خطبة الجمعة .. وصناعة المضمون!

خطبة الجمعة .. وصناعة المضمون!
الإثنين 30 أبريل 2018 - 11:59

يقدر عدد المساجد في ألمانيا –بمعنى مجموع المصليات التي تقام فيها الصلاة-بحوالي 2800 مسجد. وإذا ما افترضنا أن صلاة الجمعة تقام فيها كلها، إضافة إلى صلاة الجمعة التي تقام في السجون والإصلاحيات، فسنكون أمام كم هائل من الأفكار والمفاهيم الدينية التي تبث أسبوعيا باسم الإسلام، ويتلقفها أفراد الأقلية المسلمة ثم المجتمع ككل.

لهذا تعتبر خطبة الجمعة أداة فعالة إما لبناء الوعي الديني الإيجابي، أو العكس. وبتعبير آخر، فإن كل خطبة جمعة لا تخرج من حيث أثرها في الناس عن ثلاث مستويات:

أولا: خطبة ذات مضمون مفيد.

ثانيا: خطبة ذات حمولة مضرة.

ثالثا: خطبة عقيمة، لا هي مضرة ولا هي مفيدة، بمعنى أن المصلين أدوا فرض الجمعة تعبدا، ثم انصرفوا إلى حال سبيلهم من غير أن يكون لمضمون الخطبة أثر في تصوراتهم وأفكارهم الدينية والفكرية.

والسؤال الضروري المتبادر إلى الذهن الآن هو: على أي أساس يمكننا تمييز الخطبة المفيدة من المضرة من العقيمة؟ ما هي المعايير التي نحكم على أساسها بأن هذه الخطبة أو تلك تصنف ضمن هذا المستوى أو ذاك؟

الجواب عن هذا السؤال على نحو مقبول لا أراه متوفرا في الوقت الراهن؛ وذلك لانعدام مقومات إيجاده. هذه المقومات تتمثل في غياب عملية التقييم والتقويم الدوري لخطب الجمعة، وهي عملية تتوقف بدورها على شروط موضوعية يأتي على رأسها توحيد المرجعية الدينية، وضبط الخطاب الديني المنفلت، وإعداد الخطباء على نحو يمكنهم من رصد مضمون خطبهم وطبيعة أثره في المتلقين، … إلخ.

هذه الشروط الموضوعية إما أنها منعدمة أو غير مفعلة على نحو إيجابي، وهو ما يعكس تشتت كثير من خطب الجمعة بين مواضيع سياسية وعقدية وإيديولوجية… إلخ، ليس لها من علاقة بالمنبر سوى أنها تزيد من تعميق الصراع المجتمي في البلدان المسلمة، وهو أمر أصبح ظاهرة في عموم بلدان العالم الإسلامي فضلا عن أوروبا المقصودة بهذه المقالة.

بسبب غياب عوامل الضبط والتقييم هذه، لم يعد مستغربا في أوروبا أن يحرص بعض الخطباء من ذوي التوجه الحركي على تناول الأوضاع السياسية في المغرب أو تونس، مثلا، مزكين بعض الأحزاب ومشيطنين بعضها الآخر…إلخ.

كما يحرص بعضهم الآخر من ذوي التوجه السلفي على تناول مواضيع الأضرحة وإقامة حفلات المولد في المغرب أو غيره من البلدان الإسلامية، معنفين أهلها ومتهمين إياهم بالشرك والابتداع. كما لا يتورع هؤلاء عن إثارة الخلافات المذهبية والعقدية من على المنابر، …إلخ.

ويحرص بعضهم الآخر على تناول قضايا العالم الإسلامي، حيث يرى هؤلاء مثلا أن إعلان ترامب نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، لا بد وأن يكون موضوعا للخطبة من غير تأخير، …إلخ. وحيث إن قضايا العالم الإسلامي ومشاكله متعددة، فإن هذا النوع من الخطباء لا يكاد ينتهي من قضية حتى ينتقل إلى غيرها، محللا ومنتقدا، وفق سذاجة معرفية وعاطفية دينية.

إلى غير ما هنالك من المحاور التي تذهب بخطب الجمعة أقصى اليمين وأقصى اليسار.

والنتيجة أن جميع هذه الخطب خارجة عن السياق الأوروبي تماما، وليست لها علاقة به، وآثارها السلبية على أفراد الأقلية المسلمة واضحة؛ منها أنها تشعرهم بالغربة عن المجتمع الذي يكونون على صلة به طيلة الأسبوع، فإذا ما دخلوا يوم الجمعة المسجد لملء قلوبهم بشحنات إيمانية ربانية، وجدوا أنفسهم قد فُصلوا ذهنيا وشعوريا عن هذا المجتمع، وأُلقي بهم ضمن أزمة من أزمات بعض البلدان الإسلامية. وحيث إن هذه الأزمات أعقد من أن يجد الخطباء لها حلولا؛ فإن ما يحصل عليه هؤلاء هو الانكسار النفسي، وبالتالي انتشار الإحساس بالمظلومية والمؤامرة، والقبول بلعب دور الضحية …إلخ، وهو إحساس نفسي قاتل.

إن بإمكان خطبة الجمعة أن ترفع من الوعي الديني والفكري لأفراد الأقلية المسلمة في ألمانيا وفي أوروبا ككل، بما يجعل تدينهم منسجما مع هذه المجتمعات التي تعرف تجمعات دينية أخرى، غير أنها لا تبدو في صورة النشاز كما هو حال الأقلية المسلمة التي تعرضت لموجات من المفاهيم الدينية المشرقية أربكتها في تدينها، ودفعتها في كثير من الحالات إلى الصدام مع المجتمع.

إن بإمكان خطبة الجمعة أن تساهم في إعادة بناء علاقات المسلمين البينية، وتتجاوز الخطاب العقدي المذهبي الذي أنهك–إلى جوانب عوامل أخرى-المجتمعات العربية.

إن بإمكان خطبة الجمعة أن تساهم في بناء الثقة بين الأقلية المسلمة وغالبية المجتمع، وأن تحد من شبح الإسلاموفوبيا الذي يجد مبرراته في عوامل كثيرة؛ منها خطابنا الديني.

إن بإمكان خطبة الجمعة أن تكون شكلا ومضمونا نابعة من البيئة الألمانية والأوروبية عموما، داعمة للسلم الاجتماعي، وللقيم الإنسانية …إلخ.

تحقيق هذه الإمكانات يحتاج إلى صناعة جديدة لمضمون الخطبة، هذه الصناعة لن تتحقق في رأيي ما لم يتحرر الخطباء في أوروبا من المؤثرات التالية:

*استحضار مشاكل العالم الإسلامي السياسية والاجتماعية …إلخ؛ فالتركيز على هذا الأمر يجعل الخطيب ينسلخ ذهنيا وشعوريا عن محيطه الأوروبي، وهو شعور ينقله بدوره إلى المتلقين.

*ضغط بعض المصلين الذين يلحون على الخطيب أن يتناول بعض هذه المشاكل، وهم في الواقع أفراد معدودون، لكن جرأتهم في الطلب قد يظن معها الخطيب أنهم يمثلون رأي الأغلبية، خاصة إذا ما كان هذا الخطيب في نفسه ميالا إلى هذه المواضيع، فيكون طلب هؤلاء عبارة عن دفعة خفيفة تجلعه ينغمس فيها ويركز عليها.

*القوالب التعبيرية الجاهزة، التي يحفظها بعض الخطباء ويرددونها دون الانتباه لقوة ألفاظها غير المنسجمة مع طبيعة اللغة والقيم التي استقرت عليها المجتمعات الأوروبية، خاصة في سياق العلاقة بالآخر. ويدخل هنا على سبيل المثال حصر دعوات الخير للمسلمين، أو لمسلمين وفق مذهب عقدي معين، وفي المقابل تعميم دعوات الهلاك والخسران على غير المسلمين عامة، وغير المسلم هذا هو بالضرورة جار لهذا المسلم، بل هو جار لهذا الخطيب أيضا.

*غياب البعد الإنساني الذي يفترض أن تتأسس عليه الخطبة؛ إذ تظهر مثلا عبارات التعاطف مع مسملين ضربهم زلزال في بلد إسلامي ما، دون أن تكون هناك العبارات نفسها لأناس ضربهم الزلزال في بلد غير مسلم، وقد يكون البلد أوروبا كإيطاليا مثلا …إلخ.

أعتقد أن التخلص من هذه المؤثرات وأشباهها سيساعد في صناعة، بل وإبداع مضمون جديد لخطب الجمعة في أوروبا.

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • الحسين
    الإثنين 30 أبريل 2018 - 16:22

    فعلا أخي الفاضل انت تتكلم عن خطبة الجمعة في الغرب حيث حرية الرأي والرأي الآخر لا تسطيع هذه الحكومات ايا كانت ان تفرض على افرادهااو مؤسسساتها توجهاتها. مثل ما يحصل في بلادنا حيث ان النظام يفرض رأيه بالقوة على مواطنيها من خلال خطب الجمعة او الإعلام بصفة عامة.فوزارة الأوقاف هي التي تكتب خطبة الجمعة وتوزعها على المساجد .فالامام عندنا ليس له دور يذكر كما كان في السابق بل كل ما يقوم به هو ان يصعد المنبر ويقرأ هذه الورقة التي غالبا ما يكون موضوعها في مسائل فقهية او أمور لا علاقة له بالواقع والمشاكل التي يواجهها ويعيشها المواطنون وينتظرون حلولا لها….. ويدعوا للحاكم وينزل وينصرف إلى الجمعة القادم. لا علاقة له بالمصلين لا يعرفهم ولا يعرفونه.

  • ملاحظ
    الإثنين 30 أبريل 2018 - 16:37

    خطبة الجمعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وعند المسلمين الأولين تعالج قضايا التي يواجهها المجتمع بغير استثناء سواء منها الاجتماعية والسياسية او العسكرية. او ما نسميها اليوم بفقه النوازل.
    اما خطب الجمعة التى يتلقاها المصلون في مساجدهم في بلادنا جلها يتكلم عن فقه الطهارة والنفاس.

  • الحرية
    الإثنين 30 أبريل 2018 - 18:11

    اولا، ماهي معاييرك لتقييم خطبة الجمعة في الغرب وفي المانيا خصوصا.
    ثانيا، مثلا،اذا هاجمت المانيا او دولة اروبية ،دولة اسلامية، والجالية معارضة مثلا للهجوم،هل لهم الحق في تناول الخبر والدعوة عليهم مثلا.
    ثالتا، ان العولمة تفرض على الخطيب تناول مواضيع الساعة.بل دور الخطيب الاسمى هي المحافظة على الهوية الاسلامية للمتلقي، هل في الكنيسة او الكنيس لا يفعلون ذلك.
    رابعا،ماذا تقصد بالبعد الانساني،هل الاخلاق الاسلامية ليس فيها حسن الجوار،وقيم نبيلة التي ينقلها الخطيب؟
    خامسا،ذكرت السلفيين وتركيزهم على البعد العقدي، من حقهم ذكر ذلك، شيء واحد هو غير مسموح هو الدعوة الى العنف.منهم ومن غيرهم.
    سادسا،ان الاسلاموفوبيا، كانت سابقا، واتسعت الرقعة للمهاجمة الدائمة لوسائل الاعلام للمسلمين، بل وتنصيب من يتكلم عنهم،وهو ليس لديه ادنى دراية عن الاسلام،او حتى يخدم اجنداتهم.
    اخيرا، لا شيء احسن من التفاهم وليس الصدام الذي يدعو له الغرب نفسه في صراع الحضارات.

  • Attention
    الإثنين 30 أبريل 2018 - 18:45

    Les khotbats du vendredi doivent être simplifiée s et résumées au maximum sous la responsabilité du ministère des religions (n'oubliez pas que SM est amir almouminine). Sinon n'importe qui peut l'exploiter Pour faire de la politique ou inciter les gens à sortir du cadre normal…etc.

  • من لغى فلا جمعة له
    الإثنين 30 أبريل 2018 - 20:27

    خطبة الجمعة كانت بمثابة درس في المعاملات كما تراها الشريعة وكانت الوسيلة الوحيدة المتاحة للتواصل إلا أن الأمر اختلف كليا في عهد السموات المفتوحة وسهولة الوصول إلى المعلومة وعليه يجب حدف خطبة الجمعة لأنها أصبحت من الأمور المتجاوزة .

  • أبوندى
    الثلاثاء 1 ماي 2018 - 01:07

    الأستاذ سعيد الهبطي يتناول كالعادة مواضيع وقضايا دينية بمستوى رفيع الهدف منه تطوير المضمون الديني لملائمته مع العصر(الزمان) ومع المكان.
    الموضوع المتناول حول خطبة الجمعة أساسي في دولة أروبية كما في دولة عربية أو مسلمة.وصنف أثرمضمونه على المصلين الى تلاثة أصناف مفيد(نافع) ومضروعقيم (لانافع ولامضر).وتساءل عن مشكلة من يحدد ويقيم مضمون الخطاب في البلد الذي يعيش به.
    من وجهة نظريي:
    – في غياب مؤسسة رسمية تقوم بذلك يجب على الدولة الالمانية أن تقوم بهذا العمل من خلال تعيين مختصين لدراسة وتحليل مضامين الخطب واصدار دليل يحدد ماينبغي تجنبه من مضامين اقصائية وتمييزية وذات نزعة مذهبية أو عقدية متشددة كميثاق أخلاق.
    -أن تطلب الدولة الالمانية من الأئمة وممثلي المصلين انتخاب لجنة مختلطة من مختصين في علوم الدين وعلم الاجتماع وعلوم التربية وعلوم التواصل (حتى من خارج البلد تحت الطلب) بتأطيردوري للأئمة بغرض توجيههم وتسليحهم بالادوات المعرفية والمنهجية لاختياروكتابة مواضيع خطب الجمعة وطرق التواصل مع المصلين بدون تحيز أومجاملة ومغازلة لأي طرف من المذاهب المتواجدة بالجالية أوبالمسجد.

  • sifao
    الثلاثاء 1 ماي 2018 - 10:39

    تصور معي ان يظهر رجل في المانيا يدعي انه رسول من الله يحمل رسالة الى للالمان اسمها القرآن ويتلو عليهم آيات منه باللغة الالمانية ويدعوهم الى الهداية بها،هل ستسلك هذه الرسالة نفس المسار الذي سلكته عند ظهورها منذ 14 قرنا في بلاد الحجاز؟هذه هي المهمة الشاقة والمستحيلة التي يروم ائمة المانيا القيام بها،يصفون واقعا غير قائم ويطالبون المصلين العيش وفق مقتضياته والتقيد باحكامه،كيف يستطيع المسلم غض بصره عن رؤية،ما يعتبره الاسلام عورة في المرأة وسط شارع من شوارع المانيا؟ كيف يستطيع المسلم ان يأمر بما يعتقده معروفا وينهي عما يعتقده منكرا في وسط مثل المانيا؟هذا مجرد مثال لتشخيص الازمات النفسية التي يخلقها الائمة في اوساط نفوس المسلمين بخطبهم الدينية التي لا تمت للواقع بصلة فيسيطر عليهم القلق والاحباط وبالتالي ظهور سلوكات غير سوية في اوساطهم كردود افعال على عجزهم عن الاندماج في الحياة العامة كما تُعاش امتثالا لاوامر الدين او عدم قدرتهم على احداث التغيير الذي يناسب النموذج الذي يريدونه.
    الجالية المسلمة في بلاد المهجر لم تستطع اتناج خطاب ديني قادرعلى استعاب الواقع الجديد وظلت رهينة ماض غير واضح

  • المتابع
    الجمعة 4 ماي 2018 - 20:00

    نشكر الأخ صاحب الموضوع الذي نسأل الله أن يكثر من أمثاله
    وعندي سؤال موجه إلى المعلق رقم 1 وهو كيف يمكنه أن يقنعنا بأن وزارة الأوقاف هي التي تكتب الخطب وتفرقها على الأئمة، ما هي بينته على هذا الكلام هل هو خطيب أم هو قريب من هذا الميدان٠
    فأظن أن هذا وهم فقط، فأنا أعمل خطيبا منذ مدة ولا يصلني من خطب الأوقاف إلا ثلاثة خطب على الأكثر في العام،
    فنحن في انتظار الأخ الحسين أن يمدنا بالحقيقة كما وشكرا

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة