تقرير إفريقي يحذر من اختلالات التقاعد

تقرير إفريقي يحذر من اختلالات التقاعد
كاريكاتير: عماد السنوني
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:07

بلغت احتياطيات صناديق التقاعد المغربية 340.8 مليار درهم بنهاية سنة 2025 (37.3 مليار دولار)، وسط تحذيرات من استمرار اختلالات مالية وهيكلية تهدد استدامة بعض الأنظمة، وتثير مخاوف بشأن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية تجاه المتقاعدين، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تسريع الإصلاحات وتنويع توظيف المدخرات المؤسساتية، بما يضمن المحافظة على التوازنات المالية للصناديق وتعزيز مساهمتها في تمويل الاقتصاد الوطني.

وكشف تقرير حديث للبنك الإفريقي للتنمية، بعنوان “تعبئة موارد واسعة النطاق لتمويل تنمية المغرب في عالم مجزأ”، أن الاحتياطيات المتراكمة لدى هيئات التقاعد بلغت ما يعادل 37,3 مليار دولار عند متم سنة 2025، مسجلة ارتفاعا بنسبة 4,3 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، رغم استمرار الضغوط المرتبطة بالتوازنات المالية لبعض الأنظمة، وهيمنة الاستثمارات المحافظة على محافظها المالية، خصوصا سندات الخزينة وأدوات الدخل الثابت.

وأفاد التقرير ذاته، اطلعت هسبريس على تفاصيله، بأن صناديق التقاعد تشكل أحد أبرز المستثمرين المؤسساتيين في سوق الرساميل المغربية، بالنظر إلى حجم المدخرات التي تديرها وطبيعة توظيفاتها طويلة الأجل، موضحا أن بعض هذه الصناديق تواجه اختلالات هيكلية تهدد قابليتها للاستمرار، ما قد ينعكس على استقرار السوق المالية وقدرة مؤسسات الاستثمار الجماعي على توفير السيولة اللازمة لتدبير معاملاتها.

وأشارت المعطيات المالية المتعلقة بالأنظمة الرئيسية للتقاعد إلى ارتفاع احتياطياتها من 326,9 مليار درهم بنهاية 2024 إلى 340,8 مليار درهم خلال السنة الماضية، بزيادة بلغت 13,9 مليار درهم، تشمل احتياطيات نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد، والنظام العام للنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، وفرع التعويضات طويلة الأمد للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى جانب الصندوق المهني المغربي للتقاعد.

وتكتسي هذه الاحتياطيات أهمية خاصة باعتبارها أصولا مالية مخصصة لتغطية التزامات مستقبلية مرتبطة بأداء المعاشات، وليست مجرد موارد استثمارية متاحة للتعبئة دون قيود؛ إذ يرتبط تدبيرها بمواعيد صرف المستحقات، والمتطلبات الاحترازية الخاصة بكل نظام، وضرورة تحقيق مردودية مالية تتناسب مع المخاطر المحتملة.

ضغط على الاحتياطيات

سجلت الأنظمة الأربعة خلال سنة 2025 اشتراكات بقيمة إجمالية بلغت 73 مليار درهم، مقابل أداء معاشات وتعويضات بنحو 75,3 مليار درهم، لفائدة حوالي 1,5 مليون مستفيد، في حين بلغ عدد المساهمين نحو 5,1 مليون منخرط. ويعكس الفارق البالغ 2,3 مليار درهم بين الاشتراكات والأداءات تجاوز النفقات المرتبطة بالمستحقات للمساهمات المحصلة على المستوى الإجمالي، دون أن يعني ذلك تسجيل عجز مالي صاف بالقيمة نفسها، بالنظر إلى المداخيل المالية وباقي مكونات حسابات الأنظمة.

وفي المقابل، ساهمت عائدات التوظيفات المالية، التي بلغت 14,7 مليار درهم، في دعم تطور الاحتياطيات خلال السنة الماضية، رغم الضغوط المسجلة على مستوى التدفقات المرتبطة بالاشتراكات والمعاشات، ما يبرز أهمية المداخيل الاستثمارية في المحافظة على الأصول المالية للصناديق، خصوصا بالنسبة إلى الأنظمة التي تواجه اختلالات في التوازن بين مواردها ونفقاتها.

وأوضح التقرير أن التوزيع الحالي لاستثمارات هيئات التقاعد يعكس استمرار هيمنة الأدوات المالية المحافظة؛ إذ استحوذت أدوات الدخل الثابت على 54,3 في المائة من المحافظ الاستثمارية، باستثناء ودائع فرع التعويضات طويلة الأمد للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لدى صندوق الإيداع والتدبير، مع تسجيل انكشاف مهم على سندات الدين السيادي، وفي مقدمتها سندات الخزينة.

وبلغت قيمة المحفظة الاستثمارية المعنية، بعد استبعاد الودائع المذكورة، حوالي 271,8 مليار درهم، توزعت بين ما يقارب 147,6 مليار درهم في أدوات الدخل الثابت، و92,1 مليار درهم في الأسهم وحصص صناديق الاستثمار، ونحو 29,1 مليار درهم في العقارات، فيما استحوذت توظيفات أخرى على النسبة المتبقية.

وأظهرت هذه البنية الاستثمارية أن الأسهم والاستثمارات العقارية تمثل مجتمعة 44,6 في المائة من المحافظ المعنية، مقابل استمرار تمركز الجزء الأكبر من الأصول في الأدوات ذات الدخل الثابت، مما يعكس توجه الصناديق نحو المحافظة على استقرار العائدات والحد من التعرض لتقلبات الأسواق، في ظل طبيعة التزاماتها المالية طويلة الأجل.

وباحتساب ودائع فرع التعويضات طويلة الأمد للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لدى صندوق الإيداع والتدبير، التي تناهز 69 مليار درهم، ارتفع مجموع الأصول الموظفة في أدوات الدخل الثابت والودائع إلى حوالي 216,6 مليار درهم، أي ما يعادل 63,6 في المائة من إجمالي الاحتياطيات، مع ضرورة التمييز بين طبيعة هذه الودائع والأدوات المالية المكونة للمحافظ الاستثمارية الأخرى.

وحذر البنك الإفريقي للتنمية من أن استمرار الاختلالات المالية لدى بعض أنظمة التقاعد لا يقتصر تأثيره المحتمل على التوازنات الاجتماعية والمالية، بل قد يمتد إلى سوق الرساميل، بالنظر إلى الوزن الكبير لهذه المؤسسات في تمويل الدين والاستثمار الجماعي، وما قد ينجم عن تراجع قدرتها الاستثمارية أو حاجتها المتزايدة إلى السيولة من ضغوط على صناديق الاستثمار في السندات.

وفي هذا السياق، برز التفاوت بين الوضعيات المالية للأنظمة الرئيسية؛ إذ يواجه نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد والنظام العام للنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد عجزا تقنيا، في مقابل استمرار تسجيل أرصدة تقنية إيجابية لدى فرع التعويضات طويلة الأمد للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق المهني المغربي للتقاعد، ما يعكس اختلاف الضغوط المالية بين المؤسسات المعنية.

وأكد التقرير ذاته، الصادر برسم سنة 2026، أن استمرار الاختلالات الهيكلية، إلى جانب المتطلبات الاحترازية المرتبطة بالسيولة ومحدودية تنوع الأدوات المالية المتاحة، يشكل عائقا أمام توسيع استثمارات صناديق التقاعد نحو أنشطة إنتاجية جديدة، خصوصا المشاريع التي تتطلب تعبئة رؤوس أموال طويلة الأجل، وتتميز بفترات استرداد ممتدة ومخاطر تختلف عن تلك المرتبطة بالسندات والأصول المالية التقليدية.

تمويل الاستثمار

أبرز تقرير البنك الإفريقي للتنمية الحضور الوازن لهيئات التقاعد والاحتياط في سوق الاستثمار الجماعي؛ إذ تستحوذ هذه المؤسسات على 27 في المائة من صافي أصول هيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة، ما يجعل تطور وضعيتها المالية عاملا مؤثرا في استقرار هذا القطاع وقدرته على تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو مختلف أدوات التمويل.

وامتد هذا الحضور إلى هيئات التوظيف الجماعي العقاري، حيث أورد التقرير أن صناديق التقاعد وهيئات الاحتياط وشركات التأمين تستحوذ مجتمعة على 39,5 في المائة من صافي أصول هذه الهيئات، مما يعكس انخراط المستثمرين المؤسساتيين في تنويع توظيفاتهم خارج الأدوات التقليدية، مع الإشارة إلى أن هذه النسبة تعود إلى معطيات سابقة، ولا تعبر بالضرورة عن حصتهم عند نهاية 2025.

وتبرز أهمية هذه التوظيفات في سياق البحث عن مصادر تمويل بديلة للمشاريع الاقتصادية، غير أن البنك الإفريقي للتنمية شدد على أن توسيع مساهمة صناديق التقاعد في الاستثمار المنتج يظل رهينا بتوفير أدوات مالية ملائمة لطبيعة التزاماتها، وضمان مستويات كافية من السيولة والمردودية، بما لا يعرض حقوق المنخرطين والمتقاعدين لمخاطر إضافية.

ودعا البنك إلى إحداث صناديق استثمار متخصصة في تمويل مشاريع البنيات التحتية، بمساهمة مشتركة من صناديق التقاعد ومستثمرين آخرين، بهدف تعبئة جزء من المدخرات المؤسساتية وتوجيهها نحو مشاريع مهيكلة طويلة الأجل، عوض استمرار تركيز التوظيفات في سندات الدين والأصول المالية التقليدية.

وتندرج هذه التوصية ضمن توجه أوسع يرمي إلى تطوير سوق الرساميل المغربية، وتنويع مصادر تمويل الاستثمار، من خلال توسيع نطاق الأدوات المالية طويلة الأمد، بما فيها السندات المخصصة لتمويل مشاريع البنيات التحتية، وتعزيز الآليات القادرة على تقاسم المخاطر بين المستثمرين المؤسساتيين والفاعلين العموميين والخواص.

ويرى التقرير أن تعبئة المدخرات المؤسساتية يمكن أن تساهم في الاستجابة لحاجيات تمويل التنمية بالمغرب، التي قدرها البنك الإفريقي للتنمية بنحو 14,9 مليار دولار سنويا في أفق 2030، شريطة تطوير منظومة مالية أكثر تنوعا وقدرة على استقطاب رؤوس الأموال طويلة الأجل، وتحسين شروط تمويل المشاريع الاستثمارية.

غير أن المؤسسة المالية الإفريقية ربطت نجاح هذا التوجه بإجراء إصلاحات هيكلية عميقة لأنظمة التقاعد الأقل استدامة، معتبرة أن معالجة الاختلالات المالية تمثل شرطا أساسيا للمحافظة على قدرة الصناديق على الاستثمار، وتفادي انتقال الضغوط المرتبطة بالتزاماتها المستقبلية إلى السوق المالية.

وأكدت التوصيات الواردة في التقرير أن توجيه جزء من احتياطيات التقاعد نحو تمويل البنيات التحتية يظل مقترحا لتطوير أدوات الاستثمار المؤسساتي، ولا يشكل التزاما فعليا من الصناديق المعنية بتخصيص مبالغ أو نسب محددة من احتياطياتها لهذه المشاريع، في ظل استمرار خضوع قرارات التوظيف لمتطلبات السلامة المالية والسيولة والمردودية.

ووضعت هذه المعطيات صناديق التقاعد المغربية أمام تحد مزدوج، يتمثل في المحافظة على قدرتها على الوفاء بالمعاشات المستقبلية ومعالجة الاختلالات التقنية والهيكلية لبعض الأنظمة، بالتوازي مع تطوير مساهمتها في تمويل الاقتصاد الوطني، دون المساس بالتوازن الضروري بين حماية مدخرات المنخرطين وتوسيع الاستثمار في المشاريع الإنتاجية طويلة الأجل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • f.h
    الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:29

    بما ان انظمة التقاعد بالمغرب تعرف جملة من الاشكاليات المتمثلة في تراجع احتياطياتها مما يهدد بافلاسها بسبب جملة من العوامل كتراجع العامل الديمغرافي وتقلص عدد المنخرطين الجدد مقابل ارتفاع عدد الكحالين على التقاعد إضافة إلى الاستثمارات الغير مجدية لاموال هذه الصناديق فإن الحل مستقبلا يكمن في الانخراط الاختياري لمن يريد الاستفادة من تقاعد مريح وفق شروط تراعي الظروف المادية للعاملين والاجراء وتضمن نوعا من المكتسبات للمتقاعدين دون أثقال كاهلهم بمزيد من الاقتطاعات وتقليص مبلغ المعاش والزيادة في سن التقاعد ولعل نظام الصندوق المغربي المهني للتقاعد الذي يتبنى حصص النقط المحصل إضافة إلى اختيار مبلغ المساهمات وسن التقاعد افضل نموذج في هذا المجال.

صوت وصورة
رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:05 3

رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة

صوت وصورة
الرجولة القاتلة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:00

الرجولة القاتلة

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:08 2

أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي

صوت وصورة
''Artisway''.. صناعة الذهب التقليدي بفاس
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:00

''Artisway''.. صناعة الذهب التقليدي بفاس

صوت وصورة
مقر جديد يعزز خدمات الشركة الجهوية
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 18:09

مقر جديد يعزز خدمات الشركة الجهوية

صوت وصورة
خطوات لحماية القدرة الشرائية
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 16:33 7

خطوات لحماية القدرة الشرائية