"عجل القبيلة" .. رمز الخصوبة في المخيال الشعبي بواحات المغرب

"عجل القبيلة" .. رمز الخصوبة في المخيال الشعبي بواحات المغرب
الخميس 19 مارس 2015 - 03:30

يؤدي عجل القبيلة أو “أعَجْلِيْ نْ تَقبيلتْ” دورا مهما في نمط عيش سكان الواحات بمنطقة الجنوب الشرقي ويحضر في حياتهم اليومية واعتقاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية، وهو ما شكل وجها من أوجه الخصوبة والعيش الجماعي في المخيال الشعبي.

ويبدو طبيعيا أن اختيار العجل دون غيره من الأنعام لم يأت اعتباطا، وإنما أملته ظروف خاصة على الوجدان الشعبي بمناطق واحات الجنوب الشرقي سواء بوعي أو بغير وعي لتحقيق غاية اجتماعية، مما جعل إنسان الواحات الأصيل محافظا بطبعه على هذا التقليد مدة من الزمن ، لكون العجل شكل أعظم الدواب نفعا فهو الخصب والمطعم ووسيلة للاستمرار والبقاء.

وفي هذا الإطار، اعتبر الباحث في التراث المحلي زايد جرو، أن عجل القبيلة في المخيال الجماعي الواحي ، يشكل موروثا ثقافيا وأحد أوجه العيش الجماعي التضامني الذي ساد بين أفراد القبيلة، والذي يدل على تماسكها، ويتسم عادة بالجينات النقية المöعطاء، ويخصب الأبقار من صلبه ليستمر النسل القوي الصالح، ويتم شراؤه عادة من مال القبلية، أو بالمساهمة الجماعية دون اهتمام كثيرا باللون، وقد لا يكون مكان الشراء الأسواق، بل يمكن أن يكون المصدر من قبيلة أخرى اشتهرت وذاع صيتها في تربية الأبقار.

ولحظة استقدام هذا العجل، يضيف الباحث، تهل البلدة فرحا بحضور الضيف الفحل، ويتسلل الأطفال والنساء خلسة لمشاهدة الوافد الجديد ويتم إكرامه بداية بإطعامه العشب والشعير و”الفصة الخضراء””والكرط” “الفصة اليابسة ” والحليب والتمر أيضا ، وفي بعض الأماكن تخضب ناصيته بالحناء كما تكحل العينان بالمرود.

واعتناء بالوافد الجديد وضمانا للحفاظ عليه، يؤكد جرو، يستضيفه أهل البلدة بالتناوب ، فيأخذه الواحد منهم لبيته كي يكرم وفادته أكلا وشربا، ثم يأخذه الثاني ثم الثالث .. في باقي الليالي وسائر الأيام، وفي الصباح يعيده المضيف إلى مكان محدد بمدخل القصر “إمي نيغرم ” أو باب القصر عادة ليأخذه شخص آخر، وهكذا على مر الأيام، حيث يستفيد العجل في كل وقت من عطاء كل حöمل الواحة من عشب أو زرع.

ولضمان الاستمرار في الإخصاب، يعمل أفراد القبيلة على تأمين نقل جينات العجل النقية الصالحة للجيل اللاحق من الأبقار حيث لا قيمة إلا لصفاء النوع ونقائه، لأن المنفعة أقوى ، ويشار إلى ذلك بعبارة “سكúسوú تفوناسúت هاتú تúرا برøا”.

الدلالة الرئيسية للعجل وسط القبيلة هي الإخصاب وقد يأخذ بعدا آخر إلى دلالة رمزية أوسع، وغالبا ما تكون قدحية ، فيها تأويلات عديدة حسب سياق ومرجع التداول ، كما يقول الباحث جرو، فقد ينعت المرء ب “أعجلي ن تقبيلت”، إما لكونه سافرا دون احتشام أو وقار، أو ينعت المرء بالوصف نفسه لأنه دخيل أو أكول ، أو كل شخص لا يشمر عن ساعديه ويفضل العيش تحت جلباب الآخرين متسترا ينتظر العطاء كالعجل .

وحين يشيخ العجل وتنتهي مهمته وتفتر عزائمه يذبح ويوزع لحمه على القبيلة، وحتى الأرامل من النساء لهن حظهن منه ، وقد يتأفف منه الآكلون إما ألفة به وبعشرته الطويلة أو بمذاق لحمه .

من جهته، أكد الباحث في الثقافة الشعبية لحسن آيت لفقيه، أن “عجل القبيلة يجسد نموذجا وظيفيا للتعاضد وللتعاون في القرية الزراعية بالجنوب الشرقي، القرية المدعوة (القصر) في الواحات، أو (إغرم) في الجبل. يتغذي عجل القبيلة في كل مكان ومن كل نوع نباتي متوافر بأحواز القرية، ويضمن تخصيب البقر في قطيع القبيلة المدعو في الأوساط الأمازيغية (تاولا)، ويضمن وجبة لحم سنوية، أو مناسباتية لكافة أفراد القبيلة على قدم المساواة. وهو ضيف عزيز في كل منزل يدخل مربطه”.

واعتبر الباحث أنه لما كانت “الضوابط قائمة في كل قرية يضمنها عرف القبيلة (أزرف) الشفاهي، اهتدى العقل الجمعي إلى إنشاء نموذج ذاكراتي ورمز للفوضى وللعشوائية يمثلها عجل القبيلة. ولا عجب فكل شخص لا يحترم الضوابط ينعتونه بعجل القبيلة لخروجه عن الإجماع”.

*و.م.ع

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

18
  • مراقب
    الخميس 19 مارس 2015 - 04:08

    موضوع في المستوى، لكن شخصيا كباحث فى التاريخ اتحفظ على استعمالك لمصطلح القبيلة لأن هذا الأخير لم يظهر إلا في القرن السابع الميلادي أي دخول العرب الي شمال إفريقيا. فالمصطلح الأصيل هو اغرم.

  • عبدو كاتب معاصر
    الخميس 19 مارس 2015 - 04:56

    لاشك أن المخيال المغربي خاصة يخزن معان وتمثلات جلها تصب في منحى «الجنس» ، وبهذا تتأكد نظرية فرويد في أن الغرائز تتحكم بسلوكات الأفراد… تحياتي..

  • عدو السامري
    الخميس 19 مارس 2015 - 06:39

    ( عجلا جسدا له خوار)صدق الله العظيم. الكحل والطعام والاستضافة. على غرار المغرر بهم من السامري. لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

  • ابو هيام
    الخميس 19 مارس 2015 - 07:18

    هده العادات و التقاليد وعلى الرغم من كونها تميل الى الجانب الميثولوجي اوالاسطوري،الا انها تعتبر من بين العادات و التقاليد التي تميز سكان المغرب الشرقي لكونهم ناس طيبين ومضيافين و كرماء لا يحملون اديولوجيات او خلفيات.

  • idir
    الخميس 19 مارس 2015 - 07:26

    ربما يكون هذا التقليد من مخلفات الاستعمار، ففي الجنوب باقليم تزنيت انداك يوجد تقليد مثل ذالك. الا ان هناك يلقب ب "اعلوش المخزن" و كان اهل القبيلة مجبرون على الاعتناء به بالتناوب تحت طائلة السجن ببويزكارن لمن يرفض القيام بالدور.

  • dadda
    الخميس 19 مارس 2015 - 07:56

    نتمنى تخصيص عمود لمثل هذه المواضع وتنشر فيه أخبار عن مختلف التقاليد وخصوصيات كل منطقة من مغربنا العزيز

  • idir
    الخميس 19 مارس 2015 - 08:25

    هناك قصة طريفة وقعت مع "أعلوش المخزن" أو ثور المخزن : هو أن أحدهم في الجنوب بإقليم تزنيت جاء دوره للقيام بواجبه تجاه الثور ولما لم يجد مايطعمه، فكر في حيلة حيث قام بضرب الثور حتى الموت ليدبحه ويتجه برأسه، كدليل، إلى بويزكارن مكان إقامة سلطاة المستعمر، حيث دخل على الحاكم الملقب ب"بولحيا" ليخبره ان الثور مرض و مات وانه إضطر لدبحه كي يكون حلالا للاكل. لكن الحاكم امره أن يعود أدراجه ويقوم بدفن الثور و أن لا يأكله أحد. عاد "الثائر" إلى منزله سالما غانما، ليبدأ في أكل غنينته. ولم يبح بسرم إلا بعد جلاء المستعمر.

  • MOH
    الخميس 19 مارس 2015 - 08:32

    يمكن أن نضيف أن عجل القبيلة نموذج في اقتصاد ساكنة الواحة.بدلا من عجل في كل منزل يستهلك كمية كبيرة من العلف مقابل إخصاب عدد قليل من البقر يكتفون بعجل واحد يستهلك كمية أقل ويقوم بإخصاب كل الأبقار.ومؤخرا بعد تراجع هذه الثقافة استعمل البعض الفكرة كمشروع يذر دخلا مهما على الأسرة وذلك بتربية عجل وكراءه مقابل مبلغ مهم قد يصل أحيانا إلى 400درهم للبقرة الواحدة

  • ساليمي نورالدين
    الخميس 19 مارس 2015 - 09:28

    تحية لصاحب المقال، وشكرا على المساهمة في التعريف بغنى العادات والموروث الاجتماعي للواحات المغربية، للإشارة فقط فما تحدثت عنه عرف تراجعا كبيرا نظرا لصيرورة التحولات السوسيومجالية والثقافية التي ميزت المنطقة، والتي أدت للأسف الى تراجع قيم التضامن والتعاون الجماعي للساكنة مقابل انتشار قيم الفردانية وهو ماسنحاول الاشارة اليه في مقال آخر انشاء الله

  • عبد الرحمان
    الخميس 19 مارس 2015 - 11:05

    صحيح المقال جميل ومعبر حبذا لو اهتمت التلفزة بنشر مثل هذه المواضيع للحفاظ عل الموروث الثقافي للمنطقة المحتوى

  • Simo-Fez
    الخميس 19 مارس 2015 - 11:11

    اسمه بالامازيغية (ايسيك) للبالغ و (ايكيز) للصغير من العجول…والعجل حيوان مرتبط بالخصوبة و الفحولة في جل الثقافات المتوسطية القديمة كالاغريق و اليونان و الرومان و الايبيريين…و ذلك لارتباط خصوبة العجل بوفرة الحليب و الزبد…موضوع تتداخل فيه الاعتقادات الاجتماعية في الحياة اليومية بالخرافة…و بالنسبة لمن ربط الامر بالدين فهو ليس صحيحا لانه حتى يومنا الحاضر هناك من يذهب عنذ الجزار ليشتري خصيتي العجل من اجل تحقيق خصوبته بتناولها.

  • ali
    الخميس 19 مارس 2015 - 11:46

    لمن يقول "المغرر بهم " فالمغربي كان يعيش داخل القبيلة يتفاعل مع المجموعة و يخضع لاعرافها
    فالقبيلة تشترك في أمور منها الإمام ( الطالب نتقبيلت ) والبئر ( انو نتقبيلت ) والعجل ( أزكر نتقبيلت )…
    الجماعة ترعى شؤون أفرادها ؛ القبيلة هي الدولة المصغرة…..

  • moha
    الخميس 19 مارس 2015 - 13:41

    رمز الفساد القبلي بكل انواعه من انواع التسلية الجنسية التي يشرب منها اهل القبيلة نساء او شيوخ

  • AZIZ
    الخميس 19 مارس 2015 - 14:18

    اقول لمن يربط هذه المسالة بالسامري انك مخطا ، هذا التقليد يعتبر من بين التقاليد المعروفة منذ القدم و هي عادة تعبر عن التكافل الاجتماعي بين القبائل لماذا ؟ لانه في زمان بعيد جل الاسر في المغرب الشرقي تعيش على تربية الحيوانات كالغنم و الماعز و الابقار ، لهذا فان امتلاك عجل فحل يبقى امر صعب المنال في غالب الاحيان و بخصوص لدى الاسر المحدودة الدخل ، وفي المقابل فان شراء عجل فحل من طرف القبيلة سوف يسهل امر اداء قسط قليل من المال مقابل تخصيب الابقار التي في حوزة الاسرة ، فالبتالي فان هذه الفكرة قبل ان تكون تقليد او عادة فانها اقتصادية محضة و عوض تقديم الاعلاف كل يوم يقدم بشكل شهري حسب عدد الاسر التي تتكون منها القبيلة ، لكن دوي العقول المحدودة دائما يربطون متل هذه المسائل بالاساءة للدين وهذا تفكير غير صحيح .

  • اعجلي
    الخميس 19 مارس 2015 - 14:47

    الى حدود الساعة لا تزال بعض الدواوير المحيطة بدوارنا تاتي قصد تخصيب بقرها لاننا لانزال نحافظ على هذا العجل بالدوار ويؤدون مبلغا من المال لكل بقرة نستعين به في شراء النخالة والشمندر والتبن بسبب توالي سنوات الجفاف. ولا علاقة للعجل لابهابيل ولابقابيل، ولا بالسامري …
    امر بعض الناس عجيب يكفرون الناس في رمشة عين ولا ادري كيف يلقون الله بهذه التهم وهل هم فعلا لا جادة الصواب ام هم انفسهم كفارا و يزايدون.؟؟؟

  • الحو ملالي
    الخميس 19 مارس 2015 - 15:38

    موضوع يكتسي غاية الأهمية من الناحية الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية في تجسيد الفكر التكافلي و التضامني الدي يتميز به سكان الجنوب الشرقي و المامول اهتمام الاعلام السمعي و البصري بمثل هده المواضيع مع تحياتنا الخاصة لكاتب المقال

  • ابن المنطقة
    الخميس 19 مارس 2015 - 15:45

    طقوس قد يراها البعض تخلفا, لاكن الباحث لم يلم بالموضوع بما فيه الكفاية ليظهر قيمة المعيشة في هاته الأوساط في شموليتها.
    أحن دائما الى هذا النظام و التعامل و العفوية التي و للأسف تضمحل شيئا فشيئا. شكرا جزيلا على هذا الموضوع

    و لم أنقص من قيمة الباحث أبدا

  • mohamed
    الخميس 19 مارس 2015 - 20:02

    الشكر موصول لصاحب المقال في الحقيقة مثل هذه العادات بدات تندثرداخل الواحات مما يعكس طغيان النزعة الفردانية وهو ما اثر سلبا على وحدة وتماسك القبيلة

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 6

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 11

سعر الدجاج بـ24 درهما