أفاية: أمريكا بلد الهجرة من التاريخ إلى الحياة اليومية

أفاية: أمريكا بلد الهجرة من التاريخ إلى الحياة اليومية
الثلاثاء 31 يناير 2017 - 07:04

مازالت تطغى على خطاباتنا توصيفات لهذا الذي يُنعت بـ”الغرب” وكأنه وجود مطلق لا سبيل إلى إدخال النسبية عليه، أو إلى النظر إليه في وجوده التناقضي، أو في تمظهراته المختلفة، حتى وإن أصبح، منذ مدّة ليست قصيرة، حالّا في حياتنا العامة ومُكَونا من عوالمنا الاقتصادية والتقنية، والثقافية، كما سبق أن لاحظ ذلك عبد الكبير الخطيبي.

وإذا كانت “المركبات” الاقتصادية والعسكرية، والتجارب السياسية والاجتماعية جعلت من الغرب “نموذجًا” يتغاير مع الأنماط الأخرى من الوجود الإنساني، فإن القرن العشرين مثَّل في تاريخ البشرية قرنًا زاخرًا بكل أشكال الترحل والانتقال والتمازج والهجرة والتثاقف. وبسبب الانفجار الإعلامي، والاختراق الثقافي، والكوارث السياسية، حصل- ولازال يحصل- انتقال لا يوصف للأجساد والأفكار والأديان والصور عبر الحدود والأوطان. ومعلوم أن أمريكا تمثل الفضاء الأبرز لاستقبال هجرة الآخرين.

فكيف تتقدم أمريكا، في كل مرة، إلى مجال الإدراك؟ هل العنف المحايث لوجودها هو الذي يحدد إطار الرؤية أم أن سحرًا خاصًّا يتساوق معه ليخلخل الثوابت ويكسر المطلقات؟

الظاهر أن الموقع الذي ينطلق منه المرء للجواب على هذا السؤال عامل محدد، فضلا عن انتمائه وثقافته، فتتنوع النظرات وتختلف الأحكام؛ غير أن المثير في الأمر هو ما يمكن أن يفرزه الخطاب عن أمريكا من التقاء على صعيد الرؤية. فـ”جان بودريار”، المفكر الفرنسي المعاصر، باعتباره أحد كبار المنظرين لظواهر الحداثة وما بعدها، يعتبر أن أمريكا تجسد “ميتافيزيقا ثقافية”؛ وهو إذ يطلق عليها هذه الصفة لا يحركه أي مسبق أخلاقي، لأن نظرته إلى أمريكا تنطلق من اعتباره أن الأمر يتعلق بمتخيل لا يعترف بحدود بقدر ما يمتلك قدرة على تحويل ما هو تراجيدي إلى فرجة. تُمثل أمريكا، عنده، نموذجًا مثاليًا من حيث تجسيدها لتخيل “فانتاستيكي” لما بعد حداثتها. وعلى هذا الصعيد لكل واحد الحرية في نسج تخيله الخاص، وخلق أسطورته المناسبة، سيما وأنه بالوسع التعامل مع أمريكا، في نظر بودريار، باعتبارها موضوعًا ثقافيًا غير قابل للتحديد. فهو يندرج خارج التاريخ وليس نهاية له، لأنه يحول الزمن إلى فضاء وإلى امتداد، وإلى موقف جذري من العالم.

لا تتمثل الجذرية، هنا، كما هو الشأن بالنسبة للثقافة الأوروبية، في الوعي النقدي وإنما في الأشياء، أي أن جذريتها محايثة للأشياء التي تنتج، والسبب أن أمريكا انتقلت من التاريخ إلى التخيل ثم إلى الحياة اليومية. ولم يعد من الممكن في هذه الحال التمييز بين الطبيعة والثقافة. وإذا كانت الحركة الاحتجاجية في مايو 68 في فرنسا، وغيرها، فشلت في تحقيق ذلك، أي تحقيق الطوبي، فإن أمريكا تمثل، حسب بودريار، طوبى مُحَققة، تمكن الفاعل فيها من تفجير التناقض بين المتخيّل والواقع، وتكسير الفرق بين الطبيعة والثقافة، وإعادة بناء علاقات، متحولة دومًا، بين المكان والزمان.

لقد غدا المكان فانتاستيكيًا، والزمن عنصر استثمار في كل شيء، إلى درجة أنه لم يعد هناك ما يساعد على التمييز بين الصدق والخطأ. ومن هذا المنظور تكثف تجربة “ديزني لاند” الواقع الأمريكي في كثير من تفاصيله؛ بحيث تنتقل المدن من الوجود المادي إلى الحضور المتخيل، أي إن ما يحيل على المجاز والرمز والمتخيل يتجسد في كل ما هو مادي؛ وما هو مادي يتخذ أبعادًا مجازية وتخييلية قابلة للاستهلاك والاستيعاب. ولا عجب، إذن، في أن تمثل مدن من هذا النمط نهاية الواقعي لتحتفل، دومًا، بما هو كفيل بتحويله إلى لا واقعي، أي إلى تخيل مُعمّم. هكذا يغدو الفضاء مُحررًا من إكراهات الواقع – محايدًا- حتى لو كان يكثف، في الآن نفسه، كل الثقافات؛ ولا جدال في أن للأحكام المسبقة حضور في أنماط المعالجة، وللصور النمطية دور في البناء السردي، لكن ذلك لا يمنع من حضور تجارب وأفكار متنوعة ومختلفة.

هل الاقتراب من فهم هذه الأمور يفترض الإذعان، بالنسبة لغير الأمريكيين، إلى تداعيات هذه الثقافة على الآخرين وامتداداتها في السياسة والواقع والفكر؟

لا مجال للربط بين الفهم والإذعان، لأن المشكلة عندنا، على ما يبدو، تتمثل في كون غياب إرادة القوة ولد حالات متنوعة من القبول، والاستسلام لقوة الواقع؛ كما أن غياب إرادة المعرفة شوَّش ويشوش على الفهم، بل ودفع العديد من السلطات إلى منع التفكير ومحاربته أحيانا؛ ولا مجال لاستدعاء المسألة الإشكالية بين الثقافة والسياسة هنا، أو البكاء على أطلال التاريخ العالمي الذي ظلم العرب منذ أكثر من قرن، لأن مشكلة المعرفة، والتربية على اكتسابها في الثقافة المغربية المعاصرة، من أعوص ما يواجهه الفكر في علاقاته بالسياسة، بشروط النهضة، بالمجتمع، وبالآخر، كيفما تقدم هذا الآخر إلى مجال الوعي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • ahabarouch khalid
    الثلاثاء 31 يناير 2017 - 07:27

    كم يتحفنا هذا المفكر اللامع بسمفونياته الفكرية الرائعة

  • embellir
    الثلاثاء 31 يناير 2017 - 07:48

    arrete d'embellir l'image de l'amerique et des americains, en tout cas , la majorite entre eux, ont vote trump , un extremiste

    et celui la, a pris un decret descriminatoire d'interdire les musulmans de 7 pays que l'amerique et l'important
    responsable de les detruire

    on sait que t'es en mission , pour qui , on le sait ,donc un peu de respect pour nos freres, et surtout pour nos cerveaux

    hespress publiez

  • صاغرو
    الثلاثاء 31 يناير 2017 - 09:31

    شكرا الأستاذ الكبير على هذه التوضيحات

  • مثقف مخزني
    الثلاثاء 31 يناير 2017 - 09:46

    مثقفوا المخزن، قالو له امريكا ارض الهجرة. وقالهارغم ان غالبية شعبها اختار يمينيا متطرفا كرئيس منع المسلمين وليس المسيحيين من 7 دول.

    قالوا له في وقت سابق ان امريكا تتعاون واكثر من ذلك مع الاحزاب الاسلامية ضد شعوبها وقالها.

    يارب تعفوا علينا

  • الجيلالي لمنني
    الثلاثاء 31 يناير 2017 - 11:25

    مع كل احترامي للاستاذ أفاية:
    أنا لم ألاحظ يوما ما بأن أمي رحمها الله أنها حضرت الخبز وهي تستحضرلا مساحيق ولا تمائم ولافنتازيا
    كل ما في الامر هو ان الولايات المتحدة قوة اقتصادية وعسكرية وترسانة علمية جد متطورة ولكل وجود اي قوة هو في البدء شرارة ورعاية هذه الشرارة لتنمو و تكبر و لا تشيخ عبر الزمن
    هذا هو فهمي البسيط للواقع و أرجو أن لاأكون من المتطاولين على هذا المقال

  • مواطن من الدرجة 1
    الثلاثاء 31 يناير 2017 - 11:50

    من ناحية المواطن الأمريكي من أحسن ما يمكن من ناحية المبادرة. ..والابتكار…
    ومن اسوا ما يمكن من ناحية الاستهلاك. ..الجهل…
    ولكن كما اي مكون من مكونات البشرية هنالك جهد كبير يجب القيام به للوصول إليه وتعريفه بنا …لا كانظمة. ..بل كشعوب بسيطة…
    في أوروبا لا يمكن القول انهم أكثر علما…ولكن سنوات الحرب وماسيها …علمتهم أن يكبحوا جماح العفوية. .."الترامبية" …
    يصلون إلى أهدافهم بصمت. ..
    المهم هنالك واقع معاش أن أوروبا أصبحت جزء من أفريقيا …والعكس صحيح. ..
    في كل يوم مئات الآلاف من المواطنين في أفريقيا يعيشون بفضل عرق إخوانهم في اوروبا…
    واوروبا في نفس الوقت تستثمر تلك الأموال في تتبيت السكان في بلدانهم. ..كما هو رفع لقيمة بلدان المصدر يعود لأوروبا في المعاملات التجارية…
    العلاقات "السيئة " هي مع الصين…الهند … يذهب ما لا يرجع …
    المهم في كل يوم يستعمل من كل مواطن عبر العالم أقل شيء 20 منتوج مختلف مصدره جزء في العالم …وهذا ما لايجب ابدا نسيانه…كلنا نحتاج للآخر كيفما كان

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك