أفلام الجندية في السينما الهوليودية .. سلام مزعوم وبطولة مزيفة

أفلام الجندية في السينما الهوليودية .. سلام مزعوم وبطولة مزيفة
السبت 4 فبراير 2017 - 01:00

لا تبتعد كثيرا هوليود عن أفلام الحرب، فهي من الأفلام المحببة لها التي دعمتها منذ وقت طويل. طيلة القرنين 19 و20 وبداية القرن 21 عاشت البشرية حروبا طاحنة ظل فيها الجندي الوقود الدائم لهذه الحروب. لذا عمدت السينما إلى تكريم الجندي المجهول في مجموعة من الأفلام العالمية التي لخصت مغزى الحروب وهمجيتها وبينت، في كثير من الحالات، حالات الانتصارات وخيبة المنهزمين. الجندي في السينما ليس فقط المنتصر، ولكنه أيضا المنهزم نفسيا وماديا، بل يمكن أن يكون أكثر من هذين المستويين.

الفيلم العسكري، أو أفلام الحرب أو الجندية، شكلت وتشكل خلال مراحل من تاريخ السينما القلب النابض للسينما. لكن التساؤل المطروح لماذا يذهب المتلقي لمشاهدة هذه العينة من الأفلام بشكل كبير؟ ألا يضع المشاهد نفسه في خانة المنتصر والمتقمص وهو يقود حربا نفسية في دواخله من أجل أن يحقق البطل المنجز في تخطي الصعاب والفوز بالحرب؟

تيمة الحرب في السينما شاسعة نظرا لحجم ما خلفته البشرية من حروب، وكذلك ما خلفته السينما من ترسيخ لهذا النوع السينمائي ذي الميزانيات الضخمة وقافلة لا تنتهي من الأبطال المشهورين. انتهت الحروب الصليبية وتركت الفرصة سانحة لتغترف السينما من نبع أرشيفها، وعاشت الولايات المتحدة الأمريكية منذ 1800؛ أي منذ بداية القرن 19، حروبا لم تنقطع؛ بدأتها مع اسبانيا وأنهتها في نهاية القرن مع اسبانيا، وعاشت هول الحرب الأهلية ومقتل رئيس الدولة أبراهام لينكولن وهو يردد جملته الشهيرة: “سياستي بسيطة وواضحة مثل رقصة امرأة عجوز”.

عاشت السينما أجواء الحرب العالمية الأولى وفصلت في أسبابها، وخرجت السينما الوثائقية وهي ترصد كل كبيرة وصغيرة في هذه الحرب، وتبعتها السينما الروائية بالتركيز على لحظات الانتصار وعلى أبطال هذه الحرب، وكيف دخلت الولايات المتحدة عام 1917 مرتاحة بعد بيعها للأسلحة والغذاء… لحسم نهاية الحرب إلى جانب الحلفاء وتكبيد ألمانيا والدولة المنهزمة مذاق الاتفاقيات المجحفة.

انتقلت السينما، بنوعيها الروائية والوثائقية، وحتى الرسوم المتحركة، لتنقل مجريات الحرب العالمية الثانية بكل أهوالها، وخصصت جزءا كبيرا لمشروع مارشال وكيف قاد الجنود الأمريكيون بلا خوف وبلا جزع وهم ينزلون بشواطئ نورماندي وشواطئ المغرب استعدادا لحرب لا هوادة فيها. فقط أن ما أنتج حول الحربين العالميتين يمنح الباحث مادة لا تنضب للبحث في ماهية هذه الحروب، في منطلقاتها وأسبابها وكذلك نتائجها الكارثية. هل يختلف جندي الحرب الأهلية الأمريكية عن جندي الحرب العالمية الأولى والثانية؟

حطت الحرب أوزارها لتدشن السينما مفهوما جديدا للحرب الباردة بين العملاقين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية، وبين المعسكرين الغربي والشرقي.

وحدها السينما عاشت هذه الحروب لنتعرف من خلالها، وأحيانا من وجهة نظر هوليودية، على قلب الحقائق رأسا على عقب في حرب الفيتنام الشهيرة؛ إذ بدأ الفيتناميون كقبائل من الخوف والتسول وبدت الفيتناميات عاهرات يعرضن أجسادهن على الأمريكي في حالة من الخوف والاستعطاف… وحدها السينما خاضت حربا أخرى، حرب بروباغندا همهما الأول كيف يغدو الجندي الفيتنامي الشرس خائنا وهاربا وراميا للسلام ومفضلا الذل والهوان على لغة الشرف والكرامة.

تنقضي حرب الفيتنام بفصولها المريرة لندخل أزمة برلين ويختلط خيط رفيع بين أفلام الجاسوسية وأفلام الحرب، ولتتشابك الكثير من الخيوط في سؤال من يسيطر عسكريا بتحلفاته ومن يهيمن بثقافته وطرق الناعمة على العالم.

السينما تاريخ طويل من الحروب لا تنتهي حتى تبدأ حروب أخرى أكثر خرابا وهولا وحرقا للزرع والضرع. صورت السينما مآسي اللاجئين والقتلى واليتامى والشيوخ والأرامل وعويل الأطفال المر، كصرخة إنسانية، في أفلام بقت خالدة لا تخلو من نبرة تحيز، لتأتي الأزمة الكوبية وتدخل هوليود بترسانتها الإعلامية في تشويه ثورة وليدة في كوبا، وفي تصوير فيدل كاسترو وتشي غيفارا قطاع طرق ومجرمي حرب… وحدها السينما الهوليودية لها هذه القدرة الكبيرة بفضل إمكانياتها في تشويه خصوم وأعداء مصالح أمريكا أينما كانوا.

ينال العربي حظه من الحروب مع إسرائيل، وتدخل السينما الهوليودية لتعكس وجهة نظر إسرائيل وأمريكا المتحيزة لها؛ فنجد الجندي العربي يقاتل دون أن يعي لماذا يقاتل.. عاشقا لسفك الدماء.. لا يستخدم عقله وليس له القدرة على المساءلة ونقد الأوضاع، في حين تصور سينما هوليود، ومعها السينما العبرية، أن الجندي الإسرائيلي والأمريكي بطبعهما محبان للسلام.. يضحيان بنفسيهما في سبيل إنقاذ الأطفال والنساء، ويفضلان الموت دفاعا عن الآخرين ليحققا لهم سبل النجاة…

كم هي غريبة هذه السينما وهي تحيط نفسها بهالة كبرى وترصد رحى الحرب الباردة في أفغانستان، ليظهر رامبو بطلا لا يقهر… وتتسلل السينما الهوليودية إلى مخيمات صبرا وشاتيلا ويصبح الفلسطينيون أكبر صناع للضغينة والقتل والموت.

مسارات الجندي في السينما يمكن تقسيمها إلى الجندي العدو المتغطرس الذي يستحق الموت والقتل بلا رحمة، والجندي الأمريكي الذي تتعاطف معه السينما وتصوره وهو يودع قريته النائية ووالدته تذرف الدموع وأخته من شدة حبها لأخيها لا تستطيع توديعه وهي تذرف الدموع من وراء النافذة…

يجتاز فترة التدريب القاسية ويلقن خلالها كيف يحب الوطن ويستعد للموت من أجله ثم يرحل إلى العراق، سوريا، ليبيا، اليمن… حيث تصورها هوليود في صورة “القبائل الهمجية” و”شوارع الدم” و”المتعطشين للهجومات الانتحارية”…

وحده الجندي الأمريكي يعرض نفسه للخطر في سبيل انقاد العراقيات وهن يتعرضن لأشد أنواع الإهانة والذل والاغتصاب… وحده الجندي الأمريكي والسينما الهوليودية وهي تقيس درجة تخلف المواطن العربي وتصوره كأنه من زمن آخر… بدت كلمات الرئيس صدام حسين فاترة بلا جدوى وهو وينام والمسدس تحت رأسه ويستيقظ مرعوبا باحثا عن سرواله… يا لها من صورة يظهر فيها الزعماء وهم أقل شأنا “يذوبون” في نزواتهم الصغيرة… وحده الجندي الأمريكي قادر على معرفة خرائط بغداد والصحراء الكبرى للجزيرة العربية.

لا تكتفي هذه السيطرة وهذه الهيمنة للسينما الهوليودية حتى يظهر جندي من طينة حرب النجوم يلاحق الأعداء حد السماء، ويدافع عن الأرض فيصبح الأمريكي حامي هذا العالم. تظهر أنواع من المركبات الفضائية، هنا تختلط الحبال بين أنواع سينمائية من أفلام المغامرات والتجسس وحرب النجوم والخيال العلمي. الأعداء أو الجنود الأعداء لهم صفات غير بشرية.. متحولون.. ممسوخون.. همهم السيطرة على الأرض وتحويل سكانها إلى عبيد وحرمانهم من الماء.. صورة قاتمة ترسمها سينما هوليود عن الآخر بوصفه “الجحيم”.

فجأة واستلهاما من جندي حرب النجوم يظهر جندي آخر من طينة سوبرمانية: مواطن أمريكي عادي، بفضل ما وصلت إليه أمريكا في مجال الأبحاث يظهر هذا الأمريكي السوبرماني بخلفية الضفدعة والعنكبوت، والقادر على الغوص في أعماق البحار، والذي يصبح لهيبا في مواجهة الممسوخين من الأعداء.

السينما الهوليودية قادرة بفضل مؤثراتها أن تحارب الشر القادم من خارج كوكب الأرض ومن داخله معلنة عن مرحلة جديدة من النظام العالمي الجديد، سوبرمانية أمريكية سينمائيا تفرض ذوقها وحيواتها المختلفة على باقي الشعوب.

يظهر الصوماليون والإريتريون والروسيون والكوريون الشماليون… أشرارا وقراصنة وإرهابين وقطاع طرق. ويظهر الفلسطيني مجبولا متعطشا للدم، ويبدو النازي وقد استيقظ لتوه ومعه الفاشستي كطغاة يحملون ضغينة كبرى لهذا العالم. ويظهر الاشتراكي والشيوعي والعربي والبوذي والهندي… مخلوقات هشة تنتظر من الأمريكي صانع للسلام أن يعيد تأهيلها.

لم يسلم التاريخ القديم ولم تسلم الميثولوجيا الإغريقية هي الأخرى من التزييف، فحرب طروادة نفسها شهدت فضاعات هوليود وحولتها من حقيقتها الأسطورية إلى مجد أمريكي تنتصر فيه على قوى الشر… تلك هي السينما كما قال جون كوكتو: “شعب لا ينتج الصور محكوم عليه بالإعدام “.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • الصهيونية: فرق تسود
    السبت 4 فبراير 2017 - 01:16

    كل ما في الأمر هو أن الصهاينة المتحكمين بهليوود يريدون تجنيس الغوييم ( الأميون، يطلق على عير اليهود ) لإرسالهم و إحراقهم في حروب ليست لهم فيها لا ناقة و لا جمل، مثل العراق، الفيتنام، أفغانستان… حروب تخدم مخطط إسرائيل الكبرى التي تريد حكم العالم من القدس!! من جهة أخرى تلميع صورة الجيش الأمريكي عالميا و بالتالي تأييد الأغبياء دون شعورهم لسياسات أمريكا، لكن مع الأنترنيت و الشبكات الاجتماعية هيهات فهيهات

  • UkSami
    السبت 4 فبراير 2017 - 01:30

    مقال جد جيد. و زد على ذلك جوائز الأوسكار للنجاح في الكذب و البهتان.

  • الزايغ
    السبت 4 فبراير 2017 - 01:44

    تحليل جد ممتاز
    الفن يحمل في طيته طاقة بامكانها ان تغير مسار البشرية.

  • عبدو
    السبت 4 فبراير 2017 - 05:18

    افلام الحرب الامريكية دائما تجسد دلك الدور البطولي للجندي الامريكي للدفاع عن الحرية والسلم. من قبل كنا نشاهد افلام الحرب الامريكية في فيتنام اليابان اوربا مع العلم ان الجيش الامريكي تكبد خسائر بشرية ومادية في معركته ضد هاته الدول غير في الافلام دائما يخرج منتصرا والكلمة المشهورة العودة الى الديار…… اما افلام الحرب ليومنا المعاصر تدور احداثها بين العراق وأفغانستان وباكستان لان الوضع العالمي تغير ومازالت السينما تقدم لنا تلك النمادج البطولية الخرافية

  • Filali
    السبت 4 فبراير 2017 - 05:39

    السينما الغربية الهوليودية دائما تصور الأوروبي الغربي في صورة إنسانية حتى لو تعلق الأمر بالحروب و المذابح التي اقترفوها، و اضرب مثالين: أولهما الحضارة الرومانية حتى في أبشع صورها يقدمونها على أنها بلد التحضر و مهد التطور الإنسانى و رمز للديموقراطية ، و هذا ضد الحقيقة تماما ، يكفي أن اضرب مثالا على وحشية هاته الإمبراطورية ، كان الرومان يتسلون بمشاهدة قتل الأطفال و النساء و العبيد في المدرجات و المؤرخون الغربيون يقدرون ضحايا هذه الرياضة المسلية ب 800000 الف. ثاني مثال هو تصوير الحربين العالميتين في هوليود، فرغم وحشيتها دائما يكون الجندي الغربي باديا بصورة إنسانية، و الحقيقة أن مجموع ما قتل خلال الحربين العالميتين بأيدي الأوربيين في 10 سنوات هي مدة الحربين أكثر مما قتلت جميع الشعوب الأخرى منذ بداية التاريخ ، و للأسف البعض منا ممن لا دراية له بالتاريخ يصدق ما تمليه الدعاية الغربية على أن العرب و المسلمين سفاحون قتلة. و من هذا المنبر أدعو كتاب هسبرس ممن لهم دراية بتاريخ أوربا أن ينيرونا بمقالات عن تاريخ أوربا الأسود حتى تكون المقارنة عادلة.

  • مواطن درجة ا
    السبت 4 فبراير 2017 - 08:01

    أود فقط أن أذكر الكاتب أنه وان ظلت هوليود مركز السينما العالمية. ..إلا أن جودة الأفلام في تدني مستمر…إلا القليل القليل…وصراعات وصراحتا في نفس أمريكا افلام مستقلة أكثر جودة وبمواضيع مهمة لا يصل لها القليل لصعوبات التوزيع لا يعرفها سوى رواد المهرجانات … أما عن افلام الحرب فهي نوعان ..افلام لتفريغ الكبث التدميري الغراءزي لدى الشخص ولا تهم كثيرا القصة…أو قصة" واقعية" عن التحول الفوق حيواني للشخص جراء أجواء الحرب وفضاعتها. .. وكل الأنواع لها الحق في التواجد أن ظل المحدد هو انها ليست الا خيال …ماهو خطيره الفئة التي تشاهد تلك الأفلام. ..من ناحية السن…الوعي…والأمراض المختلفة. .. وهذا ما يجعلنا نشاهد حرب أخرى حقيقية ربما في بعض الأحيان مستلهمة من ذلك في الجامعات
    …وعند الجنود الأمريكيين …

  • Abdou
    السبت 4 فبراير 2017 - 10:45

    و ما الذى يمنع العرب بأموالهم الضخمة أن يفعلوا نفس الشيء ؟
    الجواب تشتت العرب و إسناد الامر الى غير أهله

  • ismail
    السبت 4 فبراير 2017 - 11:55

    Dans les films américains,le soldat us est le sauveur qui apporte la liberté et distribue des tablettes de chocolat aux enfants .Il a toutes les qualités qu'on peut imaginer:courageux,brave,jovial,intelligent,beau et toujours souriant.Grâce à cette image plus que positive la tâche du Pentagone est facilitée.Les films qui critiquent la politique internationale des USA et dénonce les gaffes sont boycottés et leurs réalisateurs sont mis sur la selette ,dans la liste noire.la démocratie est un leurre,un bluff au pays de l'oncle Sam

  • فاس ستي
    السبت 4 فبراير 2017 - 12:32

    مقال جد جد رااائع.مع الاسف هذا هو الامر

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19 7

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | عصام الشرعي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | عصام الشرعي

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 3

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 6

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 5

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي