زلزال الريف بين حكومة ضعيفة ومعارضة غائبة

زلزال الريف بين حكومة ضعيفة ومعارضة غائبة
الجمعة 2 يونيو 2017 - 03:32

مايقع في الريف هو زلزال اجتماعي، تتمدد تموجاته تصاعديا، وقد تتمدد لتشمل كل شمال البلاد، بل والأخطر من ذلك ، أنها قد تتمدد لتغشى مدنا أخرى أو قرى في عرض البلاد وطولها، فالطبول التي تقرع في الريف توشك أن توقظ الأرواح التي كانت قد انبعثت سنة 2011 ثم سكنت مع التحولات المأساوية للربيع العربي.

الرسالة كانت واضحة ليلة الخميس 18 ماي من حناجر الآلاف التي حجت من كل فجاج الريف العميقة، لتحتشد في الساحة الكبيرة للحسيمة، وتعلن في غضب وتحد عن انقطاع الحبل بين حراك الريف وبين الحكومة وأحزابها.

والرسالة أكثر وضوحا الآن بعد مجازفة السلطة بإقحام القوة والعنف والقمع في مواجهة الحراك الغاضب المتصاعد، وإدخال الريف وشمال البلاد في نفق طويل من الاعتقالات والاختطافات والمحاكمات، بالشكل الذي لا يقدر أحد على ضبط مآلات هذا الخيار العنيف،ولا أن يتوقع منعرجاته التي قد تهوي به في واد سحيق.

ويبدو أن الحكومة قد انجرت إلى حالة من التخبط والارتباك والتناقض، أظهر ضعفها وعجزها، وغيبة امتلاكها لإستراتيجية سياسية مستقلة، عن التدخلات والإملاأت، تتمكن من خلالها ،من مسك زمام المبادرة بالتصدي إلى احتواء الأوضاع قبل الإنفلات، عبر الوسائل السياسية التي لا تخرج عن نطاق منهج الحوار، بالخطاب السياسي المهدئ والمقرب، بعيدا عن التخوين والتنفير، وبالعروض السياسية للحلول الواقعية أو الواعدة، على مائدة من المفاوضات والمحادثات التي تشرك رموز الحراك، بعيدا عن التهميش والإقصاء والتجاهل، ومع الصبر الطويل والجميل والأناة التي تفتت الصخر الجلمود.

ففي ظرف عشرة أيام، دارت الحكومة حول نفسها من نقيض إلى نقيض، ومن خطاب إلى خطاب إلى خطاب مضاد، في حالة من التيهان والشرود، بل إنها في لحظة من اللحظات، كادت أن تمسك الخيط الرفيع، وتحقق مكسبا هائلا ، ويكون لها الإنجاز التاريخي بضربة معلم، حينما نزلت برجالاتها ووزرائها المركزيين إلى قلب الميدان المنتفض، وكادت أن تؤسس لآليات من التصالح وطي صفحة الاتهام بالانفصالية واتآمر، ومن ثم كادت أن تبني قنوات مد التواصل والارتباط والتفاهم مع الريف الغاضب النافر، لرسم معالم ومشاريع حلول مطمئنة، لولا أن هذه الحكومة، وفي تحول مفاجئ ومتسرع وصادم، سحبت مبادرتها الذهبية، التي كانت ستكون هدية من السماء إلى المغرب المتوجس والمترقب، وانسحبت بشكل غير ناضج إلى موقع الاتهام والهجوم وإعلان القطيعة، بل إعلان الحرب، بالمداهمات والاعتقالات، ماإنه ليس بمحسوب ولامأمون العواقب، وماإن البلاد كانت في غنى عن هذا الإنزلاق، وكم كان الصبر وتمديد الانتظار كفيلا بإنضاج الثقة وتوليد الوساطة القادرة على حمل الحراك الريفي على التهدئة والعودة إلى البيوت.

لقد حادت الحكومة عن المنهج الصائب والدقيق حينما اعتقدت أن قبضة من حديد قد تفكك الحراك المنتفض، وتغافلت أنها بذلك سترقص فوق برميل بارود، حينما تغافلت عن القراءة السليمة لمخزون التاريخ، وحقائق الجغرافيا، لمسرح الأحداث الملتهب: الريف العنيد.

وإقحام هذا الريف العنيد في دوامة الاعتقالات والمحاكمات، هو مجازفة بهيبة الدولة بين يدي تاريخ طويل من التمرد والعتو في مواجهة أشرس الأمبرطوريات الإستعمارية، وهو مجازفة أيضا بين أنياب جغرافيا، توارثتها أجيال تشربت بين تضاريسها العناد والعصبية الريفية والتلاحم الأسري والتسيب القبلي الدائم عن سلطة المركز.

إن الطريقة التقليدية البائدة في تفكيك الاحتجاجات الحراكية ومحاصرتها بالزج بمن يظهر في طليعة الحراك من رموز ومتنفذين، الزج بهم في أتون الاعتقالات والمحاكمات والسجون، كمنهج في فصل الرموز عن القواعد، من أجل تذويب هذه القواعد وتفتيتها وتوهين موقفها واستمراريتها، هي طريقة سترتد على أصحابها، لأن هذه القواعد وفي غياب الوسائط القائدة، لم تنتجها قيادات متمرسة ومتحكمة، وإنما أنتجتها العفوية، ومن واقع العفوية اصطنع الحراك رموزه، من بسطاء رجاله، ولعل أبرز نموذج لذلك هو ماتجلى في ظاهررة رمزية ناصر الزفزافي.

وإذا كانت العفوية والبساطة والانفصال عن الوسائط، هي رحم هذا الحراك الريفي، فإن هذا الرحم سيبقي مستمرا في التمخض وإنجاب رموزه الجديدة، بالشكل الذي يجعل ضرب الرموز وتحييدهم بالاعتقال منهجا قمعيا غير ذي جدوى ولاتأثير، إن لم يكن مولدا لمزيد من التصعيد.

إن المعارضة بشقيها البرلماني والنضالي تبدو الٱن غائبة عن مسرح الفعل، أوبتقدير ٱخر عاجزة عن الولوج إلى مربع التوجيه والإنضاج، ولكن هذا العجز سيندثر مع حضور إرادة جادة ووطنية في إنقاذ الوضع، والانغراس في قلب الحراك نضاليا، ومواجهة المسؤولية الحكومية عن تفاقم الأوضاع، ومواجهة الإجراأت القمعية، بالعمل جديا وقويا على إطلاق سراح المعتقلين، ووقف المحاكمات لتحل محلها ا لمفاوضات والمصالحات بالنظر في المطالب الاجتماعية المشروعة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • ايت
    الجمعة 2 يونيو 2017 - 10:18

    مازال المخزن يسير في اتجاه تغليب المقاربة الامنية،بامداد اجهزته بتعزيزات امنية بشرية من مدن الجنوب.هذا دليل على انه كمن يريد اطفاء النار بالنار…ناسيا ان النيىران ممكن ان تاتي من الخلف ايضا.وستتمدد.الى كل الانظمة المشابهة ان احترقت الجمهوريات ووقع بها ما وقع رغم تن تاريخها الزمني قصير نسبيا مقارنة مع تاريخ الملكيات..فلا احد يعلم اين ستقف النار ان اشتعلت الغريب هو صمت الحكومة المطبق وتواري رئيسها عن الانظار .وحتى ان لم يكن بمقدوره فعل شيء لان ليس بيده شيء اصلا فليلعب دور الصحاف وزير الاعلام العراقي ايام صدام،على الاقل اما التواري والسكوت فهو نوع من الجبن…..ولعب سياسة تجييش جيوش المقدمين ورجال السلطة والمخزن لخوض حروب الانترنت على الفايس والتعليقات لن يجدي نفعا..

صوت وصورة
مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 22:05 1

مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش

صوت وصورة
أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 21:36

أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية

صوت وصورة
مقر الطيران العربي بالرباط
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 19:31

مقر الطيران العربي بالرباط

صوت وصورة
طريق متهالكة تعرقل التمدرس
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 15:15 3

طريق متهالكة تعرقل التمدرس

صوت وصورة
الأباتشي في عرض جوي بمراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 12:43 7

الأباتشي في عرض جوي بمراكش

صوت وصورة
سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 09:15 10

سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة