المعروف أن عددًا من مدن المغرب العتيقة تحتضن خزانات كانت ذات طابع حبسي/وقفي غالبًا، وظلت في وظائفها عمومًا، إما ملحقة بعدد من المساجد الجامعة أو المدارس المرينية، كالمسجد الأعظم بمكناس وتازة ووزان وجامع القرويين بفاس وخزانة بن يوسف بمراكش، أو ببعض الزوايا المعلومة كالزاوية الناصرية بتامكَروت والزاوية الحمزية العياشية شمال الأطلس الكبير، والزاوية الشرقاوية بأبي الجعد، وما كان يوجد بالزاوية الدلائية في الأطلس المتوسط قبل تخريبها من طرف السلطان المولى الرشيد. وقد اتخذت كلها طابع خزانات عمومية بهذا المعنى، وإن لم يحضر نفس المدلول في وقتها.
حسب العلامة محمد المنوني، كانت تلك المكتبات موقوفة على المساجد أو المدارس والزوايا، وتميزت بأنها متعددة خلال الفترة المدروسة، وهو يقصد بين مرحلتي الموحدين والوطاسيين، وظلت متناثرة في مدن فاس ومراكش وسبتة وتازة ومكناس. ومعظمها لا يُعرف عنه الشيء الكثير، غير أن نتفًا حولها وردت في مؤلفات ووثائق بعينها، ككتب الرحلات مثلًا، والتي زار أصحابها بعض هذه الخزانات في طريقهم ذهابًا وإيابًا. ونذكر هنا أبا سالم العياشي ومحمد بن عبد السلام الناصري وأحمد الفاسي والوزير الشرقي الإسحاقي، بل إن بين هؤلاء من أعلن عن اكتشاف نوادر أو ذخائر كانت مجهولة.
هذا، إضافة إلى عدد من الباحثين المحدثين الذين زاروا بعض هذه الخزانات وكتبوا عن محتوياتها، كمحمد بن إبراهيم الكتاني ومحمد بالحسن الحجوي وأبي بكر البوخصيبي ومحمد المنوني ومحمد الفاسي وعبد الله كنون وعبد الهادي التازي وجامحمد الأمراني وعبد الرحيم العلمي وامحمد العلوي الباهي، رحم الله الجميع. وتتجلى أهمية هذه الخزانات، بغض النظر عن هيمنة الثقافة التقليدية عليها، بأنها تحفظ التراث المكتوب من مخطوطات ورسائل وكنانيش وكتب ومطبوعات حجرية وحوالات حبسية وظهائر سلطانية. ومن ثمة كان العمل على صيانتها وترميمها ورقمنتها، مثلما أقدم على ذلك د. عبد الرحيم العلمي، الأستاذ بكلية الآداب بفاس، فيما يخص خزانة المسجد الأعظم بتازة، حيث أصدر فهرسة محتوياتها في جزأين.
يذكر أن أول فهرسة من نوعها بالمغرب تمت لخزانة جامع القرويين سنة 1918 من طرف الشيخ عبد الحي الكتاني وألفريد بيل Alfred Bel، حسب ما يورد الباحث المحقق أحمد شوقي بنبين. وباختصار، فلا تقدم لأمة بغير تجديد التراث المدون في المجال الثقافي ومساءلته بشكل مستمر لمواجهة قضايا العصر ومحاورتها إيجابًا أو سلبًا. ولا نتحدث عن التراث الشفوي، لأن سياقه مختلف منهجًا وموضوعًا وتحليلًا.
الدور الآخر الذي تقوم به مثل هذه الخزانات يتمثل في خدمة البحث العلمي، عن طريق إتاحة أمهات المصادر التاريخية والتراثية أمام الطلبة والأساتذة وعموم الباحثين، سواء في مجال الاشتغال على ما هو محلي، أو ما تعلق بقضايا تاريخية تهم البلاد ككل، والتي لم تستوفِ لحد الآن كل مجالات البحث والتمحيص والتدقيق، بل بقيت هناك بياضات وأسئلة مختلفة تلفها من بعض الجوانب، مثل المدن المغربية المندرسة، والغموض الذي ساد فترة النصف الثاني من القرن الخامس عشر والربع الأول من القرن السادس عشر، وظروف احتلال المدن الشاطئية، وبينها سبتة ومليلة السليبتان، وإمارة اليهودي أهارون بن مشعل، وزاوية عبد الله اللواتي بتازة، وامتداد الإمارة إلى بني يزناسن، والزيجات الأجنبية لبعض السلاطين، وغيرها من القضايا العديدة.
إن البحث في التاريخ والتراث، فضلًا عن حيويته بالنسبة للأسئلة الراهنة حول مفاهيم التقدم والتخلف ومجال اللغة العربية وطبيعة الثقافة الدينية بشكل عام، فإن هذه الخزانات تتيح مفارز شتى للبحث العلمي التاريخي والتراثي والديني، وبينه مسألة تحقيق المخطوطات Les Manuscrits، التي أنجز عبرها الباحثون المغاربة دراسات قيمة إلى حدود بداية الألفية الثالثة. ونقصد أنشطة التحقيق بكل شروطها ومحدداتها المنهجية والعلمية، التي لا تخلو من صرامة ومصداقية، حيث تراجعت في الوقت الحالي تلك الدينامية المشهودة بكل أسف، ضمن سياق ما يعرفه الدرس الجامعي راهنًا من طغيان النماذج السهلة والجاهزة (بضاعتنا ردت إلينا)، وتراجع العمق الفكري والثقافي والنضج التحليلي بشكل عام. كما اختفت أو كادت جائزة الحسن الثاني للمخطوطات، بما ظلت تكشفه من جديد كل سنة. وتبقى الآمال معقودة، مع ذلك، على مؤسسة الأرشيف الوطنية ووزارة الثقافة ووزارة الأوقاف وغيرها من الجهات المعنية.
بين تلك الخزانات التي ما زالت مغلقة حاليًا، تعد المنشأة الموجودة شمال غرب الصحن المريني بمسجد تازة الأعظم من أعرق وأقدم المكتبات الموجودة عبر تاريخ المغرب، إذ يرجعها بعضهم، ومنهم العلامة عبد الهادي التازي، إلى العصر الموحدي، وليس هناك نص تاريخي صريح في هذا المجال، اللهم إلا ما ذكر صاحب القرطاس عن وصول عبد المؤمن بن علي الكَومي، أول خليفة موحدي، إلى موقع تازة سنة 529 هـ/1134 م في حركته الشهيرة من تينمل ومراكش لتوحيد المغرب.
إضافة إلى هذا الإسقاط التاريخي المؤسس نسبيًا، يعتمد البعض أيضًا على وثائق موحدية، عبارة عن مجموع 20 رسالة، حسب ما حققه الأستاذ محمد بن إبراهيم الكتاني، بينها كتاب “أعز ما يطلب” للمهدي بن تومرت داعية الموحدين. ومع ترجيح هذا الاحتمال، فإن معظم من بحثوا في الأمر يؤكدون أنه أعيد بالأحرى تأسيس الخزانة برسم حفظ كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” للقاضي عياض اليحصبي السبتي. ونحن نعلم جيدًا أن عياضًا كان معارضًا منذ البدء لدولة الموحدين، وقاد الثورة ضدهم بمدينة سبتة مرتين، كما تشبث ببيعة المرابطين قبلهم. ولذا تضعف هنا – من وجهة نظرنا – قرينة الأصل الموحدي للخزانة، وإن كان محققًا فيما يتعلق بالمسجد ككل، والقرائن متعددة: مصدرية وعمرانية وتاريخية.
يستدل هؤلاء على أبيات وردت عند الوزير الرحالة المؤرخ الإسحاقي، وفي نطاق سرد ما شاهده بتازة عند مروره بها، ومنه موقع الخزانة، حيث حدده بجهة القبلة، يسار المحراب، وهو موضع الصومعة، قبل نقل الخزانة إلى الجهة الحالية. وجاء ذلك في سياق وصفه لمعالم المدينة أثناء رحلته الحجية صحبة الأميرة خناثة بنت بكار المغافرية، زوجة السلطان مولاي إسماعيل وجدة حفيده محمد بن عبد الله، سنة 1730 م. وقد اختفت تلك الأبيات حاليًا، وذكر المرحوم امحمد العلوي الباهي بأنه وقف عليها شخصيًا، وهي:
لي منزل بين الخزائن شامخ … قد خُصَّ من بيت الإله بمنزل
حفظًا لمجموع الشفا أنشئتُ عن … أمر الخليفة فارس المتوكل
في عام سبع بعد خمسين انقضت … ومئين سبع في ربيع الأول
فقد تضمنت اسم مؤسس الخزانة، وهو السلطان أبو عنان المريني، الملقب أيضًا بفارس المتوكل، وذلك سنة 757 هـ/1356 م. ويبدو تسويغ التأسيس هنا منطقيًا وموضوعيًا وتاريخيًا، وهو حفظ كتاب الشفا، باعتباره مؤلفًا حول السيرة النبوية والحديث، كما ورد عند أئمة الفقه المالكي، ومنهم عياض، علمًا بأن دولة بني مرين اتخذت المذهب عقيدة رسمية للدولة. وكان مقر الخزانة في البداية أسفل صومعة المسجد الأعظم، ثم انتقل إلى شرقها ببضع خطوات. وبناءً على حوالة حبسية، فإن ذات الخزانة كانت تحتوي على أزيد من عشرة آلاف مصنف ومؤلف (في العصر المريني تحديدًا)، أغلبها كان منسوخًا أو في حكم المخطوط، علمًا بأن تازة عرفت حرفة النساخة باليد منذ عصر بني مرين على الأقل، بدليل ذكر عدد من النساخ التازيين وغيرهم، فضلًا عن ظاهرة تحبيس الكتب، وهي تخص المصنفات الدينية أساسًا كالتفسير والحديث والأصول، ثم المخطوطات الأخرى.
دون شك، فقد عرفت الخزانة تطورًا كبيرًا يحمل معه العديد من التحولات عبر العصور، أي منذ القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، ولكن تعوزنا أغلب أخبار هذه التطورات، فقد ضنّت علينا جميع المصادر المعروفة بمعلومات كافية. غير أن بعض نتفات نجت من عاديات الزمن، وذلك عبر ما تحتويه الخزانة نفسها من مخطوطات ووثائق ورسائل وحوالات حبسية. ونقصد مثلًا الكشف عن أسماء بعض شيوخ الفقه والتصوف والقضاة والعدول والقواد ونظار الأوقاف المتعاقبين، سواء كانوا من أبناء المدينة أو من حواضر أخرى. وتحضرنا هنا أسماء بعض النساخ أو محبسي الكتب للتقرب إلى الله عز وجل وإفادة الشيوخ والطلبة، كمحمد بن عبد الله البزور (كان حيًا سنة 1193 هـ/1779 م)، ومحمد البرنوسي التازي، والماحي بن عبد الله البرومي، ومنصور بن عيسى النجاري، وعمر بناصر التسولي، ومحمد الفشتالي، ومولاي الطاهر بن محمد التازي، وعلي مهري (مهدي؟؟) التازي، وابن علي الكَلعي، وعلي بن الصديق التوزاني، والباشا جامحمد النجار، وناظر أوقاف تازة عبد القادر بن محمد المجاصي، ومحمد بن صالح، والقايد عزوز بن أحمد الهزاط (حبس مصاحف وأحد عشر مجلدًا آخر على خزانة المسجد سنة 1927)، وغيرهم.
تعتبر مجالات مصنفات الخزانة الوقفية بتازة متعددة، رغم تخصصها تقريبًا في العلوم الدينية. ونلاحظ أنها تتوزع بين مباحث شرعية نقلية وأخرى عقلية كالفلك والتاريخ والتراجم والأنساب والطب واللغة والمعاجم وعلم المنطق والتوقيت والرياضيات، ثم الأدب بفروعه الكلاسيكية كالبلاغة والعروض والنحو والصرف والشعر والأمثال. وقد بلغت المؤلفات ذات الصبغة الدينية ما يناهز 54%، وتمثل العلوم الإنسانية، حسب د. عبد الرحيم العلمي، نسبة 10%، والعلوم البحتة نسبة 3%. ونشير إلى أن الأمر طبيعي برمته ولا يبعث على الاستغراب، تبعًا لسيطرة المجال الوقفي الديني، فضلًا عن وجود هذه الخزانة بمرفق ديني أيضًا. ونظرًا للاتصال الوثيق الذي ظل مستمرًا بين تازة وتلمسان، فقد اشتملت الخزانة على مؤلفين تازيين وآخرين تلمسانيين.
لم يبق من العدد المذكور سابقًا سوى سبعمائة كتاب ومخطوط أو تزيد قليلًا، وذكر العلمي أنها تبلغ تسعمائة وسبعة (907). تم تصنيفها وفهرستها لحسن الحظ على يد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والتي كلفت، كما سبق القول، الأستاذ عبد الرحيم العلمي الذي قام بهذه المهمة سنة 2002. والفهرسة إياها موجودة في الخزانات الكبرى للمملكة، وهي رهن إشارة الباحثين والطلبة والأساتذة. وسبق لكاتب هذه السطور أن عثر على نسخة منها بخزانة آل سعود في الدار البيضاء، كما أدمجت في إطار الأنترنيت.
إن التقلص المؤسف في حجم الكتب والمؤلفات بالخزانة يعود في جزء منه إلى عملية النقل التي تمت ما بين الصومعة والركن الحالي للخزانة، وفي جزء آخر خلال الأزمات التي عرفتها البلاد بشكل دوري، كالفتن الداخلية وضياع الكتب أو اختفائها، بسبب انهيار أجزاء من البناية أو تلاشي المسجد المعني ككل ومعه الخزانة في فترات معينة. لكن العامل الأساس في هذا الوضع يتمثل في النهب الرهيب الذي استهدف المنشأة، سواء بشكل فردي أو جماعي.
الظاهرة ليست بجديدة في كل الأحوال، فقد سبق وأن عرفتها خزانة جامع القرويين مثلًا. وبالنسبة لخزانة تازة، يورد الحجوي حول الجيش العزيزي الذي دخل إلى تازة في خضم فتنة الروغي الجيلالي الزرهوني (يوليوز 1903)، وكان بقيادة المهدي المنبهي، العلاف الكبير (وزير الحربية)، حيث يقول الحجوي حول الجيش غير النظامي (والمقصود الذي يفتقر إلى التنظيم والسلوك والانضباط): “وهدم وحرق (يعني جيش المولى عبد العزيز) وسبى النساء المحجبات… ونهب حتى كتب الخزانة العلمية الحبسية من المسجد الأعظم”.
هي نفس محطات النهب التي أشار إليها العلامة إدريس بلشهب. فبعد أن أكد العدد السابق للمخطوطات الذي كان موجودًا أصلًا بالخزانة، يستدرك قائلًا: “ولكن أيدي الناهبين عملت كل الوسائل الدنيئة لسرقتها، ولاسيما في وقت الحماية… ولم يبق فيها إلا النزر القليل”. بل إن واضع الفهرسة نفسه، أي الأستاذ العلمي، لمح إلى هذا النهب بكون واقع محفوظات الخزانة الحالية لا يمثل إلا جزءًا يسيرًا من أصل محتوياتها عند مرحلة التأسيس، وهو حجم كان يصل إلى الآلاف، يضاف إليها ما ورد عليها بعد ذلك في العصور اللاحقة، مما جعله يتساءل حول مآل بقية المخطوطات التي اختفى كثير منها في سياقات تاريخية وصفها بأنها “غير معلومة لحد الآن، تمتد إلى حدود أواسط القرن العشرين”.
لا بأس أن نمثل للإخوة القراء والمبحرين بنماذج (وهي نماذج وأمثلة فقط) من الكتب والمصنفات التي اختفت من نفس الخزانة الحبسية/خزانة الجامع الأعظم بتازة:
– نسخة من كتاب “الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس” لعلي بن أبي زرع الفاسي، وهو من أبرز المصادر التاريخية للقرون الوسطى المغربية ودولة بني مرين خاصة. وكان من محققي الكتاب إياه الأستاذ عبد الوهاب بن منصور رحمه الله، الذي أخرجه للأساتذة والطلبة وعموم المهتمين سنة 1972.
– كتاب “بيان الأوهام في كتاب الأحكام” لابن القطان الحميري الكتامي المتوفى سنة 628 هـ/1230 م، وهو مؤرخ عاصر الدولة الموحدية، ويعد من أبرز من كتبوا عن تلك الدولة، إلى جانب ابن صاحب الصلاة وأبي بكر الصنهاجي (البيدق) وعبد الواحد المراكشي. وقد أشار العلامة محمد المنوني إلى هذا المخطوط في كتابه “قبس من عطاء المخطوط المغربي”، وذكر أنه كان يوجد بخزانة تازة ثم نقل إلى خزانة القرويين.
– رسائل موحدية وعددها عشرون رسالة، أورد الخبر عنها محمد بن إبراهيم الكتاني، الذي ذكر أنه عثر عليها بخزانة المسجد الأعظم في تازة، علاوة على مجموعة من الأوراق المختلطة ضمن الكتاب المعروف للمهدي بن تومرت داعية الموحدين، ونقصد مصنفه “أعز ما يطلب”، وهو من أثمن الوثائق التاريخية والدينية حول عقيدة الموحدين. وبدا واضحًا أن ما عثر عليه الأستاذ الكتاني رحمه الله يمثل أصل “كتاب أعز ما يطلب”، ويفهم منه أن المؤلف إياه، الذي طبع بالجزائر سنة 1903، هو مجرد نسخة من أصله الذي كان موجودًا بخزانة المسجد الأعظم في تازة. ولن نفصل كثيرًا في رسائل موحدية أخرى مجهولة، أبرزها “كتاب في الجهاد” بدأه الخليفة يعقوب المنصور الموحدي وأكمله ابنه يوسف، بتاريخ 595 هـ. ويعلق الكتاني قائلًا: “ولا تعرف منه نسخة في مكان آخر”.
– مخطوط “منجنيق الصخور لهدم بناء شيخ الغرور ورأس الفجور” للثائر الصوفي ابن أبي محلي الفيلالي، الذي خلع بيعة السعديين بسبب ما اقترفوه في حق الأمة، ومن ذلك تسليم العرائش للإسبان من طرف الخليفة المأمون، نقصد فترة الفتنة التي استعرت بعد وفاة أحمد المنصور الذهبي وتدهور الدولة. وفي هذا المخطوط يرد ابن أبي محلي على شخص يقال له ابن عبد الحكم الجراري. وقد ثار ابن أبي محلي بالساورة، ثم انتقل إلى سجلماسة فمراكش التي أخذ فيها البيعة وصك النقود باسمه، ليبعث له السلطان السعدي زيدان زعيمًا دينيًا آخر هو يحيى بن عبد الله الحاحي، الذي تمكن من قتل ابن أبي محلي سنة 1613 م. وقد نقل خبر وجود المخطوط بخزانة تازة عبد السلام بن سودة عن محمد بن إبراهيم الكتاني.
– مخطوط “سم ساعة في تقطيع أوصال مفارق الجماعة” لابن أبي محلي أيضًا، وهو في رد آخر على نفس الشخص. ولا ندري إن كان المخطوط السابق هو نفسه المسمى “سم ساعة…”؛ لأن العلامة عبد السلام بن سودة اكتفى في “دليل مؤرخ المغرب الأقصى” بتكرار أنه تلقى خبر وجوده في خزانة تازة عن صديقه وبلديه محمد بن إبراهيم الكتاني، في حين تضعف فرضية كونه كتابًا آخر في نفس الموضوع.
بدأت ظاهرة تحبيس المخطوطات والكتب بخزانة تازة، لفائدة طلبة العلم على الأرجح، في عهد السلطان المريني أبي الحسن. وهذا لا يعني عدم وجود تحبيس الكتب قبل هذه المرحلة، إلا أننا نتحدث بناء على ما هو موثق، وكما ورد في بعض الحوالات الحبسية، وحتى عدد من المخطوطات، ككتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي الذي حبسه نفس السلطان، وحصل ذلك بعد وفاته بسنين. ويشمل المخطوط عدة محاور أوردتها الأستاذة سميرة التراب في أطروحتها، منها: كتب الصلح والإجارة والصناع والجوائح وكراء الدور والرواحل واليواقيت والرهون، ما يدل على وجود مجالات الحياة اليومية، علاوة على الثقافة الدينية.
كما استمرت تقاليد النساخة إلى جانب الوقف طيلة العصر المريني، وهو الذي شهد ازدهارًا ثقافيًا وحضاريًا لتازة مع استمرار الدور العسكري. وهناك تحبيسات تهم كتب الشيخ أحمد زروق والشيخ امحمد بن يجبش. وذكر المرحوم أبو بكر البوخصيبي أنه شاهد بالخزانة بعض مؤلفات الشيخ زروق ضمن مجموع، والبعض الآخر مستقلًا. بل هناك مصنفون مشارقة لهم كتبهم أيضًا بنفس الخزانة، كمعجم “تاج العروس” لعطاء الله الإسكندري، و”الشمائل” للترمذي، و”فتوح الشام” للواقدي، و”الجامع الصحيح” للبخاري، و”البيان والتحصيل” لابن رشد الجد.
لم يقتصر الوقف على سلاطين الدولة، بل اهتم به أيضًا أمراؤها، على نحو ما نجد في تحبيس تأليف في الأحكام قام به الأمير علي بن أبي سعيد المريني. ويذكر أن صحن المسجد الأعظم من جهته احتضن مقبرة مرينية ضمت أجداث عدة أمراء، علاوة على السلطان أبي الربيع سليمان المريني الذي توفي بتازة في 710 هـ/1310 م، وتعتبر بذلك ثالثة المقابر المرينية بعد شالة قرب الرباط وقباب المرينيين/القلة المشرفة على فاس البالي. وعود على بدء، فإن العديد من تحبيسات المصاحف والكتب الدينية والتصوفية تعود إلى الدولة العلوية منذ عهد المولى إسماعيل، حيث يمثل ما أوقفه كل من السلطان سيدي محمد بن عبد الله والمولى سليمان نسبة 11% حسب الأستاذ العلمي.
سجل بعضهم أن السلطان محمد بن يوسف رحمه الله (الملك محمد الخامس فيما بعد) قد حبس على خزانة الجامع الأعظم بتازة في ماي سنة 1934 عددًا من المصاحف، وكان في ذلك يبعث خطابًا ضمنيًا للسلطات الفرنسية بأن السلطان مع الحركة الوطنية، التي دعت خلال هذه الفترة إلى قراءة آيات القرآن الكريم و”اللطيف”، كرد فعل على السياسة البربرية لتلك السلطات. وجاءت المبادرة بعد المظاهرة الوطنية التي انطلقت من المسجد الأعظم وأدت إلى اعتقال عدد من الناشطين، أبرزهم إبراهيم الوزاني التازي، وتراوحت الأحكام بين ستة أشهر وسنتين بالنسبة للآخرين.
رب متسائل في هذا المقام عن الدور الوظيفي لما تبقى من مخطوطات دينية وغيرها بخزانة الجامع الأعظم في تازة؟ وعلى أهمية هذا السؤال، نورد بإيجاز غير مخل نماذج من المخطوطات أو الكتب والمطبوعات الحجرية، والتي يمكن أن يستعين بها طلبة التاريخ والأدب خاصة، إضافة إلى العلوم الدينية بما فيها التصوف:
– “ذكر العاقل وتنبيه الغافل” للأمير عبد القادر بن محيي الدين، الذي قاد المقاومة ضد الفرنسيين في غرب الجزائر إلى حدود 1840، ثم التجأ إلى المغرب بعد تضييق الخناق عليه.
– “إرشاد المسافر للربح الوافر” لأبي عبد الله امحمد بن عبد الرحيم بن يجبش التازي المتوفى سنة 920 هـ/1514 م. وقد وصف الأستاذ العلمي خطه بأنه رديء، ولكن مع تمييز رؤوس الكلام بقلم غليظ، ولا يعرف ناسخه. وهو من أبرز مؤلفات الشيخ المجاهد ابن يجبش، إلى جانب كتابه “تنبيه الهمم العالية…” الموجود أيضًا في نفس الخزانة والحامل لرقم التسجيل 670، علمًا بأن الباحث الراحل أبا بكر البوخصيبي كان أول من عرض هذه الرسالة وعلق عليها في كتابه الرائد “أضواء على ابن يجبش التازي” الذي صدر سنة 1976، وكان قد نال به جائزة المغرب الثانية للكتاب سنة 1972.
– نسخة من مخطوط “ممتع الأسماع في ذكر الجزولي والتباع” لمؤلفه محمد المهدي الفاسي.
– كتاب “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي” لمؤلفه محمد بالحسن الحجوي، والذي نسبه العلمي إلى فاس، لكن أصوله تازية، إذ إن أباه ولد وترعرع في تازة. والكتاب من المطبوعات الحجرية، وقد طبع فيما بعد بإدارة المعارف في الرباط، وتوجد بخزانة تازة خمس نسخ منه. ونذكر هنا النسخة التي تم إخراجها بمطبعة النهضة في تونس.
– كتاب “التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية للمدينة الإسلامية….” لمؤلفه الشيخ عبد الحي الكتاني، وقد تم نسخه وإخراجه بالمطبعة الأهلية في الرباط سنة 1346 هـ/1927 م.
أخيرًا، فهذه نماذج فقط. ومن هنا تتضح أهمية ملتمس المجتمع المدني التازي بتهيئة المدرسة اليوسفية أمام الجامع الكبير بتازة وتحويلها إلى خزانة عمومية، تضم ما تبقى من مخطوطات ووثائق وظيفية، إلى جانب مؤلفات حديثة، لأنه لا يمكن الاستغناء عنها في أكثر المعارف الإنسانية. وطبعًا، المطلوب أيضًا بذل الجهود وإنعاش أنشطة التحقيق أساسًا، ثم الدراسات المواكبة، خدمة لتاريخنا المحلي والوطني.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.