مذكرات صحافي لا يشبه الآخرين ـ 12 ـ وسام الاختلاف وكرسي الاعتراف

مذكرات صحافي لا يشبه الآخرين ـ 12 ـ وسام الاختلاف وكرسي الاعتراف
الأربعاء 7 يونيو 2017 - 15:06

في هذا المكتوب، الذي ينشر على حلقات طيلة شهر رمضان، دعوة صادقة إلى الإقبال على الحياة. إنه يقول، من خلال سرد أحداث واقعية من حياة إعلامي مغربي قهر المستحيل بقدم واحدة، إن الحياة جهد وعرق وتضحية.. وإنها – قبل ذلك وبعده – جميلة حقا، وتستحق أن تعاش.

الحلقة الثانية عشرة

ولو سئلت اليوم ما كانت أتعس لحظات حياتك لقلتُ: حين ينكسر حذائي الطبي الطويل. وكان والدي يتكفل بإصلاحه فيطرق حديده ويعقد أسلاكه ثم يغطيها بالقماش. كأنها رجلي تُطرق وتُعقد بالأسلاك وتُغطّى! ولا أعرف، على وجه الدقة، أية مشاعر كانت تنتابني في تلك الأُثناء. لكن ظلال المشاعر الراسبة في الأعماق تهتز وهي ترى الصورة الطافية على سطح الذكريات: الفتى يجلس القرفضاء ويراقب الوالد كيف يُعمِل أسلاكه في الحذاء الطبي. وكان أبي يقول، بعد أن يعض شفته العليا:

– شفت أًصاحبي.. هكذا الخدمة تكون.

ولم أكن أُبدي التذمر أو الجزع، رغم حداثة سني. وقد عشت اختلافي في جزئياته وتفاصيله كما لو كان وسما – بل قل وساما – يميزني عن الآخرين. وسعيت إلى اكتشاف مكامن الاختلاف عند الآخرين.. كأنني أبحث في الوجه الصبوح عن الشامة السوداء تزينه!

والاختلاف منبعٌ للجمال وطاقة للإبداع. وكل إنسان نسيج لوحده. وهو ما يمنح للحياة إيقاعها الإنساني الفريد، وإلا لاستحالت موطنا لكائنات متشابهة كأنها معمل لتصبير المعلبات !

وإني لأذكر يوم اقترح الأستاذ أن نلعب “كرسي الاعتراف”. كان الموسم الدراسي يشارف على الانتهاء. وقد ارتسمت صفرة كئيبة على الساحة خارج القسم. وبين الفينة والأخرى، كانت تدور على الأرض زوبعة رملية صغيرة، فأنظر إليها من خلال النافذة وأعجب. وإني لألمح الأستاذ من طرف خفي وأرجو أن لا يدعوني إلى ذلك الكرسي قبالة التلاميذ. وقد كان شابا طيبا يكد في عمله ويحتضن تلاميذه. ولطالما قرأ خربشاتي فأثنى علي. ولعله كان يبالغ في الثناء، فأخجل من ذلك غاية الخجل.

وحدث ما لم أكن أريد. فقد أشار إلي الأستاذ بالقيام، فاتخذت مقعدي وجلست أنتظر الأسئلة. وكانت لطيفة، على العموم، لا إحراج فيها. حتى انبعث من بينهم تلميذ جسور، ووقف يلقي السؤال الصاعقة:ho

– ألا تشعر بالنقص لأنك تلميذ معاق وسط تلاميذ أصحاء؟

ووسط السكون المفاجئ الذي حل بالفصل الدراسي، تحرك الأستاذ على كرسيه، واستدار بكليّته نحوي، وقال:

– يمكنك أن تتحفظ عن الإجابة.. قل “أمرّ” ونمضي إلى سؤال آخر.. هذه هي قواعد اللعبة.

أعترف أن قلبي كان يطرقُ ضلوعَ صدري بعنف. وقد نشف حلقي من وقع المفاجأة، إذ لم أتصور أن يسأل صديق ذاك السؤال الذي بدا، في ساعته، محرجا. وقد كنت صبيا صغيرا لم يسمع في غالب حياته سوى عبارات الإعجاب.

وقلت وأنا أسمع دقات قلبي تخرج من فمي مع الكلمات:

– نعم.. كنت سأشعر بالنقص لو كنت في حلبة ملاكمة. ثوان قليلة كانت تكفي ليسقطني الخصم أرضا. لكن هذه الإعدادية “حلبة” للعلم. وعضلات عقلي قوية بما يكفي لأصمد إلى آخر نفس !

وصفق التلاميذ. ونظر إلي الأستاذ الطيب نظرة لا تزال في عيوني بعد أزيد من عقدين من الزمن. وإني لأعجب، اليوم، كيف قلت ما قلت ولم أكن سوى فتى صغيرا لم يبلغ سن الرشد بعد.

وحين انتهت الحصة الدراسية، دعاني الأستاذ إلى مكتبه. وقال وهو يشد على كتفي:

– أنت مختلف يا صاحبي.. لا معاق ولا هم يحزنون.. أخرج إلى الناس باختلافك عنهم.. وأدهشهم.

في ذلك اليوم، ورغم الموقف الدرامي الذي رجّ أعماقي، فقد قررت أن أستثمر اختلافي ومواهبي.. لأدهشهم وأبهرهم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • الجمال
    الأربعاء 7 يونيو 2017 - 17:42

    الجمال والإبداع هما نتاج موهبة حقيقية…. سرد مكثف ومليء بالأحاسيس وعالمك الفني جميل ورائع.. دمت صانعا للجمال….

  • مصطفى
    الأربعاء 7 يونيو 2017 - 18:05

    تجربة تستحق الانتباه.. اشتباك أولي مع حالة تشكل القوة في عناصرها الداخلية. أحييك بحرارة على الجراة

  • هاشمي
    الأربعاء 7 يونيو 2017 - 18:41

    مقالة رائعة ..اسمع مني أبياتا شعرية ٍٍ
    أيا معشر المؤمنين هبوا *** اءلى طاعة الله الجنان
    ففيها أصبحوا وأمسوا *** فتلقوا ربكم بابتهال
    قد خاب من داس نفسه *** وجاس في الأرض بابتذال
    اءن الذنوب قيض وقيد *** وكسر القيود بألسن أماني
    وما التسويف بخير واءنما *** الخير سبق لرضا الرحمان
    واءن ربي لمحب *** لكل محب له ذو الجلال
    نعم.. كنت سأشعر بالنقص لو كنت في حلبة ملاكمة. ثوان قليلة كانت تكفي ليسقطني الخصم أرضا. لكن هذه الإعدادية "حلبة" للعلم. وعضلات عقلي قوية بما يكفي لأصمد إلى آخر نفس !

  • محمد
    الخميس 8 يونيو 2017 - 09:55

    العقل هو كل شيئ، لهذا يقال للبعض أحجام البغال وعقول العصافير، تحياتي أخي سمير

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط