تحول الاستفزاز إلى صراخ

تحول الاستفزاز إلى صراخ
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 18:25

حين يتحول الاستفزاز إلى صراخ: هل ندافع عن كرامتنا أم نفقد السيطرة على انفعالاتنا؟

من منا لم يجد نفسه، في لحظة غضب، يرفع صوته في وجه شخص استفزه بكلمة جارحة أو تصرف مهين؟ ومن منا لم يتساءل بعد انتهاء المواجهة: ألم يكن بإمكاني الدفاع عن موقفي بطريقة أكثر هدوءا واتزانا؟

يحيل هذا السؤال إلى مفهوم أساسي في علم النفس المعرفي والسلوكي، هو التنظيم الانفعالي، الذي يشير إلى قدرة الإنسان على فهم انفعالاته والتأثير في مسارها وكيفية التعبير عنها.

الغضب بين الانفعال والسلوك

الغضب انفعال إنساني طبيعي، ينشأ غالبا عندما يشعر الفرد بأن حقوقه أو قيمه أو مكانته مهددة. غير أن الشعور بالغضب يختلف عن السلوك الناتج عنه؛ فقد يغضب الإنسان دون أن يصرخ، وقد يعبر عن استيائه بحزم واحترام، كما قد يتحول غضبه إلى إساءة لفظية أو عدوان.

ويرى عالم النفس ريتشارد لازاروس أن الانفعالات ترتبط بكيفية تفسير الفرد للمواقف وتقديره لدلالاتها. فالكلمة نفسها قد تثير غضبا شديدا لدى شخص، بينما يتعامل معها آخر بهدوء نسبي، تبعا لخبراته السابقة وحالته النفسية وطريقة إدراكه للموقف.

وعندما يفسر الإنسان كلام مخاطبه باعتباره إهانة متعمدة، قد يشعر بتهديد كرامته، فتزداد حدة انفعاله ويصبح الرد الاندفاعي أكثر احتمالا. وقد ترافق ذلك أفكار تلقائية من قبيل: «إذا لم أرد عليه فسيعتقد أنني ضعيف.«

لكن الإشكال لا يكمن دائما في إدراك الإهانة، فقد تكون حقيقية، وإنما في الاعتقاد بأن الصراخ هو الوسيلة الوحيدة للدفاع عن الكرامة.

هل الهدوء ضعف أم قوة؟

يربط بعض الناس الدفاع عن الكرامة بضرورة الرد الفوري والحاد على الإساءة، وينظرون إلى الهدوء باعتباره ضعفا أو تنازلا. غير أن هذا التصور يخلط بين الدفاع عن الحقوق والانفعال غير المنضبط.

فالكرامة لا تقاس بارتفاع الصوت، كما أن الهدوء لا يعني بالضرورة الخضوع. يستطيع الإنسان أن يرفض الإهانة بعبارة واضحة: «أحترم حقك في الاختلاف معي، لكنني لا أقبل مخاطبتي بهذه الطريقة«.

ويعرف هذا الأسلوب في علم النفس بالتواصل الحازم أو التوكيدي، وهو القدرة على التعبير عن الحقوق والمواقف والمشاعر بوضوح، دون اعتداء على الآخرين.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أنماط من التواصل: الخضوع الذي يتجنب المواجهة خوفا من الاعتراض، والعدوانية التي تلجأ إلى الصراخ والإهانة، والحزم الذي يجمع بين الدفاع عن الحقوق واحترام الآخرين.

فالحزم ليس صمتا أمام الإساءة، ولا صراخا في وجهها، بل قدرة على الاعتراض دون عدوان.

ماذا تقول الدراسات العلمية؟

أظهرت البحوث النفسية أن تنظيم الانفعالات مهارة يمكن تنميتها بالتدريب، وإن اختلفت فعالية الاستراتيجيات باختلاف الأشخاص والمواقف.

فقد بين التحليل البعدي الذي أنجزه Webb وزملاؤه سنة 2012، وشمل 306 مقارنات تجريبية، أن استراتيجيات تنظيم الانفعالات لا تحقق النتائج نفسها، وأن فعاليتها تتأثر بطبيعة الاستراتيجية وكيفية تطبيقها.

كما أظهرت مراجعات تحليلية لدراسات علاج الغضب، من بينها دراستا DiGiuseppe وTafrate سنة 2003، وSaini سنة 2009، نتائج إيجابية إجمالا للتدخلات النفسية المنظمة، خاصة تلك التي تساعد الأفراد على تعديل أفكارهم وتطوير استجابات سلوكية أكثر ملاءمة.

ويؤكد نموذج جيمس غروس أن الإنسان يستطيع التأثير في استجابته الانفعالية عبر توجيه انتباهه وإعادة تقييم الموقف وتنظيم طريقة التعبير عن مشاعره.

لكن انخفاض الصراخ لا يكفي وحده للحكم بنجاح التنظيم الانفعالي؛ فقد يصمت الإنسان خوفا أو عجزا، لا اقتناعا أو اتزانا. لذلك، فإن التنظيم الانفعالي الفعال ينبغي أن يجمع بين ضبط الاندفاع، والتعبير الحازم، والمحافظة على الاحترام المتبادل.

كيف نتعلم ضبط انفعالاتنا؟

لا يتحقق ضبط الانفعالات بمجرد مطالبة الإنسان بالهدوء، بل يحتاج إلى وعي وتدريب وممارسة.

تبدأ العملية بالتعرف على العلامات المبكرة للغضب، مثل التوتر الجسدي وارتفاع نبرة الصوت والرغبة في الرد الفوري. ثم تأتي أهمية التوقف المؤقت قبل الاستجابة، ومراجعة الأفكار التي تزيد من حدة الانفعال، خصوصا الاعتقاد بأن عدم الصراخ يعني القبول بالإهانة.

كما يساعد التدرب على التواصل الحازم في التعبير عن الاعتراض بعبارات واضحة، تحمي الحقوق دون تجريح أو تهديد.

ولا تعني هذه الاستراتيجيات تجاهل الإساءة أو تحمل التنمر، فالمسؤولية عن السلوك المسيء تقع على من يمارسه، بينما يساعد التنظيم الانفعالي الشخص المتضرر على اختيار استجابة تحمي كرامته وسلامته.

نحو تربية على التنظيم الانفعالي

لا تقتصر أهمية هذه القضية على العلاقات الفردية، بل تمتد إلى الأسرة والمدرسة وفضاءات العمل والنقاش العمومي.

ففي الأسرة، يتعلم الأبناء أساليب التعامل مع الخلاف من خلال ملاحظة سلوك الكبار. وفي المدرسة، ينبغي أن تتجاوز التربية اكتساب المعارف إلى تنمية مهارات الحوار وتدبير النزاعات واحترام الاختلاف.

أما في فضاءات العمل، فقد يتحول خلاف مهني بسيط إلى صراع شخصي عندما تختلط مناقشة الأفكار بالأحكام على الأشخاص. وتتكرر الظاهرة في بعض النقاشات الرقمية، حيث تحل الإهانات أحيانا محل الحجج.

وفي السياق المغربي، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز التربية على التنظيم الانفعالي والتواصل الحازم، باعتبارهما من الكفايات النفسية والاجتماعية التي تسهم في بناء علاقات أكثر احتراما وتوازنا.

خاتمة: حين يصبح الهدوء قوة

ليس الإنسان المتزن انفعاليا من لا يغضب أبدا، ولا من يقبل الإساءة دون اعتراض، بل من يستطيع التمييز بين ما يشعر به وما يختار أن يفعله.

فالغضب قد يكون استجابة مفهومة لإهانة حقيقية، لكن الصراخ ليس بالضرورة أفضل وسيلة للدفاع عن الكرامة. والتحدي الحقيقي لا يتمثل في إلغاء الغضب، وإنما في تحويله إلى وعي بالحقوق والحدود الشخصية، وقدرة على التعبير عنها بمسؤولية.

ولعل السؤال الأهم بعد كل مواجهة ليس: هل استطعت إسكات من استفزني؟ بل: هل استطعت الدفاع عن كرامتي دون أن أفقد السيطرة على سلوكي؟

فليس كل صمت حكمة، ولا كل صراخ قوة؛ وإنما تتجلى القوة النفسية في القدرة على الاعتراض دون إساءة، والاختلاف دون عدوان، وحماية الكرامة دون الارتهان لاستفزاز الآخرين.

-أستاذ التعليم العالي – مركز تكوين مفتشي التعليم بالرباط

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34

مراسيم تسليم السلط