Anti-Establishment

Anti-Establishment
الجمعة 18 نونبر 2016 - 05:25

قبل سنتين من الآن سألت محللا سياسيا أمريكيا كبيرا في واشنطن عن النظام السياسي الأمريكي، فأجاب بما يلزم من الاختصار:” هذا النظام الذي تراه في كل مكان والذي يبهر به العالم لا يعبر عن حقيقة الشعب الأمريكي”. مرت الأيام سريعة لأكتشف وجاهة هذا التحليل بعد أن فاز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية بفارق لم يكن يخطر على بال أحد.

صورة واحدة معبرة عن هذا الفوز: فتية في فلوريدا يصعدون على السيارات ويدكونها بكل قوة ويمزجون غناءهم بالفوز بعبارات هاربة من القاموس المتداول وخارجة عن المألوف الذي كان يظهره الإعلام في بلاد العام سام. وهي الصورة التي تدفعنا إلى طرح السؤال: لماذا فاز ترامب حديث العهد بالسياسة على كلينتون؟

دونالد ترامب نجح لأنه اسثمر مزاجا عاما أمريكيا يكره المؤسسة ويحاول بكل الطرق التحرر منها، وكلينتون في نظر جزء كبير من الناخبين الأمريكيين تمثل رمزا لهاته المؤسسة، فهي زوجة بيل كلينتون، الحاكم السابق للبيت الأبيض وهي وزيرة الخارجية السابقة، وهي كذلك متورطة أو أحاطت بشأنها الكثير من الإشاعات حول قضايا رشى فوق الطاولة وتحتها أيضا.

خاطب دونالد ترامب الأمريكيين باللغة التي يفهمونها، باللغة التي لا تحتاج إلى نفس متعال أو إلى استعارات لفظية أو لغوية، لنسمها نوعا من الشعبوية المتخلصة من الخطاب البرجوازي الرأسمالي، فظهر قريبا من فئات كثيرة، من الفقراء حينما تحدث عن تغول الرأسمال على حساب القدرة الشرائية لأحفاد العام سام رغم أنه واحد من كبار برجوازيي أمريكا، ثم ما فتئ ينكئ الكبرياء الأمريكي القديم واستحضار تاريخ الأمجاد، وهو الأمر الذي جعل البيض، كل البيض يصوتون عليه، وخاطب المتشردين والساكنين في الأحياء الهارليمية التي لا يظهرها الإعلام الأمريكي

كلينتون ومن قادوا حملتها، أو الذين كانوا يقفون وراءها اعتقدوا أن وسائل الإعلام التقليدية مثل الجرائد المؤثرة(نيو يورك تايمز، واشنطن بوست..) والقنوات ذات الانتشار الواسع(س إن إن، أ بي سي، فوكس نيوز) ما تزال تؤثر في الرأي العام الأمريكي وتحدد اتجاهاته السياسية ولم يفهموا أن وسائل التواصل الاجتماعي الخارجة من منطق المؤسسة establishement ، صارت المحدد الأول في حسم خيارات الناخب الأمريكي، ورغم الدعم المحدود لوسائل الإعلام التقليدية للمرشحة الديمقراطية وتصويرها لترامب بأنه مجنون وأحمق وسيقود العالم نحو الهاوية وسينهي تاريخا طويلا من”الحلم الأمريكي”، فإن النتائج النهائية أظهرت تفوقا مفاجئا حتى في الولايات التي كانت محسوبة على الديمقراطيين في الانتخابات الماضية.

المزاج الأمريكي تغير كثيرا، والذين تنبأوا أن يبقى مطمئنا إلى التغيير الرتيب للسلطة في أمريكا كانوا مخطئين جدا، فمن هو ترامب في نهاية المطاف؟

رجل يملك مواقف مناقضة تماما لمبادئ الفصل الأول من الدستور الأمريكي، وسير ضد تيار حقوق الإنسان وحقوق المهاجرين، ولا يأبه للتعايش الطويل بين الأمريكيين وغير الأمريكيين، ولا يقيم أي اعتبار للتاريخ الطويل من نضال السود، ويحمل تصورات تقليدية عن المرأة ويحلم بالمجد الأمريكي ويرى في أوباما مجرد رئيس متردد لا يقدر على قيادة دولة عظمى مثل أمريكا، لكنه أصبح رئيسا يشبه الأمريكيين، أو جزء كبيرا منهم على الأقل.

هذا الشعور بطغيان المؤسسة والخضوع للمواضعات، ليس شعورا أمريكيا خالصا، بل شعورا عابرا للقارات ويجتاح الدول الفقيرة والغنية، الكبيرة والصغيرة ولا يستثني أحدا لأن منطق المؤسسة والخطابات الرنانة قاد العالم نحو الهلاك وأغرقه في حروب لا تنتهي وأحال البشر إلى عبيد جدد تحت مسميات الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان. ليجرب العالم سحرا آخر بدل النظام والصرامة والمواضعات السياسية المحسوبة، فليكن ترامب رمزا لهذا التوجه الجديد، رمزا لهذا الانزياح عن المنطق وعن قانون التاريخ..

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • عاجل
    الجمعة 18 نونبر 2016 - 11:11

    الجيش الامريكي موجود في اليابان منذ الحرب العالمية الثانية،ومنذ ذلك التاريخ وامريكا تقتل وتقتل وتقتل وتقتل ،خاصة وأنها امعنت قتلا في العرب والمسلمين،وماكينة القتل هذه ماتزال مستمرة،أتظن ان الذين يحكمون امريكا يُصوت عليهم؟
    لا يا سيدي لا لا لا،لن أقارن بين المغرب وامريكا ولكن تمعن جيدا فيمن يحكم المغرب!
    الانتخابات يمكنك مقارنتها بقشاوش عيشوراء!

  • TOP KNOWLEDGE
    الجمعة 18 نونبر 2016 - 12:01

    ان الدارس والمستقرئ للسيرورة التاريخية سيجد ان مبدأ السببية هو العِلَّة في دفع التاريخ وفقا لقانون "التحدي والاستجابة" الذي دشنه ارنولد توينبي.فلولا مقتل ملك النمسا وزوجته ما وقعت الحرب العالمية1 حين انهزم الالمان .وللانتقام والتحدي برز هتلر واشعل الحرب التانية.ولولا القصف اليباني ل"بيرل هاربر" الامريكية ماكانت تخرج امريكا عن صمتها وعقدة عزلتها عن العالم ثم انطلقت بكل جبروتها مشاركة في الحرب لتلحق الهزيمة بدول المحور وتصدير ديمقراطتها لاوروبا.ولولا احداث الحادي عشر ما برز بوش ليضرب العراق وافغانتان,ولولا انتحار التونسي ماكان الربيع العربي.

    فلولا الازمة المالية الثالتة في امريكا التي الحقت ضررا بالشعب والاقتصاد ماكان ليظهر ترامب الاب ويمكن ترامب الابن eric في المستقبل وهذاما تَنَبَأَ به فرنسيس فوكوياما في مقال له بعنوان"إنهيار أمريكا كمؤسسة".
    ظهر ترامب كالمنقد من الضلال بسبب الغليان الداخلي بكل انواعه ,سؤال ستجيب عليه نظرية "التحدي والاستجابة" في المستقبل القريب.

    ترامب يبقى رجلا "بطلا " اختارته الاحذااااث عن طريق الشعب.

  • rachid
    الجمعة 18 نونبر 2016 - 14:25

    ترامب هو سطل الماء البارد الذي نزل على اليساريين الذين يحترفون تفكيك النسيج الإجماعي عبر بمحاربة الدين والأسرة وجلب الأقليات العرقية.

  • امريكي مروكي
    الجمعة 18 نونبر 2016 - 14:28

    السود الامريكان هم اكبر مخرب للمجتمع ولخزينة الدولة بحيت ان 70% منهم يعيشون على الاعانات الاجتماعية ( الصحة بالمجان Medicaid, شراء المواد الغدائية الشهرية بالمجان food stamps, و80% من تمن كراء السكن تدفعها الحكومة لان هولاء 70% من السود لا يريدون العمل رغم توفره ويقتصرون على بيع المخدرات والنهب والسلب وعلى الاجرام وان 65% من نزلاء السجون هم من السود.

  • M. KACEMI
    الجمعة 18 نونبر 2016 - 23:17

    شيء ما في المقال ربما لم أفهمه. فإذا كان المزاج الأمريكي العام كاره للمؤسسة ولذلك أوصل ترامب للرئاسة، فهذا يفهم منه بالأحرى أن النظام السياسي الأمريكي يعكس حقيقة الشعب. يفهم من كلامي طبعا أنه بالنسبة لي، تعبيرا المؤسسة والنظام السياسي لا يعنيان نفس الشيء

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24 2

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال

صوت وصورة
مباشر | نتائج انتخابات المغرب
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:41 4

مباشر | نتائج انتخابات المغرب

صوت وصورة
بنسعيد يتفاءل بالنتائج المؤقتة
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:22 5

بنسعيد يتفاءل بالنتائج المؤقتة

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في الرباط
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:14

النتائج المؤقتة في الرباط