أكاديمي مغربي يُفصل في معنى وشروط الحوار المدني

أكاديمي مغربي يُفصل في معنى وشروط الحوار المدني
السبت 30 يوليوز 2016 - 02:50

الحوار المدني هو الذي يحصل بين السلطات العمومية والمجتمع المدني المُنظّم، ويتيح الجمع بين تنظيمات هذا المجتمع، بوصفها شريكة اجتماعية، للتداول حول القضايا المجتمعية الكبرى من قبيل العمل الاجتماعي، التربية، النضال ضد التمييز، المساواة في الحقوق، البيئة، حماية المستهلك…إلخ. ومن ثم فليس الحوار المدني هو الحوار الاجتماعي، الذي يحصل، مثلا، بين النقابات والمشغلين والذي يخضع لآليات وسياقات محددة.

ومن البديهي الإقرار بأن الحديث عن المجتمع المدني يستلزم ربطه بمدى تقدم الديمقراطية في بلد من البلدان؛ إذ كلما اتسعت دائرة الحريات والممارسة الديمقراطية وأصبحت واقعا مؤسسيًا، كلما تنامت وتطورت تنظيمات المجتمع المدني. ويستقرّ الحوار المدني ويتعمّق لتعزيز “الديمقراطية التمثيلية”، أو بالأحرى لاستكمال ما يميزها من نقائص، واستعادة الثقة في الفعل المدني، والدفاع عن المصلحة العامة. بل إنه يسمح لشرائح وفئات غير ممثلة في المؤسسات المنتخبة من التعبير عن ذاتها وعن انتظاراتها، من خلال أطر تعتمد القرب، والمبادرة، بل ويمكن أن تتحوّل إلى” سلط مضادة” تنبه إلى المفاسد، والأعطاب، والأخطاء، وتطالب بالمحاسبة.

وتُبين التجارب الديمقراطية كيف أن الجمعيات تحوّلت إلى مختبرات حقيقية للديمقراطية، وإلى فضاءات للتعلّم، وتحسين القدرات، واكتساب حسّ المسؤولية، وبناء المشاريع. ولذلك يتخذ الحوار المدني في الديمقراطية صيغا متنوعة، متحولة، وأحيانا ما تكون معقدة. فالأمر ليس بالأمر البديهي، كما يمكن أن يبدو، لأن تنظيمات المجتمع المدني الجدية كثيرا ما تحمل “مطالب مُواطِنة” لتجديد العمل السياسي، بالمعنى العام للسياسة، وتطوير الفعل الاجتماعي. وهنا يطرح سؤال كبير حول صدقية هذه الجمعيات، والتناسل غير الصحي لجمعيات تشوش على العمل المدني وعلى فرص الحوار إذا ما تقرّر إطلاقه. فهناك فارق نوعي بين جمعيات أنشئت لتنظيم طقوس المجاملة أو الاستفادة من مختلف أشكال الريع ( كما هو حال العدد الكبير من الجمعيات في المغرب)، وأخرى تعمل بصدق للإعلاء من شأن قيم المجتمع الديمقراطي، وتعبّر، فعليا، عن انتظارات بعض الفئآت من الناس، تتجذر في الواقع المحلي، والجهوي، وتملك قوة اقتراحية تنتج بها المعنى وتنتزع الاعتراف. بل إن القطاع الجمعوي في بعض البلدان الديمقراطية أصبح مشغّلا مهمّا للشباب والكفاءات، كما هو الحال في فرنسا، على سبيل المثال، حيث يُشغل القطاع الجمعوي مليوني شخصا، ويصل عدد المتطوعين إل 18 مليون.

الأمر الذي دفع ببعض الدول إلى تنظيم آليات للحوار المدني، ووضع معايير واضحة، بمشاركة الجمعيات، تحدد شروط تمثيليتها ومشاركتها في مناقشة واقتراح تصورات تهمّ السياسات العمومية. علما بأنه يصعب العثور على تعريف دقيق، أو قانوني لصيغة ” منظمة المجتمع المدني”، لأن هناك جمعيات تنشط في العمل الاجتماعي والتنموي، والحقوقي، والمدني، وأخرى تشكل تجمعات لحماية أو الدفاع عن مصالح محددة.

لهذا السبب لا يستقيم الحوار المدني إلا إذا توفرت شروط وضع إطار معياري يحدد مقتضيات “الحوار”، ويشجع على خلق فضاءات للمناقشة المفتوحة والمنتظمة بين ممثلي السلطات العمومية والنسيج الجمعوي.

يشترط الحوار المدني التأسيس الفعلي للديمقراطية، بكل آلياتها ومظاهرها، بحكم أنها أصبحت، اليوم، الشكل النموذجي للتدبير السياسي الجيد للشؤون العامة. إذ بتحرر المجتمع من التسلّطية وانتقاله إلى الديمقراطية يتعرّف على نمط سياسي، إذا لم يكن كاملا، فإنه على الأقل أفضل من غيره، أو أقل سوءا كما يرى من ينتقده.

وتنهض الديمقراطية وتتوطد بإطلاق الحريات، وتحفيز الناس على المشاركة، سواء في المناسبات الانتخابية، أو في الشأن العام من خلال تنظيمات المجتمع المدني. فإلى جانب الديمقراطية التمثيلية، التي تمتلك ضوابطها ومؤسساتها، وأدوارها السياسية، نجد أطرا متجددة لما ينعت ب” الديمقراطية التشاركية” التي تعبّر عن أشكال مختلفة للمشاركة المواطنة، لسبب أساسي هو أنه لم يعد من الممكن اختزال الاختيار الديمقراطي في ورقة التصويت وفي الأغلبية العددية.

لذلك تشكل الجمعيات مشاتل لتكوين نخب مواطنة قادرة على الانخراط في مناسبات “الحوار المدني” التي تمثل آليات للمشاركة ممتدة في الزمان، ولا تخضع لمواعيد انتخابية، أو لاعتبارات مصلحية، اللهمّ إلا تلك التي تندرج ضمن المصلحة العامة، أو تستجيب لانتظارات الفئات التي ترفض مسلسلات الاقتراع. فهيئات المجتمع المدني، بمساهمتها في تطوير آليات الديمقراطية التشاركية، تعزز وتجذر العمل الديمقراطي، وتتحوّل إلى هيئات وساطة لحلّ النزاعات، وإلى فاعلين اجتماعيين يشاركون في المناقشة العمومية، وفي عمليات اتخاد القرار. وهو ما يطور الفعل المدني، ويغني الممارسة الديمقراطية.

لا تتساكن التسلطية مع مقتضيات الحوار المدني لأنها لا تتحمّل ثقافة المناقشة، والمطالبة، والاحتجاج، وأحرى المحاسبة. كما أن الأصوليات الدينية تنزعج من الحريات ومن تحركات المجتمع المدني وتعمل، كما ظهر في بعض التجارب” الانتقالية” وفي مصر خصوصا، على التضييق على تعبيرات هذا المجتمع، وتعوّم النسيج الجمعوي بتنظيمات وجمعيات تتقدّم بوصفها تمثل شرائح مجتمعية في حين أنها تشكل أذرعا دعوية للأحزاب الدينية التي نشأت بعد سقوط رؤوس النظام، أو تكوّنت، أيضا، في سياق النظام التسلطي الجديد الذي تمخض عن الانفتاحات المتسرعة نحو الانتقال الديمقراطي.

كيف يمكن إقامة أطر مؤسسية ديمقرطية كفيلة بتوفير شروط إطلاق دينامية الحوار المدني؟ إلى أي مدى يمكن للنسيج الجمعوي أن يساهم في إعادة بناء الممارسة السياسية في ظلّ تنامي قوى تلتجئ إلى المقدس والدين للتشويش على عملية الانتقال إلى الديمقراطية؟

لا أحد يمكنه الادعاء بأن الديمقراطية التمثيلية استنفدت إمكانياتها، ونحن في المغرب ما زلنا لا نكف عن استنباتها اعتمادا على الدستور الجديد، وعلى انتخابات من المفروض أن تكون حرة ونزيهة، وعلى تداول سلمي على المسؤوليات. كما أنه لا مجال للقول بأن الديمقراطية التشاركية تمثل بديلا عن التمثيلية بسبب كفر الناس بالسياسة. فمقتضيات الحوار المدني تندرج ضمن فهم عصري للعمل السياسي الديمقراطي، ويصعب استنباته داخل بيئة تعوّدت على الفكر الوحيد، وعلى قيم ثقافية واجتماعية، وحتى سياسية سابقة، إن لم تكن لا تتماشى مع مستلزمات وقواعد زمن العالم، بما فيها الحكامة الديمقراطية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • من تحت الدف
    السبت 30 يوليوز 2016 - 06:14

    لكي نميط اللثام عن واقع متردي فالبلاد ونقول هذا هو الشيئ الوحيد الذي حاول رئيس الحكومة الحالية أن يتفاداه منذ قدومه لكي لا يكن له أي إتصال مباشر أو حتى إجتماع واحد مع أي كان من مكونات المجتمع المدني والفاعلين الجمعويين وحتى ممثلين الشعب الحقيقيين ألا وهما النقابات وإن كانت هناك بعض اللقاءات الحوارية مع هذا الأخير لم تثمر بشكل أو بآخر عن أي شيئ يذكر وتحسب لعبد الإلاه بن كيران هاته النكسة الحقوقية طيلة فترة ولايته وهاته واحدة من النقائص والطابوهات المسكوت عنها متعمدا والمقصودة ليمهد الطريق لنفسه ويتمرد بالسلطة على الشعب بهذا الحياد ليبقى الفاعل الجمعوي والمكون المدني والحزبي النقابي يعاني الإقصاء في صمت لطمس الهوية الديموقراطية . يقول المثل المغربي ألي فدا حسيفتو علا عام زرب فكما تدين تدان يإبن آدم وسنكيل لك الكيل بمكيالين وبيننا الإستحقاقات المقبلة وموعدنا 7 أكتوبر وصناديق الإقتراع ثم الفرز لطمس الهوية المتنكرة لحزب جاء من أجل التغيير فقلب الموازين لصالحه وخدام الدولة المخلصين فالتماسيح

  • غيور على وطنه
    السبت 30 يوليوز 2016 - 12:19

    مما يلاحظ المتتبع للشأن العام المغربي ومن خلال تعليقات كثير من المغرضين أو بعض مسلوبي الإرادة من عبيد التحكم أنهم يسعون دائما إلى إلصاق كل آفات ومشاكل البلاد ببنكران وحزبه وذلك تطبيقا لاملاءات قوى التسلط التي لا تريد أن يخرج المغاربة عن سيطرتهم والعودة بهم إلى أساليب القمع والتجبر التي هي في الواقع لم يتخلصوا منها بعد حيث أن من طردهم الشعب من الباب عادوا إليه من النافذة
    أما بخصوص الجمعيات يلاحظ ان المحلل بعد كل ما أورده من تصنيفات ركز تحذيره على الجمعيات ذات المرجعية الإسلامية ضاربا المثل بمصر ونسي اوتناسى ذكر الجمعيات الممولة والمسيرة من الخارج التغلغل في المجتمع قصد تخريبه من الداخل
    ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين

  • محمد أمغار
    السبت 30 يوليوز 2016 - 13:20

    الموضوع على قدر كبير من الجرأة التحليلية والكفاءة الأ ستاذ الفاضل ملم بحس من المسؤولية بدينامية المجتمع المدني وتطويره نحو أفاق واسعة لخدمة مصالحه الحيوية في دولة المواطنة والقانون لا لاحتوائه وتكبيل طاقاته وشل فعالياته كما تحاول بعض الجمعيات الموالية لهذه الجهة أوتلك لخدمة استراتيجيات أخرى لاتمت بصلة إلى مصالح المجتمع المدني ، والأستاذ مومن با لأدوار الطلائعية للمجتمع المدني لخدمة مصالحه التي يتطلع إليها وأهدافه الحقيقية باستقلالية تامة عن أي طرف خارجي يريد أن يستثمر نشاطه لأهداف أخرى والمجتمع المدني لا يضاد الدولة الديموقراطية بل هو في تكامل بينه وبينها لخدمة الأوراش الكبرى التي لربما الدولة الديموقراطية ذاتها تعجز عن تحقيقها …..

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح