ذكاء نبتكره وآخر نهدره

ذكاء نبتكره وآخر نهدره
صورة: أرشيف
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:10

قد تختصرُ أسماء الحقائب الوزارية أحياناً أسئلة عصر بأكمله، وتكشفُ في كلمات قليلة عن المسافة التي تفصل ما نطمح إلى بلوغه عما لا نزال نسعى إلى تحقيقه. ففي حكومة واحدة يلتقي زمنان على نحو يثير التّأمل: زمن يستشرف آفاق الذكاء الاصطناعي، حيث تتَّسِعُ حُدود المعرفة، وزمن ينشغل بمصير أطفال ينقطعون عن الدّراسة قبل أن تكتمل رحلتهم الأولى مع التَّعلُّم. بين الأفقين تتشكّل مفارقة عميقة تحملُ سؤالاً عن مستقبل نطمح إلى صناعته، وعن عُقول ينبغي أن تجِد مكانها في صناعته.

بين الزمنين أسئلةٌ تعجز أحدث الحواسيب عن حسْمها: كيف نطمح إلى تعليم الآلات التّفكير والتّحليل، ونحن لا نزال نكافح لضمان استمرار أطفالنا في التّعلُّم؟ وأيّ مجتمع ذكي نرسم ملامحه إذا عجزنا عن حماية عقول أجياله من الهدر؟ أثار هذه المفارقة حديثٌ عابرٌ مع صَديق، استوقفَنا خلاله اجتماع وزير للذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي، ووزير منتدب مُكلف بالتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي تحت سقف الحكومة نفسها.

ثم تساءلنا عما يفصل الطموح إلى صناعة ذكاء الآلات عن مسؤولية صون ذكاء الأطفال. فنحن ننشغل بمستقبل المهن التي قد يلغيها الذكاء الاصطناعي، فيما يغادر بعض أطفالنا المدرسة قبل أن تتاح لهم فرصة اكتشاف تلك المهن أصْلاً؛ ونحتفي بخوارزميات تتعلّم من مليارات المعطيات، بينما نبحث عن أسباب عجز المدرسة عن الاحتفاظ ببعض المتعلِّمين.

حكومة بين زمنين: ذكاء الآلات وهدر العقول

الذكاء الاصطناعي، في جوهره، ثمرة تراكم طويل من المعرفة الإنسانية، يبدأ من المدرسة، ويمرُّ بالجامعة ومختبر البحث، قبل أن يبلغ عالم الابتكار والصِّناعة. أمّا الهدر المدرسي، فليس مُجرد رقم يضاف إلى التقارير السنوية أو نسبة نسعى إلى تخفيضها في الجداول الإحصائية؛ إنّه انقطاع في مسار بناء الإنسان، وضياع محتمل لطاقات وقدرات كان يمكن أن تجد مكانها في الاقتصاد والمجتمع.

من هنا تتضح العلاقة بين الملفين؛ فالذكاء الاصطناعي يمثل، في جانب منه، إحدى ثمار الاستثمار في العقل البشري، بينما يمثل الهدر المدرسي أحد أشكال التعثر في هذا الاستثمار نفسه. الأول يسعى إلى توسيع حدود المعرفة والقدرة على الإنتاج، والثاني يكشف صعوبة تمكين بعض الأفراد من الأدوات الأساسية لاكتساب تلك المعرفة.

وإذا جاز التعبير، فنحن أمام وزارتين تنظران إلى السّلسلة التعليمية والمعرفية من طرفين مختلفين: واحدة تستشرف ما يمكن أن يبلغه العقل حين تتوافر له شروط التّطور، وأخرى تواجِه ما قد يحدُث حين تنقطع تلك الشُّروط في مراحلها الأولى.

ذكاء يصعَد إلى السّماء… وتعليمٌ يتعثَّر على الأرض

لكن الاعتراف بالتّحديات شيء، والقدرة على الرّبط بينها ضمن سياسة عمومية متماسكة شيء آخر. فقد أصبح من السَّهل نسبياً الإعلان عن استراتيجيات رقمية واستخدام عبارات من قبيل السيادة التكنولوجية والتحوُّل الذكي واقتصاد المعرفة، وهي مفاهيم مشروعة وضرورية في عالم تتسارع تحوّلاته.

غير أن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما نسأل: من سيشارك في صناعة هذا المستقبل؟ وهل ستتوافر لأطفال المناطق القروية والأحياء الهشّة الفرصة نفسها لاكتساب المعارف والمهارات التي تؤهِّلهم للاندماج فيه؟ أم أننا قد نجدُ أنفسنا أمام مجتمع يتقدّم فيه جزء من أبنائه نحو أحدث التقنيات، بينما يناضل جزء آخر من أجل استكمال تعليمه الأسَاسي؟

ليس السُّؤال هنا عن جدوى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، فالتحولات العالمية لا تنتظر الدُّول التي تتردَّد طويلاً قبل الانخراط فيها، والسَّعي إلى تطوير القدرات الوطنية في هذا المجال ليس ترفاً، إنه ضرورة اقتصادية وعلمية واستراتيجية.

لكن الضرورة نفسها تفرض التعامل مع التعليم الأولي والهدر المدرسي باعتبارهما جزءاً من مشروع التحوُّل التكنولوجي، لا مجرد ملفٍّ اجتماعي موازٍ له، إذْ يمكن بناء اقتصاد معرفي دون مدرسة قادرة على تنمية المهارات الأساسية والتفكير النقدي والإبداع.

أيهما أولاً… ذكاء الآلات أم مُستقبل العقول؟

قد يكونُ من المفيد قلْبُ زاوية النّظر إلى الذّكاء الاصطناعي نفسه، فبدلاً من اعتباره قطاعاً منفصلاً عن إشكالات التعليم، يمكن النظر إليه بوصفه أداة محتملة للمساهمة في معالجتها. تستطيعُ الأنظمة الرّقمية، إذا صُمِّمت بمسؤولية واستندت إلى بيانات موثوقة، أن تساعد في الكشف المبكِّر عن مؤشرات التعثر والانقطاع، وتحسين تتبع المسارات الدراسية، وتطوير وسائل الدَّعم الفردي، وتيْسير الوُصول إلى موارد تعليمية ملائمة لمستويات مختلفة.

غير أن هذه الإمكانات لا تتحوَّل تلقائياً إلى نتائج؛ فهي تحتاج إلى مُدرسين مؤهَّلين، ومؤسسات مجهزة، وحماية لبيانات الأطفال، وتقييم جِدّي لأثر التكنولوجيا على التّعلم، وإلاَّ فقدْ نضيف إلى الفوارق التعليمية التقليدية فجوة رقمية جديدة، ونكتشف أن الآلة التي وعدناها بتقليص التفاوتات أصبحت، دون قصد، وسيلة أخرى لإعادة إنتاجها.

من هنا يصبح التنسيق بين المسؤولين عن الذكاء الاصطناعي والتربية والتعليم أكثر أهمية من مجرد تبادل المذكرات والاجتماعات الدَّورية. فالمطلوب ليس أن يعمل كل قطاع داخل حدوده الإدارية، لأننا نأمل أن تتلاقى النتائج ذات يوم، وأن تقوم السِّياسات العمومية على رؤية تعتبر التعليم أساساً للتّحوُّل الرقمي، وتعتبر التكنولوجيا وسيلة لتحسين فرص التعليم وجودته.

وربما كان أخطر ما يمكن أن يُصيب السِّياسات العمومية هو أن تتحوَّل المصطلحات الكبرى إلى بدائل رمزية عن النتائج الملموسة؛ فالذكاء الاصطناعي لا يصبح إنجازاً لمجرد إدراجه في اسم وزارة، تماماً كما لا يتراجع الهدر المدرسي لمجرد تخصيص حقيبة وزارية لمحاربته. بين التسمية والنتيجة توجد مسافة اسمها التنفيذ، وبين الإعلان عن الطموح وتحقيقه توجد مسؤولية تستدعي الموارد والكفاءات والاستمرارية والمساءلة.

وليس من الإنصاف الحكم على سياسة من عنوانها، لكن من المشروع تماماً أن نسأل عن مدى انسجام هذا العنوان مع مضمونها وما تحققه على أرض الواقع.

من المدرسة يبدأ ذكاءُ الوطن

بعد أن افترقتُ عن صديقي، عُدت إلى سؤالنا الأوّل وقد اتخذ معنى أعمَق: كيف يمكن لوزير الذكاء الاصطناعي ووزير محاربة الهدر المدرسي ألاّ يلتقيا في مشروع واحد، ما دام مُستقبل التكنولوجيا يبدأ من المدرسة، وما دام الاستثمار في ذكاء الآلات يفقد جانباً من معناه إذا أهملنا تنمية ذكاء الإنسان؟ فلا تعارضَ بين طموحٍ يستشرفُ آفاق التّكنولوجيا ومسؤولية تصُون حقَّ الأطفال في التَّعلم.

إنهما وجهان لمشروع تنموي واحد، يُقاس نجاحه بقدرته على توسيع فُرص المعرفة، لا بما تنتجُه خوارزمياته وحْدها؛ فما أروع أن يحلم بلدٌ بخوارزميات تُغيِّرُ العالم، وما أروع أن يبدأ بتحقيق هذا الحُلم من مدرسة تحتفظ بأطفالها، وتصونُ فضولهم، وتمنحُهم فرصة صناعة مُستقبلهم. ولعلَّ المفارقة الأشدّ إيلاماً أن ننجحَ يوماً في ابتكار آلاتٍ تتعلَّم من أخطائها، ونُواصل نحنُ تكرار الأخطاء التي تَحرم أطفالنا من التَّعلُّم.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟