مقدمة
أضحى التواصل القضائي في الدولة القانونية الحديثة أحد المداخل الأساسية لتطوير أداء مرفق العدالة وتعزيز الثقة في الخدمة القضائية، بالنظر إلى ما يضطلع به من أدوار تتمثل في تقريب القضاء من المتقاضين، وتيسير ولوجهم إلى المعلومة المرتبطة بحقوقهم ومراكزهم القانونية، وتمكينهم من تتبع الإجراءات والمساطر القضائية في إطار من الشفافية والوضوح.
فجودة الخدمة القضائية لم تعد تقاس فقط بمدى سلامة الأحكام القضائية من الناحية القانونية، وإنما أصبحت ترتبط كذلك بمدى قدرة المرفق القضائي على تقديم خدمات فعالة، والاستجابة لانتظارات وتطلعات مختلف المتقاضين والمرتفقين، ومدى توفير المعلومة اللازمة لهم في الوقت المناسب وبالوسائل الملائمة والقانونية والمشروعة.
وفي سياق هذا المبتغى، يكتسي التواصل القضائي أهمية بالغة باعتباره آلية لتحقيق التوازن بين حق الأفراد في الحصول على المعلومة القضائية، باعتباره مظهرا من مظاهر الشفافية والمواطنة القضائية، وبين حقهم في الاستفادة من خدمة قضائية ناجعة، تتسم بالسرعة المعقولة والفعالية والجودة واحترام الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
فإذا كان الحق في المعلومة القضائية يقتضي تمكين المتقاضين والمرتفقين من الاطلاع على المعلومات المتعلقة بتنظيم المحاكم واختصاصاتها وإجراءات التقاضي ومآل الملفات وفق الضوابط القانونية، فإن نجاعة الخدمة القضائية تستوجب، من جانبها، تطوير أساليب تدبير المحاكم، وتبسيط المساطر، وتقليص آجال البت، وتحسين استقبال المرتفقين، وتوظيف الوسائل الرقمية في تقديم الخدمات القضائية؛
ومن ثم، فإن التواصل القضائي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد نشاط إعلامي مواز للعمل القضائي، بل باعتباره مكونا أساسيا من مكونات جودة العدالة وشرطاً من شروط فعاليتها، وتيسير حق الولوج الى العدالة.
ومن هنا تبرز أهمية تناول الموضوع، الذي يرتكز كذلك على ما أضحت تصيغه التحولات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية التي عرفها المغرب من طموحات نحو الرقي بالعدالة الوطنية الى نموذج العدالة المتقدمة والمتطورة والمواكبة لكل متطلبات التطورين التكنولوجي والحقوقي، لا سيما من خلال تنزيل الحق في الحصول على المعلومات، والتنصيص على ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، وإقرار حق كل شخص في التقاضي والدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون، فضلا عن الحرص الأكيد على تنزيل مبادئ المساواة في ولوج المرافق العمومية، والاستمرارية في أداء الخدمات، والجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وربط المسؤولية بالمحاسبة وفق ما نصت عليه الوثيقة الدستورية لسنة 2011.
غير أن تفعيل هذه المبادئ جملة، يضعنا أمام مسألة في غاية الأهمية تتعلق بمدى قدرة التواصل القضائي على تجاوز وظيفته الإخبارية التقليدية، والتحول إلى آلية مؤسساتية تسهم في تمكين المواطن من المعلومة القضائية ومساعدته على فهم الإجراءات القضائية بلغة سلسة وبسيطة قريبة ومفهومة؛ وفي الوقت نفسه ترفع من مستوى نجاعة الخدمة القضائية التي يسعى للحصول عليها بفعالية وأجل معقول، دون المساس باستقلال السلطة القضائية، أو بحرمة الحياة الخاصة، أو بسرية الأبحاث والتحقيقات، أو بقرينة البراءة، أو بحقوق أطراف الدعوى.
ومنه تبرز إشكالية موضوعنا، التي سعينا الى طرحها، والتي تتمثل في التساؤل التالي : “إلى أي حد يمكن للتواصل القضائي أن يشكل آلية للتوفيق بين ضمان الحق في المعلومة القضائية وتحقيق نجاعة الخدمة القضائية، في إطار احترام استقلال السلطة القضائية والحقوق والحريات الأساسية؟”
وتتفرع عن هذه الإشكالية المركزية مجموعة من التساؤلات التي يمكن ان يطرحها المواطن العادي:
ما المقصود بالتواصل القضائي وما هي مرتكزاته الدستورية والقانونية؟
ما حدود الحق في المعلومة القضائية وضوابط ممارسته؟
ما هي طبيعة اللغة التي ينبغي ان يخاطب بها المرتفق بشكل رسمي؟
كيف يمكن توظيف التواصل القضائي لتحسين جودة الخدمات القضائية وتقريب العدالة من المتقاضين، وتعزيز مؤشرات الثقة بين المؤسسات القضائية والمرتفقين؟
ما هي أبرز التحديات التي تواجه التواصل القضائي في المغرب، وما السبل الكفيلة لتطويره؟
هذه التساؤلات وغيرها، تدفعنا الى اقتراح التصميم التالي لتلمس الجواب على الإشكالية المركزية، والذي قسمناه الى محورين اثنين :
المحور الأول : التواصل القضائي ضمانة للحق في الحصول على المعلومة القضائية.
المحور الثاني : التواصل القضائي مدخل لتحقيق نجاعة الخدمة القضائية.
المحور الأول: التواصل القضائي ضمانة للحق في الحصول على المعلومة القضائية
يشكل الحق في المعلومة القضائية أحد المظاهر الأساسية للشفافية في العمل القضائي، إذ لا يكفي الاعتراف للأفراد بحق اللجوء إلى القضاء، بل يتعين تمكينهم من المعلومات الضرورية لفهم الإجراءات القضائية، ومعرفة حقوقهم وواجباتهم، وتتبع ملفاتهم، والاطلاع على ما يسمح به القانون من معطيات تتعلق بسير العدالة وتنظيم المحاكم واجتهاداتها.
واعتقد أن بسط هذه المظاهر يقتضي التطرق إلى الأسس الدستورية والقانونية للحق في المعلومة القضائية (أولا)، ثم الوقوف على نطاق هذا الحق وحدود ممارسته (ثانيا).
1- الأسس الدستورية والقانونية للحق في المعلومة القضائية
يمكن اعتبار دستور المملكة المغربية لسنة 2011 مرجعا أساسيا لتأطير التواصل القضائي، من خلال مجموعة من المقتضيات التي تؤسس لشفافية المرفق العمومي عموما، وضمان الحق في التقاضي خصوصا، وتعزيز ثقة المواطن في المؤسسات بشكل أخص.
فالفصل 27 من الدستور يضمن للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، مع مراعاة الاستثناءات التي يحددها القانون، ويشكل هذا المقتضى منطلقا دستوريا مهما لتكريس الشفافية في تدبير المرافق العامة، بما فيها الخدمات ذات الصلة بالمرفق القضائي، مع ضرورة مراعاة النظام القانوني الخاص بالمعلومات والوثائق القضائية.
ويتعزز هذا التوجه اولا بمقتضيات الفصل 118 من نفس الدستور، الذي يضمن حق التقاضي والدفاع عن الحقوق والمصالح التي يحميها القانون، وثانيا بمقتضيات الفصل 120 الذي يكرس الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول، وثالثا بما ينص عليه الفصل 154 من الدستور من أنه على المرافق العمومية التقيد بمبادئ المساواة في الولوج، والاستمرارية في أداء الخدمات، والجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.
ويضاف إلى الوثيقة الدستورية، ما جاء به القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة، الذي يحدد نطاق الحق في الحصول على المعلومات الموجودة لدى الجهات المعنية، وكيفيات تقديم الطلبات، والضوابط والاستثناءات القانونية، غير أن تطبيقه في المجال القضائي يقتضي التمييز بين المعلومات الإدارية المتاحة وفق شروط القانون، وبين المعلومات المرتبطة بملفات قضائية أو أبحاث أو تحقيقات أو معطيات شخصية تخضع لضوابط قانونية خاصة على رأسها كثمان السر المهني.
كما تندرج ضمن الإطار القانوني المؤطر لهذا الموضوع مقتضيات القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والقانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، والقانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، إلى جانب النصوص الإجرائية المنظمة لمختلف أنواع المنازعات سواء المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية قانون 58.25، او قانون المسطرة الجنائية كما تم تعديله وفق قانون 23.03.
وهي المقتضيات القانونية وغيرها التي تبين مدى أهمية جعل التواصل القضائي جزءا من الالتزامات المؤسساتية الرامية إلى ضمان وضوح المعلومة القضائية، وتحسين العلاقة بين المحاكم والمرتفقين، وتوفير شروط ممارسة الحقوق الإجرائية بصورة واعية وفعالة.
فالمعلومة القضائية لا تقتصر على نشر النصوص القانونية والأحكام والاجتهادات، بل تشمل أيضا المعلومات المتعلقة باختصاصات المحاكم، وتوزيعها، وساعات استقبال المرتفقين، والوثائق المطلوبة لكل إجراء قضائي ناجح، والرسوم والمصاريف القضائية المقررة قانونا، ومراحل الإجراءات، ووسائل الطعن وآجالها، وطرق تتبع الملفات، فضلا عن نشر الاجتهاد القضائي وفق الضوابط المعتمدة.
ومن هذا المنطلق، يتعين التمييز على هذا المستوى ما بين المعلومة القضائية ذات الطابع العام، التي تساعد المواطن على فهم العدالة ومؤسساتها واجراءاتها، والمعلومة الخاصة بملف معين، التي يتحدد نطاق الاطلاع عليها بحسب صفة طالبها، ومصلحته، والقواعد الإجرائية المنظمة للملف، وهو ما يجرنا للحديث عن نطاق الحق في المعلومة القضائية.
2- نطاق الحق في المعلومة القضائية وحدود ممارسته
الاعتراف بالحق في المعلومة القضائية لا يعني إقرار حق مطلق في الاطلاع على جميع الوثائق والمعطيات المتصلة بالعمل القضائي والخدمة القضائية، وإنما يتعلق الأمر بحق يمارس في نطاق التوازن بين الشفافية وحماية الحقوق والمصالح التي يقرها القانون.
فمن جهة أولى، تقتضي الشفافية تمكين المتقاضين من المعلومات الضرورية لممارسة حقوقهم الإجرائية، وتيسير الاطلاع على الأحكام والقرارات التي يسمح القانون بنشرها، وتعزيز نشر الاجتهاد القضائي والتعريف بالمبادئ القانونية المستقرة، فضلا عن توفير المعلومات المتعلقة بتنظيم المحاكم واختصاصاتها والخدمات التي تقدمها، وهو ما دأب عليه المجلس الأعلى للسلطة القضائية منذ تنصيبه بالصيغة القانونية الجديدة، وحرص عليه بإنشاء موقع وصفحات الكترونية للاجتهاد القضائي وللنصوص القانونية قصد تعزيز مصدر المعلومة القانونية الى جانب المعلومة القضائية بشكل متوازي.
ومن جهة ثانية، يتعين احترام السرية التي تفرضها طبيعة بعض الإجراءات، ولا سيما سرية الأبحاث والتحقيقات التي يقررها القانون، وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وقرينة البراءة، وحقوق الدفاع، وحقوق الضحايا والشهود، وحرمة الحياة الخاصة وضمان حق الأفراد في حذف كل معلومة تتعلق بهم وضمان حقهم في نسيان ماضيهم الاتهامي بشطب كل المعلومات التي تتعلق بالأشخاص المدانين سواء افراد عاديين أو قضاة أو موظفين تم تأديبهم، بضمان الحق في المعلومة دون انتهاك الحق في الخصوصية بحذف الأسماء وكل البيانات التي من شأنها ان تدل على اصحابها، فضلا عن حماية استقلال القاضي وعدم التأثير في قناعته أو في سير الدعوى.
ويقتضي ذلك أن يكون التواصل القضائي مؤطرا بقواعد واضحة، عبر انشاء دليل للتواصل القضائي يوزع على مختلف المحاكم، تحدد من خلاله المعلومات التي يمكن نشرها، والجهة المختصة بتقديمها، وكيفيات الحصول عليها، والضوابط الواجب احترامها عند نشر الأحكام أو التعليق على القضايا المعروضة على القضاء.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التواصل المؤسساتي المنظم، الذي يقوم على توفير معلومات دقيقة ومحايدة، وتفادي تداول المعطيات غير المؤكدة، والتمييز بين الخبر القضائي والتعليق عليه، وبين التوضيح القانوني والتدخل في عمل القضاء.
كما يتعين إيلاء أهمية خاصة للغة التواصل، إذ إن توفير المعلومات بصياغة تقنية معقدة قد يحول دون استفادة المواطن منها، حتى وإن كانت متاحة من الناحية الشكلية، ولذلك، فإن تبسيط اللغة القانونية، وإعداد أدلة إرشادية، وتوفير المعلومات الأساسية باللغة العربية والأمازيغية وفق ما تنص عليه الوثيقة الدستورية في فصلها الخامس، مع ضرورة الانفتاح على اللغات الأخرى بحسب الحاجة، وهو ما يمكن معه أن يسهم في تقليص الفجوة المعرفية بين المؤسسة القضائية والمرتفقين.
وتتأكد هذه الحاجة بالنسبة إلى الفئات التي تواجه صعوبات في الولوج إلى المعلومات الرقمية، أو التي تعاني من الإعاقة، أو التي لا تتوفر على الإمكانات اللازمة للاستعانة بخدمات مهنية متخصصة، مما يقتضي تبسيط المعلومة القضائية لفائدتهم من أجل تيسير ولوجهم الى الخدمة القضائية، فتبسيط المعلومة القضائية قد يشكل مدخلا أساسيا لتيسير ضوابط الولج السلس للخدمة القضائية.
وبذلك، فالحق في المعلومة القضائية لا يتحقق بمجرد نشر المعلومات، بل يتطلب ضمان إمكانية الوصول إليها، وفهمها واستعمالها بصورة فعالة، مع احترام الحدود التي تفرضها حماية الحقوق والحريات واستقلال القضاء، من أجل تحقيق نجاعة قضائية ملحوظة.
المحور الثاني: التواصل القضائي مدخل لتحقيق نجاعة الخدمة القضائية.
إذا كان التواصل القضائي يكرس الشفافية ويضمن الحق في المعلومة، فإنه قد يشكل في ذات الآن أداة لتحسين أداء المحاكم والرفع من جودة خدماتها، من خلال تقليص الصعوبات التي تواجه المتقاضين، وتيسير الإجراءات، وتعزيز الثقة في المؤسسة القضائية، وهو ما يقتضي منا إبراز دور التواصل في تحسين جودة الخدمة القضائية (أولا)، ثم إبراز التحديات العملية التي تعترض تفعيله والآليات المقترحة لتجاوزها (ثانيا).
1- دور التواصل القضائي في تحسين جودة الخدمة القضائية
تتجلى نجاعة الخدمة القضائية في قدرة المرفق القضائي على تقديم خدمات تستجيب لحاجات المتقاضين، في آجال معقولة، ووفق إجراءات واضحة، وبما يضمن احترام الحقوق والضمانات القانونية، وهي مسألة لا ينبغي أن تختزل في سرعة البت في القضايا، بل ينبغي أن تشمل بشكل أكيد وجازم الحرص على جودة الأحكام، وسلامة الإجراءات، وسهولة الولوج إلى المحكمة، وفعالية تنفيذ المقررات القضائية، وحسن استقبال المرتفقين والمتقاضين على حد السواء.
وفي هذا السياق، يساهم التواصل القضائي وسياسة الباب المفتوح في تحسين جودة الخدمة من خلال مجموعة من الآليات التي يمكننا أن نوضحها، والتي تتمثل في ما يلي :
تمكين المتقاضين من المعلومات المتعلقة بالإجراءات والوثائق المطلوبة والآجال القانونية بشكل دقيق، وطرق تتبع الملفات، بما يساعد على تفادي الأخطاء الشكلية، والحد من التنقلات غير الضرورية، وتقليص حالات التأخير الناتجة عن نقص المعلومات أو عدم وضوح الإجراءات؛
تعزيز التواصل المباشر بين المحاكم والمرتفقين عن طريق مكاتب الاستقبال والإرشاد والمواكبة، والنوافذ المخصصة للمعلومات، والأدلة الإجرائية المبسطة، وقنوات التواصل الرسمية، بما يسمح بتوجيه المتقاضين إلى المصالح المختصة وتوضيح المسارات الإدارية والإجرائية التي ينبغي اتباعها دون تعقيد أو احالات؛
تطوير التواصل الرقمي عبر المنصات الإلكترونية الرسمية، التي يمكن أن تتيح الاطلاع على المعلومات العامة، وتتبع الملفات في الحدود القانونية، والحصول على بعض الوثائق والخدمات عن بعد، ونشر الإعلانات والمستجدات المتعلقة بالخدمات القضائية؛
تعزيز التواصل الداخلي بين مكونات المحكمة، بما يشمل المسؤولين القضائيين والإداريين والموظفين والمصالح المساعدة، بهدف تحسين تدفق المعلومات، وتنسيق العمل، وتحديد المسؤوليات، ومعالجة الاختلالات التي تؤثر في آجال معالجة الملفات وجودة استقبال المرتفقين، عبر تنظيم ورشات للتكوين والتكوين المستمر كل ما استجد نص قانوني أو تعديل تشريعي؛
اعتماد التواصل المؤسساتي في شرح المبادرات الرامية إلى تحسين أداء القضاة، والتعريف بالإصلاحات الإجرائية لكل واحد منهم، ونشر المعطيات الإحصائية الموثوقة المتعلقة بنشاط المحاكم، بما يساعد على تقييم الأداء وتحديد مواطن القوة والقصور، ويعزز الثقة العامة في المؤسسة القضائية.
وهي الآليات، وغيرها التي يمكن أن تساعد على تخفيف الضغط على المحاكم ومن تم على القضاة واطر الإدارة القضائية، وتقليص كلفة التنقل على المرتفق، وتوفير الوقت والجهد للمرتفقين والموظفين على حد السواء.
غير أن التحول الرقمي واعتماد آليات الذكاء الاصطناعي في منظومة العدالة رغم ايجابياته العديدة، فإنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يؤدي إلى إقصاء تلك الفئات التي لا تتوفر على وسائل الولوج الإلكتروني أو التي تواجه صعوبات في استخدامه. لذلك، يجب أن يظل التواصل الحضوري متاحا امامهم بشكل يساعدهم على فهم الإجراءات وبناء ثقة في منظومة عدالتهم، وأن المطلوب يتمثل في ذلك التكامل الذي ينبغي ان يجمع ما بين القنوات الرقمية والتقليدية ضمن سياسة موحدة تضمن المساواة في الاستفادة من الخدمات والمعلومات القضائية.
وما يجدر التنبيه اليه، أنه قد لا تكتمل هذه الوظائف إلا بربط التواصل القضائي بمؤشرات موضوعية لتقييم جودة الخدمة، مثل آجال البت في القضايا، ونسب تصفية الملفات، ومدى احترام المواعيد، وسهولة الحصول على المعلومات، ومستوى رضا المرتفقين، وعدد الشكايات المتعلقة بالخدمات الإدارية وكيفية معالجتها.
ومن ثم، قد يصير التواصل القضائي معيارا لحسن تفعيل التدبير القضائي، مما يقتضي بإلحاح إدماجه ضمن رؤية شاملة لتحسين الأداء العام للمحاكم، والأداء الخاص للقضاة والموظفين، بناء على رؤية استراتيجية تنهض على التخطيط، التقييم والتصحيح المستمر، للتأسيس للمواجهة الآنية والمستدامة لكل التحديات التي قد تعرقل نجاحه في شأن تطوير متطلبات النجاعة القضائية.
2-تحديات التواصل القضائي وآفاق تطويره في خدمة عدالة ناجعة
وضع المخطط الاستراتيجي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية المنتهي 2021/2026 التواصل القضائي ضمن التوجه الاستراتيجي الخامس في الباب المتعلق بمرتكزات المخطط الاستراتيجي وكذلك بباب مصفوفات إجراءات المخطط الاستراتيجي، كما وضع النجاعة القضائية هدفا استراتيجيا للمجلس الأعلى للسلطة القضائية على المدى القريب والمتوسط والبعيد، وهو ما سعى الى تحقيقه طيلة ولايته المستجدة بكل الوسائل عبر تنصيب مسؤولين قضائيين أكفاء ومتمرسين، وضخ دماء جديدة في الموارد البشرية القضائية، عبر إعادة هيكلة المعهد العالي للقضاء، وإرساء مناهج جديد لتكوين قضاة المستقبل، وإعادة تكوين الممارسين كلما استجد مقتضى قانوني وطني أو دولي، عبر ورشات تكوينية حضورية أو عن بعد.
وفي هذا السياق يبدو أن موضوع التواصل القضائي بات يحضى باهتمام كبير من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية باعتباره آلية مستجدة لتطوير الخدمة القضائية، والحرص على فعاليتها ونجاعتها، لعلمه المسبق بالتحديات التي قد تحد من قدرته على تحقيق ذلك التوازن بين الحق في المعلومة القضائية ونجاعة الخدمة القضائية، وهو ما سعت الى تكريسه كذلك رئاسة النيابة العامة في مخططها الاستراتيجي بوضعه ضمن الأهداف المسطرة من قبلها لاسيما الهدف رقم 27، والأهداف من 62 الى 72.
ويأتي في مقدمة التحديات التي يمكن ان تواجه التواصل القضائي بشكل أساسي ضعف الوعي القانوني لدى بعض المرتفقين، وصعوبة فهم المصطلحات والإجراءات القضائية، وتعدد مصادر المعلومات غير الرسمية بما فيها الاعتماد على المنصات الرقمية غير الرسمية والذكاء الاصطناعي في استخراج المعلومات القانونية والقضائية، وما قد ينجم عن ذلك من تداول معطيات غير دقيقة بشأن القضايا أو القرارات القضائية بما يحيد عن مطلب الموازنة ما بين محددات العدالة التشريعية ومحددات العدالة القضائية.
كما أن الفجوة الرقمية أضحت تطرح إشكالا أساسيا، بالنظر إلى تفاوت القدرة على استعمال الوسائل الإلكترونية، سواء بسبب ضعف التجهيزات أو نقص المهارات الرقمية أو صعوبات الولوج لدى بعض الفئات من المرتفقين وخاصة وبعض المواطنين عامة، ويضاف إلى ذلك تحدي حماية المعطيات الشخصية والأمن المعلوماتي، خصوصا عند رقمنة الملفات وتطوير الخدمات الإلكترونية.
ومن التحديات كذلك ضرورة التوفيق بين حق الجمهور في معرفة المعلومات المتعلقة بالعدالة، وبين مقتضيات سرية بعض الإجراءات، واحترام الحياة الخاصة، وحماية قرينة البراءة، وتجنب التأثير غير المشروع في القضايا الرائجة أمام المحاكم.
فالتواصل القضائي الفعال هو الذي يوفر المعلومة المشروعة والدقيقة، دون أن يتحول إلى وسيلة للتأثير في القضايا أو المساس بحقوق أطرافها.
واعتقد أنه لمواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى اعتماد سياسة قضائية متكاملة للتواصل القضائي، ترتكز على مجموعة من التدابير العملية، التي يمكن اجمالها في ما يلي :
وضع إطار مؤسساتي واضح لتدبير التواصل القضائي، يحدد الجهات المختصة، والمسؤوليات، وكيفيات نشر المعلومات، وضوابط مهنية للتعامل مع وسائل الإعلام بمختلف مشاربها، مع احترام استقلال السلطة القضائية والاختصاصات القانونية لكل جهة قضائية (نيابة عامة ورئاسة)؛
الحرص على تطوير منصات رقمية رسمية موحدة وسهلة الاستخدام والولوج السلس والسريع، تتضمن معلومات محينة بشأن المحاكم واختصاصاتها وخدماتها، وأدلة مبسطة للإجراءات، وآليات آمنة لتتبع الملفات والاستفادة من الخدمات الإلكترونية وفق الشروط القانونية؛
ضمان الاستثمار الفعال في تكوين الموارد البشرية المكلفة باستقبال المرتفقين والتواصل المؤسساتي، من خلال تعزيز مهارات الاستقبال والتواصل والمواكبة، واختيار الأشخاص ذوو الكفاءة العالية لتبسيط المعلومة القانونية، والتعامل مع الشكايات، وتدبير الأزمات الاتصالية، واحترام قواعد السرية وحماية المعطيات الشخصية؛
اعتماد ميثاق للتواصل القضائي يحدد المبادئ المهنية والأخلاقية المؤطرة لهذا المجال، وفي مقدمتها الدقة، الحياد، الشفافية والمسؤولية، واحترام قرينة البراءة وحقوق الأطراف واستقلال القضاء؛
تعزيز التواصل مع المحامين والمفوضين القضائيين والخبراء وباقي المهن القانونية والقضائية، باعتبارهم شركاء في تحسين جودة الخدمة القضائية وتيسير حصول المتقاضين على المعلومات الصحيحة بشأن الإجراءات التي يسعون الى تحقيقها من وراء الخدمة القضائية؛
إرساء آليات منتظمة لتقييم جودة التواصل القضائي، من خلال استطلاعات رضا المرتفقين، وتحليل الشكايات، ونشر مؤشرات الأداء، واستثمار النتائج في تطوير الخدمات وتصحيح الاختلالات؛
الحرص على تحقيق العدالة المجالية في الولوج إلى المعلومة، عبر دعم المحاكم التي تعرف ضغطا كبيرا، وتوفير وسائل التواصل المناسبة بالمناطق البعيدة، ومراعاة احتياجات الأشخاص في وضعية إعاقة والفئات التي تحتاج إلى مواكبة خاصة.
إن نجاح هذه التدابير المقترحة يظل رهينا بمدى إدماج التواصل القضائي في استراتيجية شاملة لتحديث العدالة، تتجاوز منطق نشر المعلومات، إلى منطق تمكين المرتفق من خدمة مفهومة بلغته الأم، وفعالة، وتربط الشفافية بالمسؤولية، والتحول الرقمي بضمانات الحقوق، وسرعة الإجراءات بجودة الأحكام وسلامة المساطر ويسر فهمها لدى العامة.
خاتمة:
في الأخير، يمكن القول ان التواصل القضائي أصبح عنصرا أساسيا في بناء عدالة حديثة، سريعة وناجعة، لا تكتفي بضمان حق التقاضي وإصدار الأحكام، وإنما تسعى إلى جعل المرفق القضائي أكثر انفتاحا وشفافية وفعالية، وأكثر قدرة على الاستجابة لانتظارات المتقاضين والمرتفقين، وذلك من أجل تجاوز التصور التقليدي للتواصل باعتباره مجرد وسيلة لنشر الأخبار أو تقديم التوضيحات، الى اعتماد سياسة مؤسساتية قائمة بذاتها، تتكامل مع إصلاح التنظيم القضائي، وتحديث الإدارة القضائية، وتأهيل الموارد البشرية، وتطوير البنيات الرقمية، وفق الضمانات القانونية.
فالرهان الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الشفافية والنجاعة، وإنما في بناء علاقة تكاملية بينهما، تجعل من المعلومة القضائية وسيلة لتيسير الولوج إلى العدالة، ومن التواصل المؤسساتي أداة لتحسين جودة الخدمة القضائية، فكلما كانت المعلومة القضائية دقيقة ومتاحة ومفهومة، كلما كانت الخدمة القضائية واضحة وفعالة وسريعة وفي متناول الجميع، ومن شأنها أن تعزز ثقة المواطن في القضاء، وترسخ مكانة العدالة باعتبارها ضمانة للحقوق والحريات ورافعة للأمن القانوني والاستقرار المؤسساتي والتنمية المستدامة.
امضاء. علي ادريسي حسني دكتور في الحقوق – عضو نادي قضاة المغرب.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.