أكاديميّة المملكة تلتفت إلى "منسيّي الملحون"

أكاديميّة المملكة تلتفت إلى "منسيّي الملحون"
الأربعاء 8 يوليوز 2015 - 16:02

في ليلة من ليالي رمضان الحالي بالدار البيضاء، عانق فن الملحون عشاقه في مسعى لتكريس التواصل، وتجديد اللقاء بفن عريق يشكل، بكل المقاييس، إكليل الثقافة الشعبية المغربية، فضلا عن كونه تراثا روحانيا متجددا في الزمن والحياة.

وإذا كانت أجواء الإمتاع والمؤانسة، التي وفرتها خلال هذه الليلة مؤسسة التجاري وفابنك، قد احتفت بفن أصيل ومتجذر في الذاكرة المغربية، فإن الأهم في هذه الليلة هو جعل هذا الفن في متناول أجيال جديدة تعودت أذواقها على فنون معاصرة، مع تذكير أجيال قديمة بقيمة الملحون الذي ملأ وجدانها لسنين طويلة.

على أن الحديث عن قيمة هذا الفن، الذي يشكل أيضا ذاكرة جماعية ثمينة بالنسبة للمغاربة، لا يستقيم دون استحضار عطاءات رواده الكبار من منشدين وشعراء، أمثال الحسين التولالي ومحمد بوزوبع والحاج عمر بوري والتهامي المدغري ومحمد بن علي المسفيوي وأحمد الغرابلي والجيلالي امتيرد ومحمد بن علي العمراني وإدريس بن علي.. وغيرهم.

كما أن تكريس قيمة الملحون، التي تزداد وتترسخ مع مرور الزمن، هي التي جعلت باحثين وجامعيين يفردون أطروحات جامعية ومؤلفات لفن الملحون، حفاظا عليه من جهة، ونشره على نطاق واسع في أوساط الجمهور الواسع من جهة أخرى.

وذلك ما يؤكده مجموعة من الباحثين منهم فؤاد جسوس، صاحب كتاب “أجمل قصائد سيدي التهامي المدغري” الصادر بالفرنسية ضمن منشورات مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء سنة 2015، والذي يتطرق، في تمهيده لهذا الكتاب، للشق المتعلق بتدوين شعر الملحون.

وحسب فؤاد جسوس فقد “شرعت أكاديمية المملكة المغربية، منذ عشر سنوات، في جمع وتدوين هذا الكنز الذي كاد أن يضيع مثلما ضاعت آثار أخرى”، مشيرا إلى أن هذه المؤسسة تمكنت، بمساعدة لجنتها المكلفة تحت إشراف الباحث في فن الملحون الأستاذ عباس الجراري، من إصدار تسعة دواوين لشعراء بارزين في هذه الفن الرائع، وهي تتابع، بدون كلل، أعمالها بهدف الوصول مستقبلا إلى جمع كل قصائد الشعراء المنسيين القدامى والمعاصرين.

وتبقى الإشارة، في هذا السياق، إلى أن فؤاد جسوس هو من بين المهتمين بجمع وتدوين الملحون، حيث سبق له أن أصدر سنة 2004 كتابا باللغة الفرنسية من ثلاثة أجزاء تحت عنوان “الملحون المغربي بلغة موليير” يتضمن مجموعة من قصائد الملحون منقولة إلى اللغة الفرنسية، وهي بادرة تحاول تقريب هذا الفن للذين لا يعرفون اللغة العربية.

كما أن عبد المجيد فنيش، المسرحي والخبير في مجال الفنون الشعبية، يعد أيضا من بين الباحثين المهتمين بالملحون وتاريخه، حيث استحضر، خلال هذه الليلة الرمضانية، جوانب من تاريخ الملحون وظهوره بمنطقة تافيلالت في عهد الموحدين، وانتشاره بعد ذلك بعدد من المدن المغربية.

وخارج إطار التدوين، عمل شباب من المنشدين على حمل المشعل بمساهماتهم القيمة من أجل ضمان ديمومة الملحون ومنحه مسارا متجددا، وهو ما برز، على سبيل المثال لا الحصر، خلال عدة مناسبات، كان آخرها الليلة الرمضانية لمؤسسة التجاري وفا بنك، التي احتضنت منشدين مخضرمين، وشابات وشباب أبانوا عن علو كعبهم في أداء فن ليس في متناول أي كان.. ويتعلق الأمر بكل من حكيمة طارق، وعائشة الدكالي، وكنزة الأيوبي، وعبد العالي لبريكي، والبشير الخضار وآخرين.

ويشكل ولوج العنصر النسوي لمجال فن الملحون قيمة مضافة بامتياز، كما فعلت ثريا الحضراوي وغيرها من النساء والشابات، وذلك بالنظر لكون الملحون هو في الأصل محصور على الرجال، قبل أن تقتحمه النساء بجدارة، وذلك حسب باحثين في هذا المجال./ وبناء عليه، فإن النساء اللواتي يتعاطين للملحون يتعين عليهن، حسب الباحثين، اللجوء خلال الأداء إلى تفخيم أصواتهن لكي تساير طبيعة أداء هذا الفن.

وبالنظر لعراقة الملحون وكثرة قصائده التي تعد بالآلاف، فإن الغالبية العظمى من الناس لا تكاد تعرف عن هذه القصائد إلا النزر القليل، باستثناء قصائد مشهورة أداها العديد من المنشدين، وحتى بعض المجموعات الغنائية، من بينها قصيدة “الشمعة” لمحمد بن علي العمراني، التي أداها منشدون، كما أدتها فرقة جيل جيلالة.

ومن هذه القصائد أيضا “اللطفية” لأحمد الغرابلي، التي تقول أحد مقاطعها “يا لطف الله الخافي … الطف بنا في ما جرات به لقدار”، وقصيدة “غيثة” لإدريس بن علي الذي يقول في أحد مقاطعها “قولو للالة غيثة مولاتي … جود بوصالك على العشيق يا أم الغيث”.

ومن خلال تصفح العديد من قصائد الملحون يتضح أن الأغراض التي تطرق إليها شعر الملحون متعددة ومتنوعة، من استحضار محاسن النساء ومناجاة الله سبحانه وتعالى وطلب لطفه، والتأمل في شؤون الحياة عامة والطبيعة.. كما أن للمناسبات قسط وفير من أشعار الملحون، فعلى سبيل المثال لا الحصر نظم محمد بن علي المسفيوي قصيدة طويلة تحت عنوان “رمضان”، يقول في أحد مقاطعها “سعدات كل من صام رمضان … الغنى يسكنو في الجنة” و”كل عام يظهر مرة … ويتوك على الخلق بنوره”.

شكل الملحون، على الدوام، خزانا إبداعيا واجتماعيا وتراثيا ولغويا عريقا وأصيلا، فهو إبداع في متناول الجميع لأنه يندرج ضمن خانة السهل الممتنع، كما أنه خزان لقصص فردية وانشغالات المجتمع في لحظات زمنية محددة. وتبقى لغته محط بحوث عميقة نظرا لتنوعها بين الفصيح والدارجي وما يقع بينهما.. وبشكل عام فإن الملحون هو فن تعبيري وخزان معرفي وحياة روحانية وفن للعيش، كل يجد فيه ما يريد، وهذا هو سر تجدده وامتداده الجغرافي والزمني.

*و.م.ع

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • عمرو
    الأربعاء 8 يوليوز 2015 - 16:46

    بهذه المناسبة يجب علينا ان نستحضر ونتذكر ولا ننسى
    احد اساتذة اهرامات فن الملحون الاستاذ الجليل مولاي
    احمد اسهوم الذي نذر نقسه لخدمة هذا النوع الغناءي
    المغربي الاصيل بامتياز بحيث بسطه وسهل اذراك مغناه ومغزاه على نطاق واسع بين المغاربة شرحا وتاليفا والقاء
    وخاصة على امواج الاذاعة الوطنية.جازاه الله عنا خير الجزاء
    بمناسبة هذا الشهر الفضيل.

  • الهاشمي
    الأربعاء 8 يوليوز 2015 - 17:54

    مع الأسف فإن الأوساط المسؤولة لا تعطى لهذا الفن الاهتمام الذي يستحقه. فبالرغم من أصالة وجدارة ووزن هذا الفن فإننا لم نعد نسمع قصيدة من قصائده في الراديو أو في التلفزة ولو مرة في الشهر. ونرجو أن تكون له بوابة خاصة به على الانترنت.

  • bent rabat
    الأربعاء 8 يوليوز 2015 - 22:05

    il faut le moderniser et l adapter aux nouvelles tendances. Vous voyez hatima amor et ahmed soltane et autres jeunes ont réussi à nous ramener à la chanson classique marocaine après avoir changé le style. Même chose il fo adapter elmalehoun elandaloussi en général car les gens n ont plus la patience d écouter une longue chanson d ailleurs on n entends plus oumkalthoum dans les cafés. 8 minutes sont maintenant trop pour une chanson.

  • محمد حجاجي
    الجمعة 10 يوليوز 2015 - 10:59

    أتفق مع السيد عمرو1 الذي دعا إلى إلى ضرورة عدم نسيان الفنان الرقيق الحاج أحمد سهوم الذي قردم خدمات جلى لفن الملحون. فقد ألف فيه العديد من القصائد والمطولات (بعضها فاق الألف بيت) الجميلة، كما له كتابات فيه، وقدم برامج عديدة وممتعة جدا عنه في التلفزيون والإذاعة (يعاد حاليا، في الإذاعة الوطنية، بعد فترة السحور، أحد تلك البرامج عما قيل عن الأنبياء والرسل في الملحون، مع تقديم شروح وتعليقات نبيهة حول المضامين). هذا فضلا عن اللقاءات والندوات والمهرجانات… التي أسهم فيها تقديما وتنشيطا ومحاضرة ومناقشة.
    له هنا عبارات التقدير والاحترام والشكر على ما أسداه لهذا الإبداع المغربي الأصيل.

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 6

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 4

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء

صوت وصورة
دورة استثنائية للأحرار
السبت 3 أكتوبر 2026 - 12:44 3

دورة استثنائية للأحرار

صوت وصورة
غلاء الخضر مع بداية الخريف
السبت 3 أكتوبر 2026 - 11:54 2

غلاء الخضر مع بداية الخريف

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 14

غلاء المحروقات يركن السيارات