شباب العالم القروي بالمغرب: بين طموحات المستقبل وتحديات الحكومة المقبلة
مع إعلان رئيسة الحكومة المعيّنة، فاطمة الزهراء المنصوري، يوم 12 أكتوبر الجاري، عن تشكيل أغلبية حكومية من أربعة أحزاب، ينتقل النقاش العمومي من حسابات المقاعد إلى مضمون البرنامج الحكومي المرتقب. وفي خضم هذا النقاش، يستحق سؤالٌ بعينه أن يحتل موقعا متقدما: ما الذي تعتزم الحكومة المقبلة تقديمه لشباب العالم القروي، هذه الفئة التي ظلت حاضرة في الخطابات وغائبة، في الغالب، عن نتائج السياسات العمومية؟
لا يتعلق الأمر بقضية فئوية، بل بشرط من شروط تحقيق العدالة المجالية التي أكد عليها خطاب العرش لسنة 2025 حين نبّه إلى أنه لا مكان لمغرب يسير بسرعتين، ودعا إلى جيل جديد من برامج التنمية الترابية يجعل تشغيل الشباب في صلب أولوياته. فالمجالات القروية التي ينحدر منها جزء واسع من شباب البلاد هي نفسها التي تتركز فيها مظاهر الهشاشة، وضعف الخدمات، ومحدودية فرص الشغل اللائق.
أرقام مطمئنة في الظاهر
تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل البطالة في الوسط القروي بلغ 5,4 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، مقابل 11,9 في المائة في الوسط الحضري. غير أن هذا الرقم، على أهميته، لا يعكس حقيقة سوق الشغل القروي؛ فانخفاض البطالة المسجلة في البوادي لا يعني وفرة فرص العمل، بقدر ما يعكس انتشار الشغل الناقص، والعمل الموسمي، والعمل العائلي غير المؤدى عنه، وانسحاب فئات واسعة، خاصة من النساء، من سوق الشغل أصلا.
ويكفي للتدليل على ذلك أن المعدل المركب للبطالة والشغل الناقص المرتبط بمدة العمل بلغ 10,8 في المائة في الوسط القروي خلال الفترة نفسها، أي ضعف معدل البطالة المعلن. كما فقد قطاع الفلاحة والغابة والصيد نحو 108 آلاف منصب شغل بين الفصل الثاني من سنة 2024 والفصل نفسه من سنة 2025، في سياق توالي سنوات الجفاف، وهو ما يكشف هشاشة نموذج يقوم على نشاط واحد شديد التأثر بالتقلبات المناخية. ولا يتجاوز معدل نشاط النساء القرويات 18,4 في المائة حسب دراسة للمندوبية نُشرت سنة 2025، في حين تظل بطالة الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة مرتفعة في حدود 27,2 في المائة على المستوى الوطني.
أمام هذا الواقع، يجد الشاب القروي نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: البقاء في نشاط فلاحي هش لا يضمن دخلا قارا، أو الهجرة نحو هوامش المدن بحثا عن عمل غير مهيكل في الغالب. وفي الحالتين معا، تخسر البلاد طاقات كان يمكن أن تكون رافعة لتنمية مجالاتها الأصلية.
حدود الأجهزة الحالية
لا يمكن إنكار الجهود التي بُذلت خلال السنوات الأخيرة، من خلال برامج من قبيل «أوراش» و«فرصة» و«انطلاقة»، فضلا عن استراتيجية «الجيل الأخضر 2020-2030» التي راهنت على بروز جيل جديد من الشباب المقاولين في القطاع الفلاحي، وعلى تعبئة الأراضي الجماعية لفائدة ذوي الحقوق. غير أن قراءة متأنية لهذه التجارب تكشف عن حدود مشتركة يمكن إجمالها في خمس ملاحظات:
أولا، غلبة المقاربة المركزية التي تُصمَّم فيها البرامج من الأعلى، دون انطلاق كافٍ من خصوصيات المجالات وحاجيات شبابها الفعلية.
ثانيا، تشتت المتدخلين وتعدد البرامج، بما يجعل الشاب القروي تائها بين شبابيك ومساطر لا يعرف عنها الكثير، وغالبا ما تكون بعيدة عنه جغرافيا.
ثالثا، التركيز على التمويل على حساب المواكبة؛ إذ إن الحصول على قرض أو منحة لا يصنع مقاولا في غياب التكوين والتأطير والولوج إلى الأسواق. كما أن اشتراط الضمانات يُقصي فئة واسعة من الشباب القروي الذين لا يملكون رسوما عقارية أو مداخيل منتظمة.
رابعا، اختزال الاقتصاد القروي في النشاط الفلاحي، وإغفال الإمكانات التي تتيحها الأنشطة غير الفلاحية في استيعاب الشباب المتعلم.
خامسا، غياب تقييم مستقل ومنتظم لأثر هذه البرامج على تشغيل الشباب في الوسط القروي تحديدا، وهو ما يحول دون تصحيح الاختلالات في الوقت المناسب.
خمس أولويات للحكومة المقبلة
انطلاقا من هذا التشخيص، يمكن اقتراح خمس أولويات ينبغي أن يتضمنها البرنامج الحكومي المرتقب:
1. الانتقال من التشغيل المؤقت إلى الإدماج المستدام: فبرامج الشغل المؤقت مفيدة في امتصاص الصدمات، لكنها لا تبني مسارات مهنية. والمطلوب ربطها بالتكوين والتأهيل، بحيث يخرج المستفيد منها بكفاءة معترف بها أو بمشروع قابل للاستمرار.
2. تنويع الاقتصاد القروي: عبر تشجيع الأنشطة غير الفلاحية، من خدمات القرب والصناعات الغذائية الصغيرة، إلى السياحة القروية والخدمات الرقمية والطاقات المتجددة وتثمين المخلفات الفلاحية. فهذه الأنشطة أقل تأثرا بالجفاف، وأقدر على استيعاب الشباب الذي لا يجد مكانه في الفلاحة التقليدية.
3. تمويل ملائم ومواكبة عن قرب: من خلال آليات ضمان بديلة تراعي وضعية الشباب القروي، وتطوير التمويل التضامني والرقمي، وإحداث حاضنات للمقاولات في المراكز القروية الصاعدة تقدم خدمات التأطير والاستشارة، وتربط المشاريع الناشئة بالأسواق.
4. تكوين منسجم مع حاجيات المجال: إذ تظل عروض التكوين المهني متمركزة في المدن. ومن شأن صيغ مثل التكوين بالتدرج المهني داخل الضيعات والتعاونيات والوحدات التحويلية، والوحدات المتنقلة للتكوين، أن تقرّب الكفاءة من الشباب بدل أن تفرض عليهم الهجرة لاكتسابها.
5. تيسير الولوج إلى الأرض والماء والأسواق: بتسريع تمليك الأراضي الجماعية للشباب ذوي الحقوق مع مواكبتهم في استغلالها، وتعميم نماذج التجميع الفلاحي والفلاحة التعاقدية التي تُدمج صغار المنتجين في سلاسل القيمة، وتقوية التعاونيات الشبابية لتصبح فاعلا اقتصاديا حقيقيا، لا مجرد إطار للاستفادة من الدعم.
حكامة قائمة على النتائج
لا قيمة لهذه الأولويات إن لم تُسنَد بحكامة واضحة. ويقتضي ذلك تحديد أهداف رقمية قابلة للقياس خاصة بتشغيل الشباب القروي، وإنتاج معطيات مفصلة حسب الوسط والسن والجنس، وإدراج هذا الهدف في صلب برامج التنمية الترابية المندمجة على مستوى الجهات والأقاليم، مع إشراك الجماعات الترابية والجامعات ومراكز البحث وهيئات المجتمع المدني في التتبع والتقييم.
إن شباب العالم القروي ليسوا عبئا على السياسات العمومية، بل رصيدا لم يُستثمر بعد. فهم يملكون معرفة بمجالاتهم، وارتباطا بأرضهم، وطموحا لا يقل عن طموح أقرانهم في المدن؛ وما ينقصهم ليس الإرادة، بل تكافؤ الفرص. ومن ثم، فإن الحكومة المقبلة مدعوة إلى أن تجعل من وضعية هذه الفئة معيارا حقيقيا لقياس نجاعة سياساتها في تحقيق العدالة المجالية، لأن مغرب الغد لن يُبنى بشباب يرى في الرحيل السبيل الوحيد إلى النجاح.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.