خمسون سنة على انطلاق قطار الحركة الإسلامية بالمغرب

خمسون سنة على انطلاق قطار الحركة الإسلامية بالمغرب
الأحد 12 فبراير 2017 - 18:59

بداية سنة 1967، كان المغرب على موعد مع التمهيد لتحول تاريخي جديد، ببروز كتاب مؤثر كبير هو كتاب “معالم في الطريق” للشهيد سيد قطب، الكتاب الذي طبعه وروجه بالمغرب والعالم، الزعيم الوطني الراحل، علال الفاسي.

وقبل ذلك، وبانصرام شهور يوليوز، غشت، شتنبر 2016، يكون قد مر على وضع اللبنة الأولى لمشروع الحركة الإسلامية بالمغرب، ربع قرن بالتمام والكمال، بدءا من يوم فريد هو يوم 22 يوليوز 1966، الذي يبقى يوما تاريخيا محفورا في ذاكرة العارفين الخواص القلائل، الذين كانوا في نفس الوقت الجنود المجهولين الأخفياء في توليد الحركة الإسلامية من رحم الشعب المغربي، من نخبه العليا ومن طبقاته الدنيا، وكانوا من المؤسسين والرعاة الكبار لاستنبات نبتة المشروع الحركي الإسلامي، النبتة التي كانت آنذاك فسيلة هينة ضعيفة، لا يؤبه لها عند غراسها في صحراء المجتمع المغربي القاحلة من الفكر الإسلامي الحركي التنظيمي، ثم هي الآن حقول مترامية متنامية ممتدة، متنوعة الأشكال والألوان والأحجام.

إنه اليوم الذي حل فيه بأرض المغرب، ضيفا مرحبا به، مستقدما من الشرق، المفكر السوري الأصل، السياسي والداعية: الدكتور عمر صدقي بهاء الدين الأميري، المعروف لدى الأوساط الجامعية ولدى النخبة المثقفة والسياسية المغربية بـ: شاعر الإنسانية، والشهير لدى النخب الحاكمة والسياسية في العالم العربي والإسلامي بشخصيته السياسية الفذة، ووساطاته النافذة في حل الخلافات والصراعات السياسية بين الأطراف والفصائل الوطنية، وضلوعه في توجيه القضايا الكبرى للأمة الإسلامية.

الرجل الذي كان تلميذا روحيا خلال ثلاثينيات القرن الماضي للمفكر الإسلامي الأمير شكيب أرسلان، ملهم القادة المؤسسين للحركة الوطنية المغربية، والرجل الذي كان رفيق الشهيد حسن البنا المرشد العام المؤسس لحركة الإخوان المسلمين، بعضويته في مكتب الإرشاد الأول، وتمثيليته لقيادة الحركة بسوريا.

كانت هذه المهمة، مهمة استنبات الحركة الإسلامية بالمغرب، مطمحا غاليا لبعض كبار القادة الوطنيين بالبلاد، وبعض كبار العلماء، حينما عجزت الحركة الوطنية في جناحها المحافظ، والحركة العلمائية بجناحيها الرسمي والشعبي، أن تقاوم وتواجه المد الجارف والقاهر للتيارات الفكرية المتأثرة بالمنظومة الإيديولوجية الشيوعية والاشتراكية والماركسية الفائرة كالبركان من الاتحاد السوفياتي ومعسكره الشرقي ومن الثورة الصينية والكفاح الفييتنامي، خصوصا عندما تدثر هذا المد الثقافي الإيديولوجي بالصراع السياسي القائم آنذاك بين النظام السياسي للحسن الثاني، والجناح الراديكالي للحركة الوطنية، المناهض للملكية ونسقها السياسي الديني التقليدي ممثلا في صفة الملك الدستورية أميرا للمؤمنين، الصراع الذي كان يخوضه حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مسنودا بالحركة السرية للحزب الشيوعي المغربي المحظور.

وهكذا نهض لهذه المهمة بالاتصال بالدكتور بهاء الدين الأميري واحتضانه واستضافته بالمغرب ثلاثة من كبار رموز ورجالات الحركة الوطنية، ومن القادة السياسيين بالبلاد، وهم الزعيم علال الفاسي مؤسس الحركة الوطنية ورئيس حزب الاستقلال، والدكتور عبد الكريم الخطيب قائد جيش التحرير المغربي، والرئيس الفعلي المؤسس للحركة الشعبية، ورئيس البرلمان المغربي المنحل، ثم المؤسس والقائد لحزب الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية؛ والحاج محمد الشرقاوي صهر الملك، الرمز الوطني المؤسس لحزب الشورى والاستقلال، وأحد أعضاء الوفد المفاوض لفرنسا على الاستقلال من قيادة حزب الشورى والاستقلال، ووزير الدولة في حكومة الاستقلال، ثم وزيرا للاقتصاد فوزيرا للتنمية ثم وزيرا للخارجية آنئذ، حينما كان أول من أخذ المبادرة في عرض استضافة الأميري، صديقه الحميم، منذ أيام العمل الوطني بمكتب القاهرة.

وفي هذه البدايات، تحولت منازل هؤلاء القادة الوطنيين، إلى مأوي لاجتماعات متتالية، تجمع نخبة الوطنيين المغاربة، من مثقفين وسياسيين ورجال أعمال، يستعرضون آراء مواجهة التحلل الفكري والعقائدي والأخلاقي الذي أغرق شباب البلاد، ويتدارسون سبل قيام الحركة الإسلامية.

ومن ثم كانت القناعة المهيمنة على تفكير علال الفاسي ورفاقه، هي أن البلاد في الحاجة القصوى إلى تأسيس حركة إسلامية منظمة، وكانت القناعة هي عينها التي شغلت تفكير أقطاب الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي، ورموز الدعوة الإسلامية وأساطين الفكر الإسلامي عبر المعمور، هؤلاء وأولئك، لم يكن علال ليخلف لهم موعدا في أنشطتهم وروابطهم ومنتدياتهم الدولية، فقد كانوا يرون فيه مرجعا كبيرا تاريخيا للأمة الإسلامية، ويجمعون في قناعاتهم على أنه هو المؤهل المفرد لقيادة وتأسيس الحركة الإسلامية بالمغرب، ويناشدونه الاضطلاع بهذه المهمة النبيلة، لإنقاذ البلاد التي كانت تنزلق نحو هاوية الفكر المعادي للإسلام، المناوئ للدين والتدين، ولتخليص الشباب من براثن التيارات الهدامة.

غير أن علال كان يرى في التزامه السياسي بقيادة حزب الاستقلال، عائقا ذاتيا، يمانعه من النهوض بهذه المسؤولية، والتي كان مؤمنا بضرورتها حتى النخاع، على أنه لم يتردد في أخذ المبادرة المتجلية في تفجير ينابيع الحركة الإسلامية من صخرة قاعدة المجتمع، عندما عمد إلى طبع ونشر كتاب “معالم في الطريق” للشهيد سيد قطب، بداية سنة 1967، ومباشرة بعد تنفيذ حكم الإعدام فيه، في سابقة هي الأولى، استبق بها المغرب غيره من الأقطار في العالم.

فلم يكن ليفعل، كما ذهب عموم المراقبين، أنه فعل ذلك نصرة لمظلومية الشهيد سيد قطب، الذي كان صديقا حميما له، وإنما كان علال الفاسي يتقصد متعمدا أن يتفاعل كتاب المعالم مع عقول الشباب، فيكون بمثابة الكيمياء التي تفجر بمفعولها صخر العجز والجمود والهزيمة الفكرية، وبالفعل فقد كانت المبادرة ناجحة الأثر، وناجعة النفاذ، إذ كان كتاب المعالم، بمثابة الإنجيل المقدس لشباب الحركة الإسلامية، في كل أقطار العالم العربي والإسلامي، ونبراسا هاديا استنارت به قطاعات واسعة من شبيبة الأمة الإسلامية، وتمددت من خلاله رقعة العمل الإسلامي.

وقد كان علال الفاسي يرى ببعد نظره الثاقب أن كتاب المعالم الذي كان سبب استشهاد مؤلفه سيد قطب، لا يضاهيه كتاب في إلهاب الحماس الديني لدى الشباب، وفي غرس البعد الحركي التنظيمي في ثقافة العاملين في حقل الدعوة الإسلامية.

وفي المغرب تلقف المعالم بعض من الشباب، في بعض من المدن المغربية، وتشكلت بعض الأنوية حول الكتاب لمدارسته، واسترفاد الحمية الدينية من معانيه، غير أن هذا التفاعل بقي محدود الأثر، لعدم اكتمال شروط الوعي القيادي الحركي في نفوس أصحابه، إلى أن حانت ساعة الحسم في رسم مصير المغرب، الذي كانت المخططات العالمية الجهنمية تريد له اللحاق بالمعسكر الشيوعي، لكن كتاب المعالم الذي طبعه علال، فعل فعلته في خلاص المغرب المترنح المتأرجح، فكانت هذه السنوات الأخيرة من الستينيات مرحلة تحضيرية، رعاها أولئك الأعلام الوطنيون الكبار، بإرشاد وتوجيه من صديقهم المبجل، وأحد الرموز الكبرى للحركة الإسلامية في العالم، الدكتور الأميري، وأفضت هذه المرحلة إلى بروز تجارب التنظيم الحركي وانضواء الشباب الإسلامي المتدين في صفوفها بداية سنوات السبعينيات.

وبذلك تكون سنة 1966 ومطلع سنة 1967، المحطة التي انطلق منها قطار تأسيس الحركة الإسلامية بالمغرب، ويكون عمرها الزمني الآن هو ربع قرن.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • Ait talibi
    الأحد 12 فبراير 2017 - 20:02

    D'abord en tant que marocain, j'ai honte de vous et de votre allal qui prétend etre nationaliste et en meme temps il va chercher comme un nain des maitres égyptiens intégristes. Quoi qu'on dise de Hassan deux le père de la patrie marocaine, il était un vrai marocain dans ses gouts ,dans ses habits dans la promotion de l'architecture marocaine, et en politique un vrai génie, il nous a évité cette schysophrénie des frères musulmans que le petit colonisé que tu appelles allal voulait nous l'introduire au maroc. Notre islam marocain tu ne le connais pas, ce soufisme profond de Ben Mchich et d'ibn Arabi t'es inaccessible car pour le comprendre il faut te libérer de la haine et de la frustration qui habite l'islam pathologique des frères musulmans qui croint que tous les autres musulman sont dans la jahiliya sauf eux. ce sont les parole de sayid Kotb

  • الرياحي
    الأحد 12 فبراير 2017 - 20:42

    خمسون سنة من التخلف ، كان المغرب أحسن حالا بدون عوراة ولا هولسة مختلط منسجم في دينه وسلوكه متوازن.
    خمسون أوصلت "بسيكوباتpsychopathe " إلى الحكم باتت جثة سياسية وضعت كرامتها فوق كرسي ونامت فوق الكرسي لن تفارقه حتى يفنن خشب الأرز cèdre d'Alep.كل متاجر في الدين يلهث وراء السلطة ويضع أوساخه فوق دين العالمين.التاجر في الدين يحكم "تحت مراقبة الله ورعايته" ومن قال أف فهو زنديق من الخوارج.عنده الناس صنفان أما خاضع مطيع أو زنديق يحق فصل رأسه على جسده كما صرح أحدهم بمساندة محلل البوكير ونائبة أنزلتها مظلة.
    نحن بصدد تكوين طبقة جديدة ,طبقة الجياع دون نبل ولا كرامة همه الكسكس وتعدد النساء وقيطنتهم (من قيطون) كأشباح لا إنسانية

  • كارهة الضلال
    الأحد 12 فبراير 2017 - 21:54

    يقول كاتب المقال :

    "كانت آنذاك فسيلة هينة ضعيفة، لا يؤبه لها عند غراسها في صحراء المجتمع المغربي القاحلة من الفكر الإسلامي..!.."
    بمعنى : قبل دخول كتب "الاخوان المسلمين " كانت تسود " جاهلية "
    في المغرب ..!؟..ولا يعترف بالاسلام المغربي منذ قرون

    هنا يكمن خطر "الاخوان المجرمون " ومخططاتهم الجهنمية التحكمية
    التي تريد تطويق المجتمع والسيطرة عليه شعبا و مؤسسات
    ولكن هيهات الشعب المغربي ليس وليد اليوم سيدي
    وسنتصدى لكل الظلاميين وتجار الوهم

    كارهة الضلال

  • anwar saed
    الأحد 12 فبراير 2017 - 23:52

    وبذلك تكون سنة 1966 ومطلع سنة 1967، المحطة التي انطلق منها قطار تأسيس الحركة الإسلامية بالمغرب، ويكون عمرها الزمني الآن هونصف قرن.

  • وكأن التاريخ ...
    الإثنين 13 فبراير 2017 - 02:10

    … يعيد نفسه ، حيث أن الإمارات الخوارجية تقاسمت النفوذ في المغرب منذ أن استقلت عن الخلافة في المشرق سنة 122 هجرية ، إلى أن تأسست إمارة المؤمنين السنية سنة 172 هحرية بإمامة إدريس بن عبد الله ، فيكون عمرنفوذ الإمارات الخوارجية نصف قرن.
    يرجع الفضل إلى الأمازيغ في إقامة أول دولة لأهل البيت في بلاد الإسلام ومنذ ذلك التاريخ والدولة في الغرب الإسلامي قائمة على الدفاع عن كتاب الله وسنة رسوله .
    وهكذا تكون التنظيمات الإسلامية المشار إليها في المقال والتي ظهرت ابتداء من 1966 وعمرت نصف قرن خوارجية تنتفي شرعيتها بوجود إمارة المؤمنين.

  • Ait talibi
    الإثنين 13 فبراير 2017 - 19:30

    Voilà la preuve à l'appui cité par leurs journalistes que leurs mouvement est fondé par les frères musulmans de l'égypte et de la syrie. Nous exigeons , en tant que citoyens marocains que ce mouvement ainsi que son parti ne fasse pas partie dans les projets que le royaume marocain mène en afrique, car il nous dénigrera aux yeux des africains en leur apprenant que l'islamisation du Maroc s'est fait par des prédicateurs egyptiens et syriens. Vous allez perdre tout vos projets

  • يوسف ماليزيا
    الإثنين 13 فبراير 2017 - 20:40

    شكرا لصاحب المقال على هاته الخطوة التاريخية لفترة هامة من فترات التاريخ الاسلامي في المغرب. نتمنى المزيد

  • عبدالله ك
    الإثنين 13 فبراير 2017 - 22:37

    مقال جيد و نبذة تاريخية عن كيفية نشأة الحركة الإسلامية في المغرب و التي يجهلها معظم المغاربة
    مجهود مشكور عليه و توضيحات لم أكن شخصيا اعلمها خصوصا انها ظهرت في زمن استشرى فيه المد الشيوعي في المغرب و في باقي البلدان العربية و الاسلامية و الذي اتضح الآن انه كان من بين الخطط الصهيونية العالمية و لا زلت اذكر حينما كنّا ندرس خلال السبعينات و الثمانينات سواء في الثانوية او الجامعة حيث كان الصراع العقائدي و الايديولوجي في أوجه بين التقدميين و الإسلاميين و كنّا نأمل ان يتوقف الزمن لأننا و كأننا في حرب حامية الوطيس بين الطلبة و الاستاذ كان يلاحظ فقط من دون تدخل او دعم جهة على اخرى. تلك ايام قد خلت

  • تعليق
    الثلاثاء 14 فبراير 2017 - 06:02

    بينما كانت كوريا تكون جيلا من العلماء والمهندسين كنتم تكونون جيلا من الدعاة والمخرفين والنتيجة امامنا
    اصبحنا لا نميز بيننا والمشارقة بعد الغزو الوهابي. حتى ملبسنا لا يروق اسيادكم
    اين نحن من اسيا وكوريا خصوصا التي كانت افقر من بلدنا في الستينات
    اليس كوريا مثال يقتدا به عوض المشرق الوهابي
    بفضلكم سنخرج من التارخ

  • إبراهيم بومسهولي
    الثلاثاء 14 فبراير 2017 - 12:03

    خمسون عاما من الاعتداء على العقل و التخلف والتضبيع والعودة إلى ما قبل العقل والقتل والترويع. قرأت كتاب" معالم في الطريق" اكثر من خمس مرات، واقسم بالله العلي العظيم انه في كل مرة اتأكد بما لا يدع مجالا للشك أن كاتبه أحمق لا عقل له، قراءة الكتاب بتمعن تدل على أن الشخص الذي كتبه مرفوع عنه القلم تماما ولا يمكن أن يفسر انتشار الكتاب إلا بقوله تعالى :"فاستخف قومه فاطاعوه" صدق الله العظيم.

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17 6

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36 1

ضيوف من الفضاء

صوت وصورة
أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 15:32 5

أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء

صوت وصورة
أبي رقراق ينبض بالحياة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 13:32 1

أبي رقراق ينبض بالحياة

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18 4

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟