"اقتصاد الحرب" يضغط على الإيرانيين

"اقتصاد الحرب" يضغط على الإيرانيين
صورة: أ.ف.ب
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:14

تواجه الأسر الإيرانية ضغوطا معيشية متزايدة في ظل استمرار الحرب منذ ثمانية أشهر، بعدما أدت الاضطرابات الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل إلى إضعاف قدرتها الشرائية، ودفع شرائح واسعة من السكان إلى تقليص نفقاتها على الغذاء والسكن والرعاية الصحية والتعليم، وسط معدلات تضخم تعد من الأعلى التي سجلتها البلاد خلال العقود الأخيرة.

وتفاقمت الأزمة الاقتصادية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت إيران، وما أعقبها من إغلاق مضيق هرمز وفرض حصار أمريكي على الموانئ الإيرانية في الخليج، الأمر الذي أثر في صادرات النفط وحركة التجارة والإيرادات الحكومية، وزاد من حدة الضغوط الناجمة عن العقوبات الاقتصادية المستمرة منذ سنوات.

ونقلت وكالة “رويترز” شهادات لأكثر من عشرين إيرانيا من فئات اجتماعية ومهنية مختلفة، تحدثوا عن الصعوبات التي تواجههم في تأمين احتياجاتهم اليومية، بعدما أصبحت الأجور غير كافية لمجاراة الارتفاع المتواصل في الأسعار، واضطرت أسر إلى استنزاف مدخراتها والاقتراض أو الاستغناء عن بعض الضروريات لتغطية نفقاتها الأساسية.

وقال محمد علي، وهو صاحب متجر يبلغ من العمر 47 عاما وأب لطفلين بمدينة مشهد شمال شرقي إيران، إن المواطنين يعيشون تحت ضغط مزدوج يجمع بين الخوف من تجدد الهجمات الأمريكية والقلق المستمر بشأن تدبير مصاريفهم الشهرية، مضيفا: “ليس لدينا مال ولا مستقبل ولا أمل، لقد سئمنا العيش في خوف”.

وتكشف المؤشرات الاقتصادية الرسمية حجم التراجع في القدرة الشرائية، إذ ارتفعت أسعار المستهلكين خلال شتنبر بنسبة تقارب 90 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من السنة الماضية، بينما بلغ معدل التضخم السنوي 73,6 في المائة، في وقت سجلت أسعار المواد الغذائية والمشروبات زيادة بلغت 121,8 في المائة على أساس سنوي.

وأمام هذا الوضع، قدم وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زادة، الثلاثاء، اعتذارا للمواطنين عن الصعوبات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، مشيرا إلى أن العمال والمتقاعدين والموظفين يتحملون قسطا كبيرا من أعباء التضخم، وفق ما أوردته وسائل إعلام حكومية.

وتتضح الفجوة بين الأجور والنفقات في شهادة محمود، الموظف الحكومي البالغ 44 عاما والمقيم بمدينة أصفهان، الذي أكد أن راتبه الشهري، البالغ أقل من 100 دولار، لا يكفي لتغطية احتياجات أسرته لأكثر من عشرة أيام، موضحا أنه وزوجته أصبحا مضطرين إلى الاعتذار لبناتهما عندما يطلبن شراء ملابس أو ألعاب جديدة.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن الحد الأدنى لتكاليف المعيشة الشهرية لأسرة عاملة مكونة من ثلاثة أفراد يناهز 336 دولارا، مقابل متوسط راتب شهري يبلغ نحو 92 دولارا، وفق سعر الصرف في السوق الحرة، وهو تفاوت يعكس حجم الصعوبات التي تواجهها الأسر في تأمين متطلباتها الأساسية.

وامتدت موجة الغلاء إلى قطاع السكن، بعدما ارتفعت الإيجارات خلال شتنبر بنسبة 32,8 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، فيما زادت تكاليف السكن والمرافق والوقود بنحو 38 في المائة، ما دفع بعض الأسر إلى البحث عن مساكن أقل كلفة أو الانتقال للعيش مع أقاربها.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع فرص العمل، إذ ارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9,1 في المائة خلال فصل الربيع، بزيادة قدرها 1,8 نقطة مئوية مقارنة بالسنة السابقة، بينما انخفض معدل المشاركة في سوق العمل إلى 40,7 في المائة، واقتربت نسبة البطالة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة من 25 في المائة.

وتروي حميدة، وهي أم لطفلين تبلغ 39 عاما وتقيم بمدينة رشت شمالي البلاد، أن أسرتها اضطرت خلال الشهر الماضي إلى الانتقال للعيش في منزل والديها، بعدما فقد زوجها عمله بمصنع صغير للبلاط في ماي الماضي، واستنفدت الأسرة مدخراتها ولم تعد قادرة على أداء واجبات الكراء.

وتواجه فئات الشباب صعوبات مماثلة في الولوج إلى سوق الشغل، إذ أكدت فيروز، البالغة 23 عاما، أنها تبحث عن وظيفة منذ تخرجها في تخصص الإعلان، دون أن تتمكن من الحصول على فرصة عمل، مشيرة إلى أن عددا من زملائها يعيشون البطالة أو اضطروا إلى العمل في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم، بسبب تقليص الشركات ميزانياتها وتراجع التوظيف.

ولم تسلم الدراسة بالخارج من تداعيات الأزمة، بعدما أصبحت الأسر الإيرانية تواجه صعوبات متزايدة في توفير العملات الأجنبية وتحمل الرسوم الجامعية وتكاليف الإقامة، وهو ما دفع بعض الطلبة إلى التفكير في وقف دراستهم والعودة إلى البلاد.

وقال شهريار، البالغ 25 عاما والمقيم بمدينة إسطنبول، إن والديه، اللذين يعملان في القطاع الحكومي بإيران، لم يعودا قادرين على تحمل تكاليف دراسته للطب في تركيا، ما اضطره إلى اتخاذ قرار العودة بعد عامين من الدراسة، مضيفا أن عددا من أصدقائه يواجهون الظروف نفسها.

وتتأثر المقاولات الإيرانية بدورها بتداعيات الحرب والعقوبات، بعدما ارتفعت تكاليف استيراد المواد الخام والمعدات، وتزايدت صعوبات الحصول على العملات الأجنبية، بالتزامن مع انخفاض الطلب الداخلي نتيجة تراجع إنفاق الأسر، ما دفع بعض الشركات إلى تقليص أنشطتها وعدد العاملين بها.

وتفاقمت هذه الضغوط عقب توسيع العقوبات الأمريكية في 24 غشت الماضي، ضمن إجراءات استهدفت الحد من الموارد المالية المتاحة لتمويل المجهود الحربي الإيراني، وهو ما زاد من القيود المفروضة على المبادلات التجارية والأنشطة الاقتصادية.

وفي منتصف أكتوبر الجاري، رفض محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي التصريحات الأمريكية بشأن انهيار اقتصاد بلاده، واصفا إياها بأنها “وهم”، في وقت تواجه فيه المؤسسات الاقتصادية تحديات تتعلق بتمويل الواردات الأساسية وتوفير الموارد اللازمة لاستمرار الخدمات العمومية.

ويأتي تدهور المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية في سياق حساس بالنسبة إلى إيران، بعدما شهدت البلاد احتجاجات خلال يناير الماضي على خلفية الأوضاع المعيشية، أسفرت عن سقوط آلاف القتلى وفق حصائل أوردها مسؤولون إيرانيون ومنظمات حقوقية، وسط مخاوف من انعكاس استمرار التضخم والبطالة على الاستقرار الاجتماعي.

وتشير الشهادات التي جمعتها “رويترز” إلى أن تداعيات الحرب أصبحت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للإيرانيين، من قدرتهم على شراء الغذاء وأداء الإيجار إلى إمكانية الحفاظ على وظائفهم ومتابعة تعليم أبنائهم، فيما تستمر الضغوط الاقتصادية في تقليص الخيارات المتاحة أمام الأسر، مع غياب مؤشرات واضحة على تحسن قريب في الأوضاع المعيشية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟