لماذا يحتاج المغرب إلى ذكاءٍ طاقي في قيادة الانتقال؟
ما يكشفه مضيق هرمز اليوم ليس توترا جيوسياسيا عابرا فحسب، بل مشهدا عالميا تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والاقتصادية والمعلوماتية والطاقية. فالوضع أقرب إلى حرب هجينة متعددة المستويات منها إلى أزمة ظرفية معزولة. مما يدفع إلى القول إن الطاقة لم تعد مجرد قطاع تقني ضمن قطاعات أخرى، بل أصبحت محددا بنيويا يوجّه السيادة والتنافسية والاستقرار، بل والاستدامة نفسها، بحكم طابعها العابر لمختلف المجالات. لذلك، فمثل هذه اللحظات لا تذكّر فقط بهشاشة الإمدادات، وإنما تكشف أيضا مادية التدفقات التي تنتظم حولها الاقتصادات المعاصرة. كما تعيد إلى الواجهة حقيقة طالما حجبتها القراءة الظرفية للأزمات: أن أمن الطاقة لم يعد مسألة إمدادات فحسب، بل صار أيضا مسألة فهم وقياس وقيادة في بعدها الاستراتيجي.
وفيما يتعلق بالحالة المغربية، فإن ارتفاع التبعية الطاقية يمنح هذه الإشكالية بعدا استراتيجيا خاصا، لأنه يجعل من المسألة الطاقية أكثر من مجرد موجب لليقظة الظرفية. فالأمر يتعلق، في المقام الأول، بالحاجة إلى الانتقال من مقاربة قطاعية ضيقة إلى قيادة استراتيجية لمسارات الطاقة والكربون. وفي هذا المستوى، يبرز الذكاء الطاقي بوصفه إطارا للقراءة والتوجيه، لأنه يربط التبعية الطاقية بالحكامة الترابية، وبجودة القرار العمومي، وبشروط التنافسية في عالم يتجه نحو مزيد من التشدد المناخي والتنظيمي. ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية على ضوء التوجيهات الملكية السامية، التي جعلت من للانتقال الطاقي والتنمية المستدامة والترسيخ الترابي حضورا قويا في الفعل العمومي. وفي هذا السياق، يشكل المرسوم رقم 2.25.100 المتعلق بالإنتاج الذاتي للكهرباء مؤشرا عمليا على هذا التحول، لأنه لا يوسّع فقط دور الفاعلين المحليين والمنتجين-المستهلكين، بل يفتح أيضا مرحلة جديدة في ترابية الانتقال، خاصة حين يقترن ذلك بالتحول الرقمي وما يتيحه من أدوات تحليلية جد متقدمة، تقوم على الذكاء الاصطناعي، ومعطيات قابلة للتشغيل البيني، وأدلة أدق على الأداء الطاقي-الكربوني.
ولا تقتصر أهمية المرسوم رقم 2.25.100 على كونه نصا تطبيقيا يؤطر الإنتاج الذاتي للكهرباء، بل تتجاوز ذلك إلى كونه مؤشرا على تحول أعمق في هندسة الحكامة الطاقية نفسها. فبموجبه، لا تعود الطاقة شأنا يُدار حصريا من المركز وفي اتجاه الأطراف، وإنما تصبح أيضا موضوعا لإعادة توزيع الأدوار بين الدولة، والتراب، والشبكة، والفاعل الاقتصادي، والمستهلك-المنتج.
وبذلك، يكتسب المستوى الترابي مكانة جديدة، ليس فقط باعتباره فضاء لاستهلاك الطاقة أو لاستقبال البنيات التحتية، بل باعتباره مجالا لإنتاج المعطيات الطاقية، واحتضان المرونات المحلية، والمساهمة في تحسين استقرار الشبكة وجودة القرار. وهكذا، يفتح هذا المرسوم الباب أمام انتقال نوعي من تنظيم تقني للإنتاج الذاتي إلى منطق أكثر تركيبا، تصبح فيه المعطيات، وقابلية التشغيل البيني، والقدرة على الرصد والتنسيق، عناصر حاسمة في قيادة المنظومة الطاقية في بعدها الوطني والترابي معا.
غير أن تعميق هذا التحول الرقمي يقتضي بدوره قدرا مماثلا من اليقظة الاستراتيجية، لأن الذكاء الاصطناعي، وما يخفيه وراء واجهة الاستعمال، من آليات مادية، يفرض إكراهاته الخاصة، بما يجعل الرقمنة نفسها جزءا من معادلة الطاقة. لذلك، يظل فهم المتطلبات المادية لمنظومات الذكاء الاصطناعي، وما تحجبه سهولة استعمالها الظاهرة من أعباء بنيوية، موضوعا يستحق وقفة مستقلة، سنعود إليها بمزيد من التفصيل في المقال الأخير من هذه السلسلة، في إطار التفاعل الإيجابي مع الملاحظات التنويرية من بعض القراء الأفاضل مع المقالات السابقة.
في هذا الإطار، لا بد من التأكيد على أننا لا نزال نميل إلى اختزال الطاقة في ملف تقني، مع أنها تؤطر، في العمق، قطاعات الإنتاج والخدمات، وتمتد آثارها إلى التماسك الاجتماعي وسائر المجالات الحيوية. بل إن المعنى نفسه للطاقة لم يُدرك بعد بما يكفي من الوضوح، لا من قبل الأكاديمي والباحث، ولا من قبل الفاعل السياسي وصانع القرار. فالإنسانية لم تُقر بعد، على نحو كاف، بالمكانة المركزية التي تحتلها الطاقة، ولا بما تتيحه من قدرة على الفعل والتحول، ولا بما تنتجه من آثار منظومية عميقة. والأخطر من ذلك، أننا ما نزال نتداول كثيراً في شأن السياسات العمومية والاستراتيجيات الوطنية، من دون أن نضع في صميم التحليل المسألة الحاسمة المتمثلة في التبعية الطاقية. ومن تم، لا يظل الخلل تحليلياً فحسب، بل يغدو استراتيجياً بامتياز.
في الحالة المغربية، لم تعد المسألة الطاقية تقتصر على توازن العرض والطلب، بل تصبح مسألة تتعلق بكيفية بناء القدرة الوطنية على الرصد والقياس والترجيح. فنجاح الانتقال الطاقي يقتضي الاستناد إلى معطيات دقيقة حول الاستعمالات، والهشاشات، والخصوصيات الترابية. ومن هنا، فإن لب الرهان يتصل أيضاً بتعزيز القدرة على قراءة العلاقات بين الطاقة والنشاط الاقتصادي والتماسك الترابي والقدرة التنافسية، بما يتيح توجيه مسارات الانتقال على نحو أكثر دقة ونجاعة وانسجاماً مع الأولويات الاستراتيجية.
وهنا تتضح القيمة العملية للذكاء الطاقي. فهو لا يضيف توصيفاً جديداً إلى النقاش بقدر ما يوفر إمكانات أدق لربط المعطيات الطاقية بالاختيارات العمومية والاقتصادية والترابية. ومن خلال هذا الربط، يصبح بالإمكان تحسين قراءة الهشاشات، وتقدير آثار الترجيحات، ومواكبة مسارات الانتقال على أسس أكثر قابلية للقياس والتنسيق، بما يعزز جودة القرار، ويقوي القدرة على الاستباق. ولا يظل أثر هذا التحول محصوراً في تحسين أدوات التدبير، بل يمتد أيضاً إلى شروط التموقع الاقتصادي والاستراتيجي. فكلما تعززت قدرة الفاعلين العموميين والاقتصاديين على توثيق الأداء، وتفسير الفوارق، وتتبع المسارات على أساس معطيات قابلة للمقارنة، ازدادت قدرة البلاد على حماية هوامشها التنافسية، وتحسين جودة قراراتها، ومواكبة التحولات التنظيمية والمناخية المتسارعة.
وتزداد هذه الضرورة إلحاحاً لكون الأمن الغذائي هو الآخر بات يرتبط، بسلاسل طاقية حرجة. ويظهر ذلك بوضوح خاص في قطاع الأسمدة، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن الغذائي بالاعتماد الطاقي، وبمسارات إزالة الكربون. فالأسمدة تمثل بالفعل رافعة حاسمة للأمن الغذائي، ويحتل المغرب فيها موقعاً متقدماً على الصعيد العالمي. غير أن إنتاجها يرتكز، إلى حد كبير، على الأمونياك، الذي يندرج مسار تصنيعه ضمن أكثر العمليات الصناعية استهلاكاً للطاقة. وعلى ضوء الدروس التي يكشفها ممر هرمز: لم يعد ممكناً للمغرب أن يؤسس، على المدى المستدام، حلقة بهذه الدرجة من الحسم في سيادته الغذائية، وفي إسهامه في دعم الأمن الغذائي لشركائه عبر دبلوماسيته الفاعلة، على تبعية طاقية خارجية. بل يتعين عليه، على العكس من ذلك، أن يربط هذه السلسلة الاستراتيجية تدريجياً بمصادر طاقية متجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، من أجل تقليص هشاشته، وتعزيز صموده الصناعي، والتحكم بصورة أفضل في مساراته لإزالة الكربون، في سياق أصبحت فيه الأسمدة، إلى جانب الإسمنت والألمنيوم والحديد والصلب والهيدروجين والكهرباء، ضمن القطاعات الستة التي تشملها حالياً آلية تعديل الكربون على الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي دخلت مرحلتها النهائية في فاتح يناير 2026.
غير أن دلالة هذه الحالة لا تقف عند حدود قطاع بعينه، بل تكشف خللا أعمق في طرائق فهمنا للعلاقة بين الطاقة والاقتصاد والمجتمع. فالأزمة الطاقية والاختلال المناخي لا يمثلان ملفين منفصلين، بل يتقاطعان داخل عالم تكثفت فيه الترابطات المادية والمنظومية بوتيرة أسرع من تطور أطر الفهم والقيادة. ولذلك، لا يكفي توصيف الأزمة أو الاكتفاء بردود فعل ظرفية، لأن المطلوب هو الانتقال إلى قراءة أدق للشروط التي تنتج الهشاشة، وتعيد توزيع آثارها بين القطاعات والمجالات الترابية.
ولقد جرى فعلاً، التعامل مع الانتقال المناخي مدة طويلة بوصفه موضوعاً قطاعياً، وتارة بيئياً، وتارة تقنياً، وغالباً تنظيمياً وتشريعياً. غير أن هذه القراءة باتت اليوم أضيق من اللازم. فالمطروح لا يقتصر على خفض الانبعاثات، بل يتعلق أيضاً بالكيفية التي ينتج بها مجتمع ما، ويستهلك، ويتنقل، ويسكن، ويُربي، ويُعلّم، ويقرر، ويستشرف نفسه عبر الزمن.
وبعبارة أخرى، فإن المناخ لا يتحدث فقط عن الغلاف الجوي، بل عن الطريقة التي ينتظم بها المجتمع ماديا، وعن تبعياته، وترجيحاته، وهشاشاته، وقدرته على الاستباق. ولذلك، فإن الانتقال المناخي هو أيضا مسألة منهج في الفهم، ولا ينبغي أن يبقى هذا التحول في الفهم حبيس النقاش الخبير، بل يتعين أن يمتد إلى مستويات التكوين والتنشئة وبناء الثقافة المجتمعية. وإذا كان الأمر كذلك، فقد حان الوقت لإعادة النظر في بعض مناهجنا التربوية، ومقارباتنا البيداغوجية، وطرائق بناء المقررات والكتب المدرسية، بما يسمح بإدماج القضية البيئية في عمقها الحقيقي، باعتبارها قضية مشروطة بقوة، بعامل الطاقة واستعمالاتها وتبعياتها وآثارها المنظومية. فالمطلوب لم يعد أن تُقدَّم البيئة داخل المدرسة كموضوع جانبي أو مناسبة ظرفية، بل أن تُفهم كمدخل إلى تعلم قراءة الأنظمة، وربط المعارف، وتأويل المعطيات، والتقاط الإشارات الضعيفة، وفهم الصلات بين الموارد والإنتاج والاستهلاك والتكنولوجيا والسلوك الاجتماعي، وما ينجم عن الاختيارات الفردية من آثار جماعية في سياق يطبعه التعقيد واللا يقين. وعلى هذا الأساس، تحتل المدرسة موقعا مركزيا في هذا التحول، من دون أن يلغي ذلك أن بناء ثقافة أكثر تبصُّرا في قضايا الطاقة والبيئة يمتد أيضا إلى الأسرة، ووسائل الإعلام، والمجالات الترابية، والممارسات المهنية، والحياة المدنية، وباقي فضاءات التنشئة الاجتماعية، لأن مثل هذه الثقافة لا تُبنى بالمضامين وحدها، بل تتشكل كذلك عبر التعلم، وتكرار الممارسة، وأنماط الخطاب السائدة داخل المجتمع. وبهذه الكيفية يمكن أن تنشأ، على مستوى المجتمع، عقلانية أشد وعيا في الاستعمالات والتبعيات والمسؤوليات.
وعند هذا المستوى بالذات، تغدو مراجعة أطرنا الأخلاقية أمراً لا مناص منه، لأن الأطر الموروثة، وإن لم تكن خالية تماماً من أي اعتبار بيئي، ما تزال في بنيتها المعيارية الغالبة مشدودة إلى مستوى الفرد الحاضر أكثر بكثير من انفتاحها على الجماعة، والترابطات المنظومية، والأجيال المقبلة. فقد صيغت في عالم كانت فيه آثار الفعل الإنساني أكثر انحصاراً في المجالين الفردي والمحلي، وأكثر ظهوراً، وأكثر محدودية في الزمن. أما اليوم، فقد باتت تلك الآثار تنتظم داخل سلاسل ترابط مادي ومنظومي تمتد عبر المكان والزمان، بحيث يمكن لاختيارات استهلاكية أو إنتاجية أو استثمارية، مهما بدت عادية في ظاهرها، أن تتحول، بفعل التراكم، إلى عوامل تُفاقم الهشاشات الطاقية، وتُعمّق الاختلالات الإيكولوجية، وتُكرّس التبعيات الاستراتيجية على نطاق واسع. ومن ثم، لم يعد ممكناً حصر المسؤولية في حدود الفعل الفردي المباشر، كما لم يعد الانتقال المناخي شأناً يندرج ضمن أخلاق المبادرات المعزولة، بل أضحى يفرض التفكير في النتائج المنظومية، والترابطات غير المرئية، والمسؤوليات المشتركة التي تشمل الأفراد والجماعات والمجالات الترابية والأجيال المقبلة.
وعلى هذا الأساس، فإن الحفاظ على التوازنات العامة التي يقوم عليها المجتمع والاقتصاد، في تناغم مع البيئة ومتطلباتها، يقتضي الإقرار بأننا لا نواجه مجرد تحول تقني أو ظرفي، بل انتقالاً بنيوياً عميقاً تواكبه انتقالات موازية في الوعي والسلوك والإدراك وأنماط الحكامة والتدبير، بما يتيح إعادة موضعة الإنسان داخل شبكة أوسع من المسؤوليات والترابطات والحدود. وينتهي الأمر إلى انطباع خافت لكنه راسخ: انطباعُ أطرٍ لا تزال مشدودةً إلى قدر من الثبات، في عالمٍ لا يكفّ عن التحول والحركية، وبإيقاع يضاهي في شدته دينامية المسألة الطاقية نفسها. ومن هنا تحديداً يبرز الذكاء الطاقي، لا باعتباره مجرد أداة تقنية، بل بوصفه المدخل الطبيعي لقياس هذه التحولات وتتبعها وقيادتها، وتحويل تعقيدها المتزايد إلى إمكان أوضح للفهم والترجيح والتوجيه.
غير أن هذا البعد الأخلاقي، على ضرورته، لا يكفي وحده، لأن وظيفته الأولى ليست أن يقود الانتقال مباشرة، بل أن يضيء معناه، ويهذب مقاصده، ويوسّع إدراك المسؤولية الكامنة فيه. أما القيادة الفعلية لهذا التحول، فلا تستقيم إلا إذا استندت، إلى جانب هذا الأفق القيمي، إلى معطيات موثوقة، ومراجع مشتركة، وقدرات على القياس والتتبع والترجيح والمحاكاة، حتى تصبح الاختيارات العمومية والاقتصادية أكثر اتصالاً بالهشاشات الفعلية وبزمنيات التحول. وبهذا المعنى، لا تنحصر المسألة في بعدها الأخلاقي وحده، كما لا تُختزل في الأدوات وحدها، بل تنهض على التكامل بين أخلاق تُنير المسؤولية، وأدوات تُحكم الفهم والتوجيه والحكامة، بما يجعل الانتقال أكثر وعيا ونجاعة واستمرارية.
ومع ذلك، فإن هذا التحول المعياري لا يكفي في حد ذاته، لأن الإنسان لا يتحرر من قيد بمجرد تسميته أو وصفه وصفاً مجملاً، بل يتحرر منه بفهمه فهماً دقيقاً. ويظهر تاريخ العلوم ذلك بوضوح: فالإنسانية لم توسع قدرتها على الفعل بمجرد الإرادة، وإنما فعلت ذلك عبر فهم بنى الواقع كما يُعاش ويُلاحظ، ثم تحويل هذه المعرفة إلى قدرة على التوجيه والتحكم. فهي لم تلغ الجاذبية، بل تعلمت قوانينها وطورت الوسائل التي مكنتها من تجاوز بعض آثارها. كما أنها لم تستخرج من الكهرباء استعمالاتها الحاسمة بمجرد الإعلان عنها، بل عبر تحويل الظاهرة الملحوظة إلى معرفة، ثم إلى قدرة تقنية. وبهذا المعنى، فإن العبرة لا تتصل بالمثال في ذاته، بل بمنهج الفهم الذي يسبق الفعل ويوجه فعاليته. وعلى هذا الأساس، ينبغي تناول التغير المناخي بالقدر نفسه من الصرامة، لأن اختزاله في أزمة ظرفية يضعف فهم طبيعته المنظومية والتراكمية. فنحن إزاء دينامية ممتدة تؤثر، في الآن نفسه، في الموارد، والتوازنات الإيكولوجية، وسلاسل القيمة، والمجالات الترابية، وزمنيات القرار. ومن ثم ثمة، لم يعد المطلوب مجرد إطلاق التنبيهات، بل تعلم قراءة العلاقات التي تصل الطاقة بالإنتاج والاستهلاك والتكنولوجيا والبنيات التحتية والهشاشات والانبعاثات، حتى يقوم الانتقال على فهم أدق لشروطه الفعلية ومساراته الممكنة.
ومن هنا، يتأكد أن الانتقال الطاقي لا يمكن أن يظل رهينا بالوعي العام، أو بالتوجيهات المعيارية وحدها، بل يحتاج أيضا إلى أدوات قادرة على تحويل المعطيات إلى أساس أوضح للقرار. وفي هذا الموضع تحديدا، يبرز الذكاء الطاقي بوصفه الإطار الذي يربط بين الفهم والقيادة، ويجعل من تدفقات الطاقة والكربون، ومن الهشاشات والتكاليف والالتزامات، عناصر أكثر قابلية للقراءة والمقارنة والتوجيه.
غير أن الذكاء الطاقي لا يكتسب قيمته الفعلية إلا إذا تُرجم على المستوى الترابي، لأن المجال الترابي هو الفضاء الذي تتقاطع فيه البنيات التحتية، والاستعمالات، والحاجات، وتنشئة الأجيال المقبلة، والكفاءات، وإمكانات الابتكار. وعلى هذا المستوى تحديداً يصبح الانتقال ملموساً أو يظل مجرداً. ومن هنا تبدأ القيمة الترابية للذكاء الطاقي في الظهور، لا على مستوى التشخيص فقط، بل أيضاً على مستوى ما يتيحه من قدرة على التنظيم والتعلم والابتكار. وفي هذا الفضاء نفسه، لا يتغذى الابتكار من العقلانية التقنية والعلمية وحدها، بل يجد أيضاً بعض شروطه في الفن والثقافة وأشكال الإبداع التي توسع المخيلات، وتفتح إمكان التفكير في أجوبة جديدة. وعندما يستند الذكاء الطاقي إلى سيناريوهات مؤطرة ترابياً، ومحاكاة، وأدوات للتتبع، ونماذج تنبؤية، فإنه لا يتيح فقط تأمين الاختيارات وتحسين الحكامة المحلية، بل يساهم أيضاً في خلق شروط التعلم الجماعي، والارتقاء بالكفاءات، وتعزيز التماسك، ودعم المشاريع المحلية، وفتح آفاق لابتكار أكثر نفعاً وشمولاً. وبهذا المعنى، فإن النظام الطاقي الموثوق والشفاف والمقيس لا ينتج نجاعة تقنية فحسب، بل يتحول أيضاً إلى بنية داعمة للقدرة الترابية، وللترسخ المستدام، وللاستعمالات الرقمية، وللفرص المؤهلة، بما يجعل الطاقة المتحكم فيها رافعة فعلية للتنمية والقدرة والتماسك.
ومن هذا المنطلق، بات من الضروري إعادة التفكير في التنافسية نفسها. ففي عالم تعبره قيود مشتركة، ومعايير مناخية متصاعدة، وهشاشات منظومية، لم يعد ممكناً اختزال الأداء في مجرد تنافس خام بين فاعلين معزولين، بل أصبح يفترض أيضاً مراجع مشتركة، وآليات مشتركة للتكوين والقياس والحكامة، وقدرة جماعية على التكيف. وفي هذا السياق، تغدو التنافسية التعاونية فكرة استراتيجية، لا من أجل إضعاف الطموح التنافسي، بل من أجل إعادة صوغه على نحو ينسجم مع مقتضيات الاستدامة. فالتنافسية لا تختفي، وإنما يتغير مضمونها، لتصبح جودة في التنفيذ، وسرعة في التعلم، وقدرة على الابتكار، وقابلية على التطور داخل أطر مشتركة أكثر صرامة واتساقاً.
وفي الحصيلة، لا تكشف دروس ممر هرمز للمغرب، مجرد هشاشة عابرة في ممر من الممرات الطاقية، بل تضعه أمام حقيقة أعمق، تتصل بكيفية بناء قدرته على الفهم والقياس والقيادة في عالم تتزايد فيه التبعيات والقيود والترابطات. فالمطروح اليوم لا يقتصر على تأمين الإمدادات، أو توسيع الاستثمارات، أو مواكبة التحولات المناخية في بعدها التنظيمي، بل يتعلق بإعادة وصل الطاقة بالسيادة، وبالتنافسية، وبالتماسك الترابي، وبجودة القرار العمومي والاقتصادي. ومن هذا المنظور، يبرز الذكاء الطاقي لا كمجرد إضافة مفهومية، بل كإطار جامع يربط المعطيات بالترجيحات، والتدفقات بالهشاشات، والانتقال الطاقي بمساراته الكربونية، والتحول التقني بشروطه المادية، مما يسمح بقيادة أكثر بصيرة ونجاعة واستباقا. وبهذا المعنى، فإن الفارق الحقيقي لا يكمن بين من يواجه الأزمة ومن لا يواجهها، بل بين من يكتفي بالتكيف معها، ومن ينجح في تحويلها إلى لحظة لإعادة وبناء قوته الاستراتيجية على أسس أوضح للفهم والقرار والتموقع.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.