هل سيرقى الصوت الانتخابي إلى صوت سياسي؟

هل سيرقى الصوت الانتخابي إلى صوت سياسي؟
الجمعة 28 غشت 2015 - 23:34

أضحت الديمقراطية قناعة سائدة في عالمنا المعاصر، كونها ثورة في الفكر وفي القيم ونقلة نوعية في الممارسة السياسية الذي تستند إلى إرادة الشعب.غير أن “ديوي” John Dewey لسان حال الليبرالية الأمريكية وفيلسوف الديمقراطية، لا يدعي أن الديمقراطية نظام تسود فيه العدالة المطلقة. بل يرى أن الكمال الديمقراطي هو ذلك المثل الأعلى والمنهج أو الأداة التي ستمكن العدالة من الانبعاث دون انقطاع عبر تصحيح النقائص والتعسفات التي قد تترتب عن الممارسة الديمقراطية.

ولا يمكن أن يحدث هذا الانبعاث دون أن يعترف الإنسان بضرورة مشاركته في تشكيل قيم يمشي على خطاها الناس معا، الضرورية من جهة، لرعاية الصالح العام للمجتمع، ومن جهة أخرى لتنمية الطاقات البشرية بما هم أفراد.

هكذا نرى أن الديمقراطية في الفكر الليبرالي تعني، نظريا، أنها مسلسل ديناميكي متجدد ومفتوح يسعى باستمرار إلى تجديد قيم وقواعد وثقافة الديمقراطية في اتجاه انبعاث مستمر لعدالة اجتماعية توفق بين مصالح المجتمع ومصالح الإنسان، وذلك عبر تصحيح الاختلالات التي تعيق العملية الديمقراطية.

ويبدو أن جوهر هذه الاختلالات في ديمقراطيتنا المغربية هو أن الصوت الانتخابي ما زال لم يصبح بعد صوتا سياسيا، أي ما زال لم يعد صوتا مبنيا على برنامج ورؤية سياسية، بل ما زالت تحكمه اعتبارات قبلية وعائلية، وفي أحيان كثيرة يتحكم فيها المال وتجار الانتخابات عبر شراء الذمم، أو توظيف الدين أحيانا أخرى…كما أن الموقع السياسي ما زال مصدرا للاغتناء والاستحواذ على الثروة. ويترتب عن هذا الاختلال فرز نخب لها مآرب أخرى غير الإرادة السياسية في الانشغال بقضايا الوطن والمواطنين.

وقد أكد عن هذه الاختلالات الخطاب الملكي الأخير بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، حيث قال: ‹‹إن الهدف من الانتخابات لا ينبغي أن يكون هو الحصول على المناصب، وإنما يجب أن يكون من أجل خدمة المواطن فقط››. وقال أيضا: ‹‹لذا، فإن التصويت لا ينبغي أن يكون لفائدة المرشح الذي يكثر من الكلام، ويرفع صوته أكثر من الآخرين، بشعارات فارغة؛ أو لمن يقدم بعض الدراهم، خلال الفترات الانتخابية، ويبيع الوعود الكاذبة للمواطنين››. كما أكد أنه ‹‹وإذا كان لكل مرحلة رجالها ونساؤها، فإن الثورة التي نحن مقبلون عليها لن تكون إلا بمنتخبين صادقين، همهم الأول هو خدمة بلدهم، والمواطنين الذين صوتوا عليهم››.

هكذا يبدو أن الإشكال الحقيقي الذي ينبغي مواجهته هو: متى تتشكل إرادة مجتمعية تحول الصوت الانتخابي إلى صوت سياسي؟ باعتبار أن هذا الصوت هو الجدير بأن يربط المسؤولية بالمحاسبة، وجدير بان يفرز نخبا سياسية لها إرادة فعلية في التغيير. وعندما نقول الإرادة المجتمعية فلأن الأمر يتعلق بكل المجتمع بما في ذلك المواطنون، لأن المفسد لا يمكن أن يتخلى عن الإفساد من تلقاء ذاته.

لذلك وجه الملك للمواطنين هذا النداء: ‹‹إن التصويت حق وواجب وطني، وأمانة ثقيلة عليكم أداءها، فهو وسيلة بين أيديكم لتغيير طريقة التسيير اليومي لأموركم، أو لتكريس الوضع القائم، جيدا كان أو سيئا. وعليكم أن تعرفوا أن انتخاب رئيس الجهة وأعضاء مجلسها بالاقتراع المباشر، يعطيكم سلطة القرار في اختيار من يمثلكم. فعليكم أن تحكموا ضمائركم وأن تحسنوا الاختيار. لأنه لن يكون من حقكم غدا، أن تشتكوا من سوء التدبير، أو من ضعف الخدمات التي تقدم لكم››.

لا شك أن الأثر الملموس للديمقراطية هو بالضرورة الارتقاء بالمجتمع والأفراد. لأن الديمقراطية التي لا تؤدي إلى تحسين أوضاع الناس تظل “ديمقراطية معزولة” حسب تعبير ديهاميل (مجلة السلطة، رقم 128، 2008)، أي لا يؤخذ منها إلا الهيكل لإضفاء الشرعية الديمقراطية على الممارسة السياسية القائمة. لذلك نتساءل هل الممارسة الديمقراطية في تجربتنا المغربية كان لها انعكاسا إيجابيا على حياة المواطنين؟ هل مكنت المغاربة من الاستفادة من ثروة البلاد؟ أو بتعبير الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش 2014: ‹‹هل ما نراه من منجزات ومن مظاهر التقدم قد أثر بالشكل السليم والمباشر على ظروف عيش المغاربة؟››. وقد أجاب ملك البلاد في نفس الخطاب أن الثروة التي تراكمت في المغرب لا يستفيد منها جميع المغاربة.

إن ديمقراطيتنا إذن تغني الغني وتفقر الفقير. هذا يحتم حسب “ديوي” القيام بإصلاح هذه النقائص والتعسفات التي ترتبت عن هذه الممارسة، باعتبار أن الديمقراطية أداة تمكن العدالة من الانبعاث باستمرار، أي انبعاث عدالة في توزيع الثروة والسلطة والمعرفة. وحسب “ديوي” أنه لا يمكن أن يحدث هذا الانبعاث دون أن يعترف الإنسان بضرورة مشاركته.

إن مشاركة المواطنين في تصحيح أعطاب ديمقراطيتنا أضحى أمرا حتميا. ولا يمكن تحقيق ذلك دون الرفع من وعي الناس بالجدوى من الديمقراطية وهو ما تتطرق إليه الخطاب الملكي لتوضيح أهمية دور الهيئات المنتخبة، وأثر صوت المواطن على التغيير، حيث قال: ‹‹وخلاصة القول، فإن السلطة التي يتوفر عليها المواطن، للحفاظ على مصالحه، وحل بعض مشاكله، ومحاسبة وتغيير المنتخبين، تتمثل في كلمة واحدة من ثلاثة حروف ” صوت “››..

إن إنجاح هذا الاختيار الديمقراطي لا يتم إلا عبر مشاركة مكثفة ونوعية، وعبر الارتقاء بالصوت الانتخابي إلى صوت سياسي. ويتوقف كل ذلك على مدى وجود مجتمع مدني قوي وفاعل ومطلع ومتحمس ومعبأ، ووجود مواطنين مدركين لمعنى الديمقراطية، وفي طليعتهم الطبقة الوسطى والطبقة المثقفة، المنسحبة حاليا من العمل السياسي لأسباب لم تعد مفهومة. ألا يخجل الإنسان من نفسه عندما يرى تدبير شؤون مدينته وتنميتها مفوض لمجموعة من المتربصين لا كفاءات لأغلبهم، وعندما يرى المال العمومي المخصص لتحسين أوضاع مدينته عرضة للنهب والضياع؟ ألم يشعر الإنسان بالمسؤولية اتجاه ما يرى في الاستحقاقات الانتخابية، حينما يرى “تجار الانتخابات” يتنافسون على استغلال نساء وفقراء مدينته ويتاجرون بذممهم من أجل السطو على القرار السياسي؟ ألم يشعر الإنسان بالمسؤولية اتجاه الإهمال الذي يطال كل شيء في محيطه؟ من سيغير ذلك؟ هل ستتغير الأشياء بالبكاء والشتم المستمر للفاعلين السياسيين ورمي كل المسؤولية على الآخر؟

من المؤكد أن الإنسان الذي يركن إلى موقع المتفرج الساخر، المتعالي، الذي يجد لذلك مبررات واهية ومضللة ومسكنة، أو الذي يختبئ وراء مطالب نصية أو مطالب طوبوية غير مفهومة، من قبيل الإتيان له بديمقراطية جاهزة…كل هذه المواقف – مع احترامنا لها – نعتقد أنها لن تغير أي شيء على الأرض، كونها مواقع من عاج، مريحة، لا تقتضي أي جهد معرفي وعملي يفيد في التغيير…فدون مساهمة واقعية وفعلية على الأرض سواء عبر قنوات العمل السياسي الحزبي الفعال أو قنوات المجتمع المدني الحي، ودون خوض معركة ضارية على الأرض ضد بؤر الفساد، معركة تقودها الطبقة الواعية، تعيد للديمقراطية معناها الحقيقي، الذي يتمثل في فرز النخب والكفاءات القادرة على تدبير شؤوننا سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو على المستوى الوطني…فدون ذلك ستظل مصالح الفئة الواسعة من الشعب عرضة للضياع، وستظل الثروة تتراكم في يد الأقلية التي تتحرك بالفعل، وليس بالخطاب، على الأرض بكل قواها للاستحواذ على القرار السياسي، لأنه المدخل للاستحواذ على الثروة.

فإذا ما ظل الصوت الانتخابي صوتا غير معبر عن اختيار سياسي، وظل العزوف السياسي لدى الطبقة المتنورة قائم، وظلت النخب السياسية عينها على الثروة فقط – والأرجح هو استمرار هذا الوضع، على الأقل، على المدى المنظور- يبدو أنه من الصعب، في هذه الوضعية، التنبؤ بقفزة نوعية في ديمقراطيتنا، وتغيير نوعي في نخبنا السياسية…يقول إنشتاين إن الغبي هو من يقوم بنفس التجربة وينتظر نتيجة مغايرة..

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • واواللوت بركان
    السبت 29 غشت 2015 - 02:19

    يعجبني الكاتب المختار الشعالي لما يمارس فعل الكتابة على الحقل التربوي التكويني نظريا.أم الآن لما أخذ الطبشورة وأراد أن يجرب دور ألأستاذ ليعطينا درسا في الديمقراطية،سأنضم كتلميذ الى نادي المشاغبين واقول:
    اريد ان افهم وخاصة أنك تعترف ان الاصوات الانتخابية تحكمها اعتبارات قبلية و عائلية و مالية و دينيةو…ومع ذلك تقول ان اسباب انسحاب الطبقة المتوسطة و الطبقة المثقفة لم تعد حاليا مفهومة.
    اذا كان المفتش حاضرا في قسمك وانت تلقي علينا هذا الدرس يا استاذ و اصابك الارتباك و لم تسعفك البديهة لفهم الاسباب.ساهتف في اذنيك و اقول لك:ان انجاح الخيار اليمقراطي لا يتأتى الا عبر التصريح بالممتلكات للمنتخبين

  • SAID
    السبت 29 غشت 2015 - 09:23

    كلام رائع جدا ينبع من عقل واع علم الحقيقة المفقودة.رجل نور الله قلبه. يصدق عليه كلام من قال .change toi toi meme et le monde changera autour de toi.

  • ابو الوليد
    الأحد 30 غشت 2015 - 15:28

    الديمقراطية فعل وممارسة مستمدة من فكر تدبيري للمجتمع والثروة.
    ومصداقية الديقراطية تتمثل في انصاف المجتمع .
    فالانصاف مؤشر لتوزيع الثروة والعلم والدراية وكافة متطلبات الحىاة ..
    الديمقراطية نابعة من الحداثة مما يتطلب نشرها عبر المدرسة والحزب والجمعية وتشكيل المؤسسات المنتخبة.
    انها تمارين متعددة الاشكال.
    المرحلة الحالية هي مرحلة التدرب على التنافس والاعتراف بالاخر من
    حيث هو وحقه في التعايش وتلافي الاقصاء .
    التمرين الديمقراطي الاساسي الدي لاغنى عنه هو دمقرطة الادارة العمومية من حيث ادائها وجعل المواطن قادر على مخاصمتها امام القضاء.
    لابطال قرارتها التعسفية وما اكثرها مما يتطلب دعم مؤسسة القضاء ماديا ومعنويا
    لتيسير مراقبة الادارةبالاكثار من المحاكم وتزويدها بالقضاةالى درجة تجعل الادارة تحسب الف حساب لقرارتهاخاصة ادا تم تيسيرمسطرة التقاضي وعدم اشتراط المحامي الا في حالات خاصة .
    الم يقل مانيتيسكيو السلطة توقف السلطة.

  • بالهاشمي
    الجمعة 4 شتنبر 2015 - 19:09

    13:43

    باختصار شديد, كانت الإنتخابات المحلية أيام السبعينات و الثمانينات تخضع نتائجها للفبركة في المحاضر بعد نهاية التصويت لصالح أحد المرشحين الذي تتوفّر فيه الشروط المفضّلة لدى المسؤولين و كان هذا الأمر الذي لا ينسجم مع الأعراف الدّيمقراطية,رغم ذلك, له منافعه و مضارّه حسب نوعية الشخص المفضّل.أمّا الإنتخابات المحلية أيّام ما بعد الثمانينات إلى الآن فأصبحت نتائجها تفبرك مسبّقا فبل الإقتراع من طرف عدد من المرشحين الطغاة الميسورين لصالجهم بوسائل مادية إغرائية متنوعة لضمان مقاعدهم في المجالس المنتخبة و غيرها, ومن تمّ تضيع مصداقية عملية الإنتخاب و يتولّى كلّ من هبّ و دبّ من أصحاب “الشكاير” مسؤولية تمثيل السكّان الغافلين في مجالس محلية صورية لا تستجيب لمتطلّبات الدّراية و الكفاءة و المواصفات الأخلاقية و الإجتماعية المعهودة في من يسهرون على تدبير الشؤون المحلية للمواطنين… هع التحية القلبية و الشكر الجزيل للأستاذ شعالي على بحثه القيّم و اجتهاده النيّر في معالجة هذا الموضوع الإنتخابي المستعصي الشائك داعيا له بمزيد من التوفيق و السداد.

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55 1

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28 4

أزمة النقل تخنق سكان طنجة

صوت وصورة
GNV تحتفي بزبنائها في مراكش
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 09:20 1

GNV تحتفي بزبنائها في مراكش

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17 6

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36 2

ضيوف من الفضاء

صوت وصورة
أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 15:32 5

أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء