من الفيسبوك إلى المجلس البلدي لآزمور: تجربة شبابية غرامشية للتغيير

من الفيسبوك إلى المجلس البلدي لآزمور: تجربة شبابية غرامشية للتغيير
الثلاثاء 22 شتنبر 2015 - 16:50

عاشت مدينة آزمور تجربة سياسية متميزة خلال الانتخابات الجماعية الأخيرة قادها مجموعة من الشباب المتحمس للتغيير. و قد تمكن هؤلاء الشباب من كسب ثقة نسبة كبيرة من المواطنين و تمكنوا مؤخرا من الحصول على الأغلبية الكافية، عبر تحالف مع أحزاب أخرى، لتسيير المجلس الجماعي.

تتعدد تأويلات هذا الإنجاز السياسي، فتارة يتم تفسيره بكونه نتيجة لتصويت عقابي ضد المسيرين السابقين بسبب الفساد و ضعف الحكامة، و تارة يُرجع الأمر كله للتخطيط و العمل المتواصل الذي قام به الشباب لمدة خمس سنوات، و أحيانا يتم تفسيره بالظرفية السياسية الإيجابية، وخصوصا الخطاب الملكي المناهض لاستعمال المال لشراء أصوات المواطنين، و أحيانا أخرى من خلال جاذبية الفئة العمرية أو سمعة و نزاهة المترشحين. لكن رغم اختلاف التأويلات، فكلها تتفق على أن هذا الإنجاز كان تاريخيا و ثوريا بكل المقاييس و يماثل في قيمته إنجازا آخرا حدث بالمدينة سنة 1992. و يعتبر هذا الإنجاز تحقيقا لتنبؤات الأستاذ عبد الله العروي، ابن مدينة آزمور، بأن تكون هذه المدينة نقطة انطلاق لتغيير سياسي سيعم المغرب كله.

الحكاية باختصار بدأت منذ خمس سنوات عندما أنشأ ثلة من الشباب صفحة على الفيسبوك و أعطوها الإسم الرمزي ل “أنقذوا آزمور” “Sauvez Azemmour”، و قام مسيرو الصفحة بحملة متواصلة من النقد السياسي و الاجتماعي استهدفت في مجملها مسيري الشأن العام المحليين. و قد رافق هذا العمل الافتراضي في تواجده و الواقعي في أثره، ممارسة على أرض الواقع تتمثل في أعمال تطوعية مختلفة ذات منفعة اجتماعية و دلالة سياسية و رمزية على الخصوص. كان النقد اليومي يتميز بالتتبع الدقيق لأخطاء وهفوات مسيري الشأن العام، ومكن هذا الالتزام اليومي النقدي للصفحة بالشأن المحلي من كسبها لتعاطف كبير وسط الشباب و رواد الفيسبوك عموما.

كانت تلك الفترة القصيرة تاريخيا من المقاومة و النقد اليومي و الممارسة السياسية الهادفة كافية لهدم الأسس التي تساند السلطة المهيمنة على المجلس البلدي و التي تتمثل في عملية استقطاب مبنية على تقديم امتيازات ريعية و خلق ولاءات مصلحيه و فئوية. مع اقتراب موعد الانتخابات الجماعية الأخيرة، حاول مسيرو المجلس البلدي تحسين صورتهم في أذهان و تغيير التمثلات السلبية عنهم، و ذلك بالقيام بأعمال إصلاحية – لم تسلم هي كذلك من النقد، لكن تاريخهم الطويل في سوء التدبير بقي حاضرا في الأذهان.

قدم الشباب نموذجا حيا للمثقف العضوي الذي لا يتخندق و ينعزل في طبقة مستقلة عن عموم الناس، ينظر و لا يمارس، بل ذلك الذي يقاوم السلطة المسيرة للشأن العام، يقوض أسسها بالتنظير والفعل و الممارسة. بالإضافة إلى ذلك، فقد كان صوتهم تعبيرا عن تجارب و أحاسيس لا يمكن للجماهير التعبير عنها بنفسها. مثّل الشباب بذلك نموذجا للمثقف العضوي الذي يمارس وظيفة اجتماعية و سياسية و ينخرط في حرب للمواقع ضد ممثلي السلطة المهيمنة على تسيير الشأن المحلي. قام هؤلاء المسيرون و من يواليهم بإنشاء حسابات فيسبوكية و بخلق و دعم جمعيات موالية لهم حتى يتسنى لهم الهيمنة على المجتمع المدني، لكن حضورهم في الفيسبوك كان باهتا، كما أن ارتباط محاولتهم لاحتواء الجمعيات بالريع و بالاستعمال المشبوه للمال العام و بالزبونية زاد من نفور الناس من نموذج الهيمنة الثقافية الذي تبنوه و الذي يُختزل في تكوين ولاءات وشبكات من المرتبطين ماليا بهم. حيث أصبح توزيع منح الدعم المقدمة للجمعيات الرياضية و الثقافية يخضع لمنطق الولاء، كما أن الأموال المحولة للجمعيات كانت تستعمل من طرف البعض بطرق مشبوهة.

زاد ضعف الهيمنة الثقافية لمسيري المجلس البلدي من قوة المقاومة و من شرعيتها، و أصبح المجتمع الأزموري يبحث عن بديل يعوض النخبة التي ينعتها بالفاسدة. مع اقتراب الانتخابات الجماعية، بحث الشباب عن إطار سياسي يتناسب مع شروطهم و متطلباتهم و توقعاتهم، فوجدوا ضالتهم في تحالف لأحزاب يسارية. التحق بالشباب متعاطفون لدعمهم و مساعدتهم على تدبير المرحلة الانتخابية و كونوا لائحة تستجيب لتطلعات سكان المدينة.

بما أن الشباب فئة اجتماعية عمرية عابرة لكل الطبقات و حتى لكل الأيديولوجيات، كان القاسم المشترك هو الهدف المراد تحقيقه، و هو تحديدا وضع حد للفساد في سوء تدبير الشأن العام، بغض النظر عن مقولتي الطبقة و الأيديولوجيا. تبعا لذلك فإن اختيار أحزاب يسارية، ينعتها البعض بالراديكالية، لم يكن مؤسسا على اعتبارات أيديولوجية، و لكن تقديرا لعدم تورط هذه الأحزاب في أي إفساد أو سوء تدبير للشأن العام، بالإضافة إلى سمعتها في مجال الدفاع عن المكتسبات الديمقراطية و الحقوق.

أكدت الحملة الانتخابية التوجه الإصلاحي للائحة الشباب التي أصبحت تشكل تدريجيا بديلا قويا و منافسا للمسيرين الجماعيين المزاولين لمهامهم و الذين ارتكبوا خطأ تاريخيا، هم و من على شاكلتهم، يتمثل في سوء تقديرهم للشباب الفيسبوكي ككتلة تاريخية جديدة و لقوة وسائل التواصل الاجتماعية في خلق رأي عام جديد و في تحقيق هيمنة ثقافية. يشترك هؤلاء المسيرون في هذا الأمر مع كل الطغاة الذين أسقطهم الربيع العربي. حيث كانوا ينعتون الشباب بأطفال الفيسبوك و ينتقدون قلة تجربتهم و عدم قدرتهم على تسيير الشأن العام رغم وجود أطر عليا بينهم. يدل ذلك على أن تك الصقور الانتخابية كانت جد واثقة من قدرتها على الاكتساح عن طريق الوسائل المعهودة بما فيها استعمال المال لشراء الأصوات، و كانت تعتبر تجربة الشباب مجرد لعبة ستنتهي بانتهاء الانتخابات. لم يدرك هؤلاء المنافسون خطأهم إلا في الأيام الثلاثة الأخيرة للحملة الانتخابية، الأمر الذي دفعهم إلى توزيع مكثف للمال لشراء الذمم قبل و خلال يوم الاقتراع لتقليص الهيمنة المتزايدة للشباب على الساحة السياسية.

كان خطاب لائحة الشباب [الرسالة] متماشيا مع خطتها في حرب المواقع التي انخرطوا فيها لاسترجاع الهيمنة على المجتمع المدني، و كان مؤسسا على إرادة سياسية لتحقيق أهداف محددة: 1- وضع حد للفساد و تنحية الأباطرة الكبار الذين استمروا في تسيير الشأن العام للمدينة لمدة طويلة وصلت بالنسبة للبعض لمدة تفوق المدة التي مكث خلالها حسني مبارك في الحكم. 2-العمل على الحصول على فرصة للتسيير حتى يتمكن الشباب من تحقيق ما التزموا به أمام الساكنة. 3- تحقيق تغير نوعي في التسيير بتحقيق فعلي للشفافية و التشاركية و الحكامة.

تم إيصال هذه الأهداف للسكان خلال الحملة الانتخابية عبر تغطية شبه كاملة لكل أحياء المدينة، بيتا بيتا، و بطرق تواصلية و نضالية و مباشرة. كما استهدفت الحملة الشارع العام في أوقات الذروة مساء و قدمت شعارات تعبر ليس فقط عن رغبة الشباب لكن عن الرغبة العامة للسكان في تحقيق تغيير ما. كان إسقاط الفساد مطلبا أساسيا و حب المدينة محركا عاطفيا و ملهبا لإحساس الجماهير.

من بين النتائج التي حققتها الحملة هو تغيير ملحوظ في وعي الناس و في موقفهم من السياسة، و الذي أعتبره أهم إنجاز تحقق في مجمل هذه التجربة الشبابية الغرامشية. أصبح المواطن العادي و المثقف على السواء يؤمن بإمكانية و ضرورة التغيير، و أصبح موقفهم من السياسة يميل أكثر نحو الإيجابية. كنت دائما أؤمن من الناحية النظرية ببطئ التغيير الثقافي و بصعوبة تحقيقه نظرا لتحكم العادة و السلبية عند عموم الناس، لكن التجربة التي عشناها خلال هذه الفترة في هذه المدينة المناضلة أكدت أن التغيير الثقافي و بالتالي التغيير السياسي الحقيقي يمكن أن يتحقق إذا توفرت شروط فكرية و ظروف مادية مساعدة، من بينها فساد النموذج القائم، تضرر الناس من وجود هذا النموذج و إحساس الناس بضرورة الإصلاح و التغيير، و أخيرا وجود بديل في الأفق.

تحقُقُ الشرط التاريخي [الفكري و المادي] في هذه التجربة لا ينفي قيمة العمل الذي قام به الشباب في محاربة هيمنة التيار المسير للمدينة و تقويض سلطته تدريجيا لمدة خمس سنوات، وفي القيام بممارسة على أرض الواقع للمساهمة في التغيير.لقد كان الشباب، في الواقع، أكثر استعدادا للاستفادة من تحول الشرط التاريخي لصالح التغيير و الشفافية. في ختام هذا المقال، أعتقد أن النظرية الغرامشية في التغيير الثقافي و السياسي قد تحققت جزئيا بمدينة آزمور الجميلة و المناضلة و لكن ليس لصالح فئة أو طبقة بعينها ، البروليتاريا كما كانت تحلم بذلك الماركسية، بل لعموم السكان.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • محمد
    الثلاثاء 22 شتنبر 2015 - 17:25

    بدوري تصفحت صفحة المجموعة ،، مبادرة طيلة و نرجو تعميمها على مدن المملكة السعيدة

  • جواد
    الأربعاء 23 شتنبر 2015 - 14:12

    هذه تجربة فريدة من نوعها تبين بو ضوح ان التغيير في هذا البلد ممكن بشرط وجود ا لاساس الفكري لعموم الجماهير الشعبية فى مسالة الحسم السياسي لتقويظ رموز الفساد والاستبداد من الاجهزة المنتخبة واحراج هاالسلطات التنفيذية والمخزنية مما يودي الى تراجعها فى الهيمنة والتحكم فى شؤون البلاد والعباد وترك السلطة المنتخبة تتحمل م مسؤليتها وتطب يق برامجها

  • ali
    الأربعاء 23 شتنبر 2015 - 23:08

    أبعدتنا اللفظيات الحماسية عن سبل البلوغ ، واعتمنا عن التمييزبين الآمال والأوهام وبين الواقع والأماني، فتحولنا الى أمة بلا تحديات . الذي يتحالف مع الفساد لن يكون بوسعه الإفلات من نتائجه ـ/ قاليه باك طاح قاليه من الخيمة خرج مايل / لقد قالها المفكر عبد الله القصيمي/ العرب ظاهرة صوتية/ لازلنا لاننتبه للماضي ولا نعبأ بالحاضر .كل الفرحة التي أراها في الشارع تذكرني بانتخابات92وانتصار الاتحاديين.لماذا لانرى بالعين المجردة الانجازات؟ الشباب الذي تبوأ مكتب المجلس يا سيدي لاعلاقة له بماركس واليسار، بل منهم من لايميز بين الألف والزرواطة.ليس لمعظمهم أي تأطير حزبي أو جمعوي…بل منهم من يسير مقهى ويمنع الرصيف على المارة ويحتل حتى الطريق الخاص بالسيارات..ألا يعتبر ذلك فسادا ولو في حدوده الدنيا؟ كيف السبيل إلى محاربة الفساد والحاكم يمارس الفساد ربما من حيث لايدري؟

  • خالد
    الخميس 24 شتنبر 2015 - 12:46

    المنهزمون بشككون و يروجون للمغالطات و يقاومون التغيير لكن الاكبد هو ان هناك عهد جديد بدا في هذه المدينة و لن توقغه هلوسات المنهزمين

  • mohamed elaoud
    السبت 26 شتنبر 2015 - 18:11

    لازالت المدينة الصغيرة في مساحتها الكبيرةبفكرها وتشكيلييهاوروائييها تعيش في الداكرة. مارست التدريس لمدة تقارب 17سنة وخبرت شباب ازمور فتيقنت من كونه حصن للمعرفة ومدافع عن القيم الايجابية.ازمور النموذج لايعرف هذا الحكم الامن جالس اهلها وتعرف على ان المدينة لها شموخها الخاص. انا على يقين تام بان راي الاستاذ المحترم مفضال له مرجعيته ومصداقيته. اتمنى لهذه القلعة الصامدة الخير في ابنائها….

صوت وصورة
شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 18:46 4

شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح

صوت وصورة
المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية
الخميس 24 شتنبر 2026 - 15:48 10

المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية

صوت وصورة
بوعياش: ضعف المشاركة إنذار
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:37 8

بوعياش: ضعف المشاركة إنذار

صوت وصورة
ندوة حزب الأصالة والمعاصرة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:33 11

ندوة حزب الأصالة والمعاصرة

صوت وصورة
"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى
الخميس 24 شتنبر 2026 - 09:00

"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31 8

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات