عَرقلة الخِيار الديمقراطيّ، لِمصلحة منْ؟

عَرقلة الخِيار الديمقراطيّ، لِمصلحة منْ؟
الجمعة 18 نونبر 2016 - 14:30

بعد “استراحة المقاتل” التي لم تُكْمل دورة الهلال الشهرية، عادت بعض المنابر الإعلامية بمختلف تلويناتها المسموعة والمقروءة والمرئية إلى مهاجمة الخيار الديمقراطي للشعب المغربي. وقد افتتح “البال” صاحب عمودٍ دعا إلى حلّ البرلمان وإعلان حالة الاستثناء وكأننا في حرب أهلية لا قدّر الله. ثمّ تتابعت افتتاحياتُ الصحف والإذاعات في تبرير ما لا يُبرر. وذهب بعضهم إلى التعسّف على النّصوص المُحكَمة من الدستور والتي لا تَقبل التأويل في تعيين رئيس الحكومة من الحزب الأول الفائز في الانتخابات. فيما قلَب بعضهم الحقائق بادعائه أنّ رئيس الحكومة يتحدى المؤسسات. والواقع أنّ الذي يضع شروطه التعجيزية كإقصاء حزب معين، أو يفرضُ إشراك حزبين معلومين، أو يشترط الاستحواذ على الوزارات “الإستراتيجية” هو من يتحدى المؤسسات. بل إنّ من يقوم بهذا الابتزاز هو من يتحدى الدستور، ويتحدى الإرادة الشعبية. علماً أنّ هذه الأخيرة هي المصدر الوحيد لكل السلطات، ومنها تَستمدّ شرعيتها كلُّ المؤسسات كما تُقرّ بذلك القوانين الدولية، وكما يُنَصّص عليه الدستور المغربي الذي هو المرجع والحَكَم. ثمّ بأي منطق يحاول حزبٌ ما فرض هيمنته على الحكومة وهو الذي تراجع في التشريعيات الأخيرة، وحصل على مقاعد تقلُّ ثلاث مرات عن تلك التي حازَها الحزب الأول.

وأمّا أكثر ما يثير الشفقة في هذه “الحملة” الإعلامية الجديدة فهي دعوة “المحلّلين” لتحليل الممنوع ديمقراطياً، ودعوة الأكاديميين إلى “الموائد” المستديرة لتبرير إلغاء الإرادة الشعبية والتأصيل لذلك. وقد ذهبوا في ذلك مذاهبَ شتى، حتى إنّ أحدهم تفتقت قريحته في إحدى “الصباحيات” بالعودة إلى نظام “الأرستقراطية” الإغريقية بدل نظام “الديمقراطية” الذي يُفرزُ لنا من صناديق الاقتراع أحزاباً لا ترغب فيها النموكلاتورا والإنتلجنسيا. ويُعرّف صاحبنا هذا النظام الأرستقراطي بأنه نظام يتداول فيه التكنوقراط والكفاءات على السلطة بدل الأحزاب. ولعلّه يقصدُ أولئك الذين لهم دراية بتسيير الشركات القابضة، بدل سياسيين يتنافسون على مشروع مجتمعي، ويدافعون عن أفكار وتصورات كما هو متعارف عليه في جميع الأنظمة الديمقراطية. يصدر هذا الكلام عن أولائك الذين ملؤوا الدنيا بمعلّقات يتباكون فيها على كوْنِيّة النموذج الغربي وعلى حداثة المجتمع الغربي في مقابل رجعية وظلاميّة وتخلف مجتمعاتنا. إنّ الديمقراطية بمفهومها الكوني لا يمكن أن تقوم لها قائمة من غير الأحزاب السياسية الحقيقة والمستقلة في قرارها، فلا تحاولوا التلبيس على الناس أو قلب الحقائق وإفراغ المصطلحات من معانيها.

وإذا كانت كل الأحزاب المغربية لديها إجماع على الثوابت الوطنية، ولا تختلف حول الدور المرجعي للمؤسسة الملكية كضامنة للاستقرار ورمزٍ لوحدة الوطن، فلمصلحة من تتمّ عرقلة تشكيل الحكومة؟ ولمصلحة من يتمّ افتعال كلّ هذه المعارك مع طواحين الهواء؟ ولمصلحة من هذا الإصرار المَرَضيّ على خلق الصِّدام داخل المجتمع المغربي؟ ولمصلحة من يتمّ تعطيل المسار الديمقراطي الذي يتطوّر بسلاسة عزّ نظيرها في المحيط الإقليمي وأكاد أقول الدولي؟

إنّ المغاربة قد اختاروا “الإصلاح في ظل الاستقرار” لأنهم أُمّة ليست لقيطةً ولا وليدة الحقبة الاستعمارية، بل لهم تاريخ يمتد على الأقل 12 قرناً من وجود الدولة المركزية منذ عهد المولى إدريس. وقد راكَمَت جِيناتُهم مناعةً تحول دون الانجرار نحو الدَّعاوَى الهدامة والإيديولوجيات السطحية التي كان أصحابها بالأمس القريب يريدون قلب النظام. أمّا أولئك الذين يحاولون اليوم التنظير والدعاية للالتفاف أو الانقلاب على “الخيار الديمقراطي”، وبغض النظر عن خلفياتهم، فإنهم يدفعون بالبلد إلى انسداد الأفق السياسي، ويرسلون رسالة واضحة بدون شِفرة إلى المواطنين أنهم قاصرون ومحجورٌ عليهم وأنّ لا قيمة لأصواتهم. والنتيجة المباشرة لهذه الرسالة هي مزيد من الاحتقان الاجتماعي ومزيد من هُجران السياسة وترك الساحة فارغة. وبما أنّ الطبيعة تخشى الفراغ فلا نملك إلاّ أن نضع أيدينا على قلوبنا لما ستاتي به الرياح القادمة من الشرق. وليحفظ الله هذا الوطن من كيد الطابور الخامس، اما أعداء الخارج فصدورنا دِرعٌ دون إدراك أطماعهم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • عبد الرحيم فتح الخير
    الجمعة 18 نونبر 2016 - 15:40

    هناك مثل يقول لاتضع كل البيض في سلة واحدة وتسليم رقاب المغاربة لحزب واحد مرجعيته دينية امر شديد الخطورة في دولة اغلب قاطنيها اميين يستهويهم من كانت مرجعيته قال الله قال الرسول حتى ولو جلد ظهرك. العدالة والتنمية حزب لاغبار على نزاهته ولكن ليس بينه وبين السياسة الا الخير والاحسان وقد يركبه المتطرفون لدالك وفقط لدالك انا مع تدخل الداخلية ربما بعد دورتين برلمانيتين او ثلاث سندافع عن شفافية الانتخابات وربما سنحارب وباستماتة

  • عزيز بليزيد
    الجمعة 18 نونبر 2016 - 18:42

    تحليل موضوعي عقلاني و وازن بدون نعرة استعلائية او رغبة اقصائية لمكون اساسي في البلد، و الذي من استراتيجيته الواضحة العمل و النضال و الاصلاح من داخل المؤسسات لا من خارجها، و من فوق الارض لا من تحتها ، و تحت أشعة الشمس لا تحت جنح الطلام … أكاد أجزم أن العدالة و التنمية اكثر ملكية من الملك عن قناعة و ليس تملقا او نفاقا او تزلفا كما هو الشأن لجهات معلومة عديدة لا يهمها سوى مصالحها الضيقة و عند احساسها بأدنى خطر تحزم حقائبها و تفر خارج الوطن كالجرذان للاحاق بأرصدتها الخيالية المنهوبة و المركونة في ابناك سويسرا و فرنسا … هؤلاء لا تهمهم لا ديمقراطية و لا اصلاح و لا مشروع مجتمعي .. هم يخبل اليهم ان الانقضاض على خيار الشعب طريق سالك لقطع الطريق على حزب خطيئته الوحيدة انه حزب منظم تنظيما جيدا و ناجح و مستقل … حذار من اللعب بالنار و إلا فاحترق الجميع.

  • الشوافة
    الجمعة 18 نونبر 2016 - 20:04

    ما كاين لا إصلاح ولا هم يحزنون ما سيحصل وهو بنكيران سيلجأ للملك على أساس أن تعاد الإنتخابات لكن جلالته سيعين طقنوقراط ممن يسمعوا الكلام و سيسرحوننا إلى أن ننسى شيء إسمه بنكيران وها وجهي أو ها وجهكم

  • amazigh
    الجمعة 18 نونبر 2016 - 21:08

    المشكل يمكن تلخيصه في ضعف حزب العدالة و التنمية الدي أولا مدد في عمر أمينه العام و هو مثال حي على ترسيخ مفهوم الديمقراطية و ثانيا انعدام الاحتكام الى الديمقراطية الداخلية للحزب حين اختيار مرشحيها بل أكثر من دلك أصبح حزب الهدالة و التنمية نمودج للحزب الديكتاتوري وممثلا للرأسمالية المتوحشة و ثالثا تشبت مناضلي الحزب بشخص بنكيررران أكبر خطأ أخلاقي و سياسي للحزب بحيث زاد من تبخيس العمل السياسي و تكريس العزوف بالإضافة الى اضهار الوجه الحقيقي لبنككككيررران الدي يتجلى في حقده الكبير لالياس العمري رغم تعيينه من طرف صاحب كرئيس حكومة رئيسا لكل المغاربة فكيف يمكن أن نتعامل مع رئيس حكومة يحقد و يكره مواطنا يختلف معه سياسيا و كمواطن مغربي من المفروض على رئيس الحكومة أن يدافع عنه ك انسان اسمه الياس العمري ومواطنا و كممثلا لفئة من الشعب المغربي
    و لوكان فعلا يتحلى بالأخلاق الحميدة و و بواجب التحفظ لاستقبل الياس العمري ممثلا لفئة من الشعب المغربي انه الحقد و لا شيء غير الحقد و في الأخير من حق أمناء الأحزاب أن يأخدوا حدرهم من بنككككيررران لأنه ليس برجل ثقة يحفظ اسرار الناس ….

  • الشوافة
    الجمعة 18 نونبر 2016 - 22:55

    هل تظنون بعد ذهاب العدالة والتنمية يتجرأ حزب
    من أحزابنا على العودة للفوضى التي عشناها قبل بنكيران مستحيل في اعتقادي ولو أو يجب على بنكيران الذي لقن الأحزاب درسا لن ينسونه طول العمر أن يذهب ويدع حزبا ممن كانوا يدرسون عنده
    يسيرون الدولة فهم يتقنون معاملة الأسد عكس بنكيران فأقسم بالله أن الشعب لن يقبل ولن يدعهم يحكرونه بعد ما فهم الحكاية

صوت وصورة
حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 13:10 2

حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير

صوت وصورة
"سوبير الرحمة".. سوق مهجور بسلا
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 12:21 3

"سوبير الرحمة".. سوق مهجور بسلا

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50 3

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود