مُحاورة زميل رافِضي

مُحاورة زميل رافِضي
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:57

كنّا شبابًا لمّا جمعتْنا الأقدار في بلاد، يسمّيها عادة أهلُها بـ”الأنوار”، وكنّا نسعى سويّةً في كلّ جمعة، إلى المسجد المجاور لحيّنا.. نستمع للخطبة التي كان يُلقيها زميلنا الشيخ الأزهري، الذي كانت تشْرئبُّ له أعناقنا، بعد تمام الخطبة والصلاة، كي نلْقاه بكلّيتنا، أين كنّا ندرس ونلتقي على مائدة النقاش..

كثيرًا ما كنتُ أرافق شيخنا، الذي كان يُحاضر بجامعة عين شمس بالقاهرة، على متن سيارة صديقنا السوري، من أجل تقديم محاضرات راتبة بالمركز الثقافي الإسلامي، وكان ذلك بالتوازي مع تحضيره لأطروحة دكتوراه..

لم تكن كلّ أفكارنا نحن الثلاثة متوافقة بالقدر الذي يعفينا عن تجاذب ونقاش، قد يطول ويطول، رغم أنّنا كنّا نعتقد في نفس الخالق؛ نتوجّه إلى قبلة واحدة، ونقرأ المصحف الشريف نفسه..

مع مرور الأيام والسنين، وتتابع لقْيانا التي كانت تتيح لنا كلّ مرة تبادل الأفكار.. سألني الصديقان بنبرة تعجّب تغمرهما، ولم أكن لأفهم علة ذلك السؤال في حينه.. سألوني وهم يتطلعون للجواب: هل يوجد شيعة في المغرب؟

أجبتهم بالنفي واليقين يملأ صدري، كأنّني أبتغي في ذلك طمأنتهم، ما دمت كنت أعرف مسبقًا حساسية موضوع “الطائفية”، وما يرتبط بها من “سبّ” للصحابة؛ عبادة القبور؛ التوسل بالأموات؛ التقية والمتعة.. أو هكذا يقولون!

لائحة طويلة عريضة، كُتبت على أذهاننا منذ “السقيفة”، تنساب على ألسنتنا كعارضة، كلّما ذُكر الشيعة، أو أُثير موضوع “الفتنة”، الراقدة في تلك الأذهان، كأنّما دقّ جرس الدكتور بافلوف..

أجل أجبتهم وكأنّني بذلك أنتشي، مستحضرًا في عقلي قدسية “النسق العام”، وبيضة “وحدة العقيدة”، التي ضمنت لنا الأمن والأمان..

لم يكن تفكيري هذا لوحدي، بل نسقًا تناسلت عليه غالب الأجيال، فكرّس وضعًا وصفه الفيلسوف الألماني فريدريك نتشه، عندما اعتبر أنّ أفدح الجرائم في نظر “القطيع”، لا تتمثل في القتل، ولا حتى في الخيانة العظمى، بل في الجرأة على التفكير، خارج الأخلاق السائدة، لأنّ ذلك يهدد أسس الوجود المشترك لهذا “القطيع”، فهو بالتالي لا يحتاج للحقيقة، بقدر ما يحتاج للتماهي والطمأنينة، على أنّ الجميع يفكّر الشيء نفسه..(1).

لكن ما علة ذلك السؤال الغريب، الذي تفضّل به صديقاي؟ وأما سياقه؟

لكي أفهم ويزول بذلك العجب، رجعت بذاكرتي إلى المحاورات التي جمعتني بهما سابقًا، وجدتني قد عبّرت عن امتعاضي عمّا حصل في حماة بسوريا في ثمانينات القرن الماضي، ثمّ وقفت موقفًا صريحًا في مناسبة أخرى ممّا جرى في تاريخ “الفتنة”، التي يسمّونها كبرى أو هكذا يقولون.. وما هي بكبرى! بل “حية” الكبرى راقدة في عقولنا، قد تناسلت وعشعشت، منذ ذلك تُخيف كلّ من يفكّر..

أتذكر حين تمسكت بالمعنى الصريح للآية الكريمة من سورة النساء 93: “وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا”، فاسترسلت أقول: لا يمكن لزيد وعمر اللذان اقتتلا، أن يكونا الإثنين معًا على حق وصواب..

أوقفني الشيخ قائلًا: “هذا ما يقوله ابن حزم (الحقّ لا يكون إلا واحدًا)”.

وصلت إلى ذلك، وأنا أستحضر دومًا مقولة الخليفة الرابع علي: “بين الحقّ والباطل أربع أصابع” (2). مسافة مجازية وجيزة، لكنّها لا شكّ مصيرية، تضع المرء ربّما في ميزان الاختيار؛ بين الجنة والنار..

ذلك يتم بحرية فردية، واستقلال فردي، إذ يمتلك الفرد قدرة على عدم الامتثال للجماعة، وذلك هو الخيط الرفيع الذي يفصل الفرد عن “القطيع”، كما يراه الفيلسوف الألماني الأمريكي إريك فروم.

في تعريفه للوعي، يرى إريك فروم أنّه “المسافة بين الفرد والقطيع”.

من ثمة تحرّكت في ذهني المياه الراكدة، وطمحت للبحث عن الحقيقة المحجور عليها في كتب التراث، مستحضرًا ما قاله نتشه في معظم الناس الذين “لا يبحثون عن الحقيقة عندما يجادلون، بل يبحثون عن القوة ويسعون إلى تأكيد معتقداتهم، ليس لأنّها صلبة، بل لأنّهم يخشون تزلزلها.. فتصير بذلك مجادلتهم ذرعًا دفاعيًا وصرخة للأنا من أجل الحفاظ على السيطرة، بدل أن تكون أداة للحكمة..”

أردت دخول المضمار، دون رغبة نفسية لتبرير نفسي، ودون احتياج قهري للرد أو سلوك “أخلاق القطيع”؛ كما يسمّيهم فريدريك نتشه؛ أولئك الذين يعيشون تحت رحمة توقعات الآخرين، لأنّ القوة الحقيقية تكمن في عدم الحاجة لإقناع أيّ أحد بأيّ شيء مهما كان..

وعليه، إذا كان “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” سورة البقرة 256، فهل يُلزم أحد على شيء، قال تعالى: “أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ” سورة هود 28؟ نتشه وصف الإنسان الحرّ صاحب الروح الحرة؛ بوصف نتشه؛ “هو ذاك الذي لا ينتمي للقطيع، بل يسير وحده في البرية..”.

يُتبع..

الهوامش:

(1) جاء ذلك في كتابه “ما وراء الخير والشر” لسنة 1886، وكلمة “القطيع” هنا هي دلالة مجازية تعبّر عن الجماعة التي يتنازل أفرادها عن استقلاليتهم الفكرية، أولئك الذين يستمدون أفكارهم من آراء الآخرين ويكرّرون ما يسمعونه دون مساءلة.

(2) المقولة رُويت عن الإمام الحسن بن علي، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، وهي تعبير مجازي يُقصد به المسافة الفاصلة بين حاسة العين وحاسة الأذن في رأس الإنسان، فما تراه العين تحقّق يقينًا فهو الحقّ، وما اكتفت فقط بسماعه الأذن فهو الباطل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • الصعود إلى الهاوية.
    الأربعاء 4 نونبر 2026 - 00:36

    الخروج على القطيع والتفكير خارج الصندوق ليس دليلا على النبوغ في كل أحواله، فكم من شاة فارقت القطيع فكانت فريسة سهلة للذئاب. فإذا كان النزاع بين زيد وعمر قد أفضى إلى اقتتالهما، وإذا افترضنا جدلا أن كلا منهما يرى نفسه على حق وصواب، فإن المتدخل بينهما لن يكون بالضرورة أقدر على المعرفة إلا أن يكون بصره حديد، وهذا لأن لكل منهما مرجعيته التي يقيس بها الأمور، ويرى من خلالها ما هو الصواب، وما يجانب الصواب.

صوت وصورة
رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:05 8

رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة

صوت وصورة
الرجولة القاتلة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:00

الرجولة القاتلة

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:08 2

أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي

صوت وصورة
''Artisway''.. صناعة الذهب التقليدي بفاس
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:00 1

''Artisway''.. صناعة الذهب التقليدي بفاس

صوت وصورة
مقر جديد يعزز خدمات الشركة الجهوية
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 18:09

مقر جديد يعزز خدمات الشركة الجهوية

صوت وصورة
خطوات لحماية القدرة الشرائية
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 16:33 7

خطوات لحماية القدرة الشرائية