالحداثيين فسوف يسجل عليه التاريخ مشاركته في هدم اسس المجتمع المغربي ككل. فالاحزاب الثلاثة المرافقة له في الحكومة كلها احزاب تتحين الفرص لإرضاء الشهوات و تتشدق بالحريات الفردية والفصل بين الدين والدولة وتتبنى كل خطابات الغرب ووصفات متصهيني الداخل والخارج.فاللهم الطف بهذا البلد واجعل كيد المتآمرين في نحورهم ومتع بلدنا بالامن والامان واصلح امور ديننا ودنيانا آمين.

  • محمد القدوري
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 10:27

    اتساءل من هؤولاء الحدثيون ،؟ هل الحدثيون من يرغبون في طمص هوية الوطن والمواطنين ، هل الحدثيون من يتنكرون لثقافتهم من أجل تمكين جهة أجنبية للسيطرة على مقدرات الوطن؟؟؟؟؟؟

  • عماد
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 10:38

    التجمع الوطني للأحرار أكتر محافظة من العدالة والتنمية.

  • حسين
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 10:43

    للاسف الشديد حزب علال الفاسي الرجل الذي جاهد من اجل اعلاء كلمة الله وتطبيق شرعه
    اليوم استولى عليه من لا يهمه لا الدين ولا الهوية. هدفهم هو الكراسي والمناصب ولو على حسب الدين والثوابث. .لكن ان ربك بالمرصاد..

  • ههههههههه
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 10:53

    الرتبة الخامسة عربيا في شدة الفقر سبفنا فقط اليمن و العراق واسودان وموريتنيا هههههههه الحريات الفردية هههههههههههه.. غا نوليو بحال داك الأحياء الفقيرة د المكسيك والبرازيل

  • Ufhffccvv Hhgggdd
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 10:56

    كلام لا صلة له بالواقع…لامقارنة بين علال الفاسي والشكر وبن عبد الله…..عند السكوت عن الباطل يعتقد اهله انهم على حق …..

  • جلال
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 11:00

    مع الأمين العام الحالي لحزب الاستقلال الفكر الإديولوجي المعتمد على المرجعية الإسلامية غير مطروح على طاولة الحكومة الحالية لأنه عبر على مواقف تخالف هذا التوجه غير ما مرة وهو مستعد للتنازل عن مبادئ الحزب في سبيل المصلحة هذا من جهة
    من جهة أخرى أعتقد أن مصطلح المرجعية الاسلامية لحزب معين مقابل الفكر الحداثي اليساري التقدمي لا يجب أن يكون في بلد المفروض ان نسبة المسلمين فيه تبلغ 99 % لان استحضار هذه المقارنة تضرب عقيدة الأشخاص في العمق و بالتالي لا يصح أن نقول ان اليساريين غير مسلمين و في نفس الوقت لايوجد إسلام على مقاس الأشخاص ( إسلام لايت بحسب أهواء الناس)
    حتى لو افترضنا جدلا أن هناك بعض اليساريين غير مسلمين علنًا فإمارة المؤمنين تقف سدا منيعا باعتبار أن أمير المؤمنين حامي الملة و الدين طبقا لدستور المملكة

  • Abdellah Abdellah
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 11:02

    النقاش الذي يهم المواطنون والذي يجب ان يكون هو البحث عن حلول لمشاكل الولوج الى الخدمات الصحية، وحل مشاكل السكن في المناطق القروية وتوفير تعليم ذات جودة لجميع ابناء المغاربة وتبسيط المساطر الادارية .

  • الحداثة
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 11:02

    إذا كانت إرادة المغرب و المغاربة هي مسايرة الإتجاه العالمي في إرساء حرية الإنسان، فلابد من تطبيق دستور المملكة أولا. يجب أن تكون قوانين بلادنا واضحة في مجال الحريات الفردية، و متطابقة مع القوانين الكونية. من يدعون أنهم محافظون، هم فقط محافظون في العلن، و إذا اختلوا بأنفسهم…. البقية معروفة.

  • مجربينهم
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 11:11

    كلهم ولاد عبد الواحد الاستقلالين جربناهم الاتحاديين جربناهم التراكتوريين جربناهم كلهم ولاد عبد الواحد وكلهم ناقص واحد يأكلون الحلوى ويشربون كل المياه ويستنزفون مالية الدولة بذكاء الفراقشية وسياسة العام زين
    أنا لا أعلم كيف تأتيهم المقاعد وكيف صدقهم غيري
    عندما أناقش من يخالفني الرأي من أغلبية الورق
    أقول منافقا نفسي
    من على حق أنا أم هذا وذاك أغلبية الورق أم أغلبية القناعات الديماغوجية أم الخوانجية
    أصبحت منذ ليلة،23شتنبر أكره الديمقراطية وألعن في نفسي عيش الحجر وكما قال غيري
    من لم يحب صعود الجبال
    يعيش أبدا بين الحفر
    بتصرف

  • الحداثة 2
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 11:34

    حين تسن الدولة قوانين صارمة تمنع رقابة المجتمع للفرد، و تمنع الفرد من الإعتداء على حرية غيره، سيكون المغرب في بداية التحديث. الفرد محاصر برقابة و تجسس المجتمع، كأن المجتمع هو المخول له بتنفيذ أحكامه. نهار نتعلمو نديوها فروسنا و مانبقاوش حاضيين بعضنا البعض، غادي نكونو في الطريق نحو دولة الحق و القانون.

  • عبد الكريم بوشيخي
    الخميس 15 أكتوبر 2026 - 11:37

    يعني الإنتخابات و تضييع الوقت ومليارات الدراهم و الوعود الزائفة أختزلت في الحريات القردية و العلاقات الرضاءية

    يعني هذا ما ينقص الشعب المغربي أم تعيين المنصوري من أجل التطبيع مع العلاقات الرضاءية لأن مستواها و شخصيتها و تجربتها السياسية لا تؤهلها تماما رئيسة الحكومة

صوت وصورة
التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 09:42

التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة

صوت وصورة
جائزة الشيخ منصور لتصوير الخيل العربي
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 00:16

جائزة الشيخ منصور لتصوير الخيل العربي

صوت وصورة
"أونسا" يواكب خيول معرض الفرس
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 22:31

"أونسا" يواكب خيول معرض الفرس

صوت وصورة
المغرب يستعد لمونديال البيتزا
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 22:30 5

المغرب يستعد لمونديال البيتزا

صوت وصورة
اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 20:12 3

اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية

صوت وصورة
استكمال هياكل مجلس النواب
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:51

استكمال هياكل مجلس النواب