الفِــلَانُورُ الأَخِــيرُ

الفِــلَانُورُ الأَخِــيرُ
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:35

أحياناً يقودني سؤال مآلات الواقع، وما تنطوي عليه حياة الطبقات المسحوقة من انكسارات صامتة، إلى استعادة صورة الفلانور عند والتر بنيامين؛ ذلك العابر الذي يتماهى مع الحشد من غير أن يفقد مسافته النقدية عنه، ويتخذ من التجوال طريقةً لقراءة المدينة في ندوبها، ومن الإصغاء إلى الهامشيين مدخلا لفهم ما تخفيه البنية الاجتماعية من عنف وإقصاء.

أمضي في شرايين المجتمع، لا لأعاين مظهره الخارجي، وإنما لأصغي إلى ارتدادات الصدمات التي تتركها ماكينة الإفلاس في الأجساد والذاكرات والمصائر؛ حيث يتحول الفقر إلى قدر مفروض، والهشاشة إلى إقامة قسرية في العراء الاجتماعي، وتغدو الحياة اليومية سجلاً مفتوحاً لخسارات لا تجد لغتها في الخطاب الرسمي.

في هذا التجوال، لا يكون الحشد كتلة بشرية مجهولة، وإنما مرآةً متكسرة لتناقضات المجتمع، ومختبرا تنكشف فيه المسافة بين الوعود المعلنة وشروط العيش الفعلية. إن ملاحظة بنيامين تكتسب في قراءته لبودلير والمدينة الحديثة، دلالتها العميقة، حيث الشارع نصٌّ اجتماعي ينبغي فك شفراته، والعابر لا يقرأ الوجوه وحدها، بل يقرأ التاريخ حين يترك آثاره على الوجوه والأمكنة والأشياء. وما يبدو تفصيلا عابرا في حياة المهمشين قد يكون في حقيقته، أثرا مكثفا لبنية كاملة من الاختلال؛ فالجوع لا يعبر فقط عن واقعة بيولوجية، كما البطالة ليست رقما إحصائيا، والإذلال ليس حادثة معزولة، وإنما تجليات لعلاقات قوة تعيد إنتاج الحرمان وتوزيع إمكانات الحياة بميزان غير عادل.

ولعل ما يضاعف قسوة هذه المعاينة أنني لا أخرج منها بالمسافة التي تتيح للوعي أن يستريح في موقع المتفرج. فكلما اقتربت من تخوم الألم الاجتماعي، انكشفت هشاشة الحدود بين من يراقب ومن يُراقَب، بين من يكتب عن الجرح ومن يحمل بعض شظاياه.

يستعيد السؤال السوسيولوجي روحه الأخلاقية، في كيف يمكن للفكر أن يظل وفياً للحقيقة حين تتحول المعاناة إلى مشهد مألوف، ويصبح البؤس جزءاً من ديكور الحياة العامة؟ وكيف نمنع اللغة من أن تستأنس بالمأساة، فتصفها ببلاغة باردة بينما تترك أسبابها قائمة؟

إن القلق الذي يتولد من هذا الاحتكاك هو في العمق صورة من صور اليقظة إزاء عالم تتآكل فيه شروط الكرامة. وهو يلتقي من وجه آخر، مع ما سمّاه إميل دوركهايم “الأنومي”، حين تفقد القواعد الاجتماعية قدرتها على تنظيم التوقعات ومنح الأفراد إحساساً بالاتجاه والمعنى؛ ومع تحليل بيير بورديو للعنف الرمزي، حيث لا تعمل الهيمنة بالقهر الظاهر وحده، وإنما أيضا عبر جعل اللامساواة تبدو طبيعية، وتحويل الحرمان إلى مسؤولية فردية، والفشل الاجتماعي إلى وصمة تلحق بمن يدفعون ثمنه. عند هذه النقطة، لا يعود الإفلاس اقتصادياً فحسب، وإنما يصيب المخيال الجماعي، ويقوض الثقة في إمكان العدالة، ويترك الأفراد في مواجهة مستقبل تتراجع فيه القدرة على التوقع، ويتقلص فيه الأمل إلى مجرد تأجيل للانهيار.

لكن الأخطر من الألم نفسه هو أن يستحيل الألم إلى اعتياد، وأن يفقد المجتمع حساسيته تجاه ما كان ينبغي أن يستفزه أخلاقياً. فحين يصبح البؤس قابلا للتعايش اليومي، ويغدو الإقصاء رقما في تقرير، وتتوارى المسؤولية خلف لغة تقنية محايدة، نكون أمام ما حذرت منه حنة آرنت في تأملاتها حول تآكل الحكم الأخلاقي، في إمكان أن تنفصل الممارسة عن مساءلة الذات، وأن يستمر إنتاج الأذى داخل منظومات تبدو عادية، من دون أن يشعر الفاعلون بثقل نتائجه الإنسانية. عندئذ لا تكون الأزمة في اتساع الفوارق وحده، وإنما في انكماش القدرة الجماعية على اعتبارها أمراً غير مقبول.

من ثمة يتصاعد القلق الوجودي، وكأنه ارتباك فردي أمام عالم غامض، أو كوعي بتصدع العلاقة بين الإنسان وإمكاناته، بين حاجته إلى الاعتراف وواقع يختزله في موقعه داخل سلم الإنتاج والاستهلاك. وما يبدو أحيانا انحرافا نحو أفق أخلاقي مسدود هو، في العمق، احتجاج على عالم تتراجع فيه قيمة الإنسان كلما تراجعت قدرته على المنافسة، ويُدفع فيه المهمشون إلى حافة الظهور من دون أن يُمنحوا حق التأثير في شروط وجودهم.

ومع ذلك، لا أريد لهذا التجوال أن ينتهي إلى تمجيد اليأس أو تحويله إلى حكمة نهائية. فاليأس، حين يستقر في الوعي، قد يصبح امتدادا آخر لآلة الإفلاس، لأنها لا تكتفي باستنزاف الموارد والفرص، وإنما تنتزع من الإنسان ثقته في إمكان التغيير. لذلك تظل مهمة القارئ اليقظ أن يحوّل القلق إلى معرفة، والمعاينة إلى مساءلة، والوجوه العابرة إلى شواهد على بنية تستوجب التفكيك. فالفلانور، في أعمق دلالاته، لا يمشي كي يتصالح مع المدينة، وإنما كي يكشف ما تحاول المدينة إخفاءه عن نفسها. ومن بين الشقوق التي يتركها الواقع في أرواح الناس، يمكن للفكر أن يستعيد وظيفته النقدية، في أن يمنح الألم لغة، وأن يردّ إلى المهمشين حضورهم، وأن يقاوم اللحظة التي يصبح فيها اليأس هو الشكل الأخير للطاعة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط