تاكلّا بالأركان تتسيد موائد عائلات سوسية لبعث الدفء في الأبدان

تاكلّا بالأركان تتسيد موائد عائلات سوسية لبعث الدفء في الأبدان
الأحد 23 دجنبر 2018 - 16:00

في فصل الشتاء، تشهد العادات الغذائية في مناطق عدة من المغرب تغيّرات تفرضها التغيرات المناخية في هذا الفصل المتسم بانخفاض درجات الحرارة؛ ما يفرض اختيار وجبات تبعث الدفء في الأبدان، وتمنح الطاقة اللازمة للأجسام، مع ما تستلزمه الفترة، في المناطق الجبلية على الخصوص، من توفير وسائل التدفئة، لا سيما الحطب.

في عز البرد القارس، تتنوع الأطباق والأكلات التي تؤثث موائد ساكنة الأرياف والقرى، وإن كان بعضها لا تخلو منه حتى موائد ساكنة المدن، شوربات وأطباق رئيسية وجانبية ومشروبات، كلها تحضر في فصل الشتاء، وتشترك في كونها مفعمة بمكونات تساهم في تدفئة الجسم ومدّه بالطاقة.

هي أغذية خاصة بفصل الشتاء، يُقبل عليها السكان في منازلهم وفي المقاهي الشعبية خلال فترة البرد، ولها قيمة غذائية عالية، كما أنها تُحضّر ممزوجة بالتوابل وبعض الأعشاب الطبية والمنسمة، المعروف عنها دورها الفعّال في تدفئة الجسم. وتختلف طرق التحضير من منطقة إلى أخرى، تبعا للعادات والتقاليد، وللموقع الجغرافي.

سوس ومناطقها لم تخرج عن المألوف في الأنماط الغذائية الخاصة بفصل القر، فتسود عادات غذائية متنوعة، وأشكال من المأكولات لا تحضر على موائد سواسة إلا في مثل هذه الفترات من السنة، ويلاحظ أن المناطق الجبلية بسوس مازالت تحتفظ بتهييئ أطباق خاصة، تحضر فيها مواد محلية، كالشعير وزيت الأركان والذرة وأعشاب محلية.

ومازالت بوادٍ عدة متمسكة بتقاليدها في هذا الصدد، حيث، ومنذ فجر كل يوم، تتجند النساء من أجل إيقاد النار في مرفق خارجي يدعى “أنوال”، لإعداد خبز “الكانون” أو “تفرنوت”، الذي يحضر في مائدة الفطور ساخنا، مع زيت الأركان والزبدة البلدية أو زيت الزيتون، كما يجري، مباشرة بعد الفطور، وضع ما سيُتناول غذاء على “مجمر” به نار متقدة، يطهى عليها بتؤدة، مما يعطيه نكهة خاصة.

خالد ألعيوض، أستاذ باحث في التراث، قال في تصريح لهسبريس إن المناطق السوسية بشكل عام، سواء في شقها الجبلي أو السهلي، التي يغلب عليها الطابع القروي بحكم ارتباطها بالأرض وبالفلاحة، خاصة البورية، تعرف تغيّر النظام الغذائي فيها حسب فصول السنة.

وأضاف المتحدّث أن فصل الشتاء، بما يتميّز به برد قارس، “يحتاج فيه الإنسان إلى أكلات تبعث على الدفء، وتوفر للجسم سعرات حرارية، كتغذية أولا، ثم كمقاومة للبرد، ولا ننسى أن النظام الغذائي في المناطق الجبلية، وحتى السهلية إلى وقت قريب، يعتمد، بالدرجة الأولى، على الشعير كمكون للأكلات، يكاد لا يمر يوم دون استهلاكه، وهو الذي يتم حرثه بدل القمح لكون قيمته الغذائية كبيرة، واليوم نلاحظ عودة قوية إلى استهلاك هذا المنتوج”.

وعن أنواع الأكلات التي يكثر الإقبال عليها في هذه الفترة من السنة المتسمة بالبرودة، لا سيما في المناطق الجبلية، قال خالد ألعيوض: “في الصباح، يتم تهييئ الحريرة (أزكّيف)، وهي الشربة العادية، التي تعتمد أساسا على الشعير، والإقبال على القطاني، خصوصا البيصارة الممزوجة بالتوابل. أما تحضير الشاي، فإنه لا يخلو من بعض الأعشاب المنسمة، خاصة الزعتر، التي لها خصوصيات بعث الدفء في الأجسام”.

ومن الأكلات الأخرى في مناطق سوس، الجبلية منها على الخصوص، أضاف الأستاذ الباحث، “نجد أكلة العصيدة، أو تاكلّا، التي أساسها الشعير أو الذرة، وغالبا تُستهلك مع زيت الأركان”. وأورد ألعيوض أنه في هذه الفترة من السنة، “تتم العودة إلى بعض المجففات، مثل التين الأسود الذي تُعرف به المناطق الجبلية، وفاكهة الصبار التي يتم تجفيفها في فصل الصيف وتُخزّن حتى حلول فصل الشتاء”.

وفي المناطق القريبة من الشريط الساحلي في سوس، قال ألعيوض: “بالإضافة إلى حضور الأكلات سالفة الذكر، مع تميزها بتحضيرها ممزوجة بعدد من التوابل والثوم والفلفل الحار الطازج، فإن المناطق الساحلية تعرف إقبال سكانها على أكلة بلح البحر (بوزروك)، الذي من خصوصياته استهلاكه باستعمال التوابل، خاصة الثوم، حيث يُخزن أهالي هذه المناطق بلح البحر بعد تجفيفه لاتخاذه وجبة أساسية في فترات البرد القارس”.

هي إذن أنماط غذائية خاصة بفصل الشتاء، تتقاسم غالبية مناطق سوس طرق تحضيرها ومقاديرها المستعملة في التحضير، غير أنها تشترك في كونها سلاحا للساكنة المحلية في أيام الشتاء الباردة، لا سيما في الأيام المعروفة بـ”الليالي”، التي تشهد انخفاضا شديدا في درجات الحرارة، ما يستلزم التسلح، بعد طبقات من الملابس، بتغذية تجعله الجسم يُقاوم موجات البرد.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

17
  • اعروبي
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 16:20

    الطبخ فن و حضارة الشعوب
    أهلنا من سوس اهل الكرم لي اصدقاء سوسيون يسكنون بالجبال.لهم عادات الكرم والضيافة ليس لها مثيل في المغرب و لا في العالم تقريبا ولهم سر عجيب في الطبخ الذي يدل على أنهم أناس مروا بحضارة راقية ترسم على أنواع الطبخ التقليدي الممتاز والله اني أشبهها بلوحات فنية من كثرت تنوعها وشكلها

  • لبنى
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 16:36

    الله الله عليك يا بلادي.. أحسن ناس و أحسن تقاليد و أحسن الأكلات.. ربي تحفظ المغرب و أهل المغرب

  • متتبع 01
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 16:42

    موضوع انثربولوجي متميز، للعامة و الخاصة.
    شكرا هسبريس

  • غير أنا
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 16:49

    شهيتونا حشومة عليكم
    توحشت الخبز تفرنوت و العصيدة بالزيت 🙁

  • مغربي قح
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 16:53

    الطبخ المغربي في شماله وجنوبه، جباله وسهوله غني ويعبر على غنى تاريخ وحضارة هذه الارض منذ الاف السنين.
    للأسف انتشار الوجبات السريعة والمأكولات التي تغزو موائدنا خلاتنا ننساو بحال هاد الوجبات الصحية واغلبها غير مكلفة.

  • گال الطير بلادي بلادي
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 17:53

    الحمد لله على بلادنا زينة البلدان الأرض الكريمة المعطاءة اللتي تعطي أبناءها الخير بسخاء. و سأردد بعض أبيات كلمات شاعرنا المغربي محمد الصقلي و فنانا الملحن الرائع نعمان لحلو:
    بلادي يا زين البلدان يا جنات على حد الشوف
    يا أرض كريمة مضيافة وجملها ناطق بحروف
    ناسها نخوة و ظرافة وكرمهم شايع معروف…
    حفظ الله بلادنا و شعبها و ملكها بقيادته الرشيدة الحكيمة من كل شر و فتن. لنرعى بعضنا إخوتي و لندعو للحب و التآخي على أساس الأخوة في الوطن كما كنا دائما و التمتع بثقافتنا المغربية السمحة.

  • نبيل
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 18:01

    Le gras est la source d’énergie la plus adaptée et la plus propre pour le corps humain contrairement aux carbohydrates qui produisent beaucoup de déchets nocifs aux organes et cerveau.Les sousis ont un régime basé sur le graisses et huiles ce qui leur octroie de l’energie sans incidences sur le corps.C’est pour cela que le régime cétogène est en vogue en ce moment dans les centres d’oncologie américains car il est basé sur le gras car celui ci réduit la fermentation qui prive les cellules d’oxygene poussant à la métastase et autre maladies physique et psychique

  • سوسي حر
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 18:13

    شهيتونا و الله العظيم…و لكن مع الاسف بعاد على اكادير و تمازيرت..الله غالب.

  • younsse
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 18:24

    ياسلام على الخير

  • تگلاّ ههه ارا برع
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 18:44

    كُول تگلاّ وشرب الما ديال الگُلاّ وتگرگش على ظهرك وشوف الافلام الوثائقية فالتلفزة وتسَلّا وخلي المحساد فْسَمّو يَتْقَلاّ . ااااارا برع .

  • ابن ايت اورير
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 18:46

    شهيتونا بأركان واملو لي كيتميز به سوس عن باقي المناطق كنموت على أكادير ومراكش
    ناس كرماء ، احبهم ))))))))

  • غير صحي
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 19:08

    بعض الموكولات غير صحية بتاتا!! البطبوط بالزبدة و الزيت و مانعرف شنو اخر..كلها الكوليسترول!!

  • العصيدة
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 19:24

    الأكلة التي تظهر على الصورة هي العصيدة التي يتم تحضيرها بحبوب الذرة في مناطق الشاوية ودكالة وقد يضاف إليها زيت الزيتون. أما العصيدة في منطقة سوس غالبا ما يتم تحضيرها بحبوب الشعير مع إضافة زيت الزيتون أو زيت الأركان.

  • rara
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 20:01

    لاتغلطوا الاكل لايقاوم البرد وهذا خطاء فادح يضحكون عليكم …
    اتدرون ما يحمي من البر ?
    1 تكوين الاجيال ليصنعوا cheffage مثل الدول ويستفيدوا من العلم …
    الضحك على المواطنين حتى اصبحوا معوقين
    عند الدول التي كونت شبابها واعطت لهم القيمة : الثلوج تتساقط وداخل منازلهم 25درحة حرارة +ماء ساخن .
    الله اعفوا علينا وصافي

  • كريم فرنسا
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 20:59

    رداً على صاحب التعليق 13
    لا أظن أن أُكلة العصيدة أصلها عربي بل أمازيغية صرفة وإسمها (تاكولة ) اللهم إذا اقتبسها عرب بنو هلال وبنو معقل عندما دخلوا المغرب مع الفتوحات الإسلامية. أنا من أب عربي من الشاوية وأم أمازيغية من ناحي أكادير
    وأول ما أكلت تاكولة من يد جدتي لأمي رحمة الله عليها وكانت تطبخها بالدرة المُكسرة ( أسنكار) نأكلها بزيت أركان ولم يسبق لي أن رأيتها على موائد عائلة والدي.

  • Almajgar
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 20:59

    إنه المغرب بلد الحضارة والشموخ والتاريخ والطبخ الأصيل المتميز حفظ الله تعالى بلادي وحفظ شعبنا وملكنا

  • Jawad de Italie
    الأحد 23 دجنبر 2018 - 21:35

    يا سلام على تاكلا بزيت أركان للأسف بعيد على الدار ف أكادير والله إلى توحشناك

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 6

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 2

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية

صوت وصورة
هدم دوار الكوارة بالبيضاء​
الخميس 5 نونبر 2026 - 18:23 4

هدم دوار الكوارة بالبيضاء​

صوت وصورة
الحكومة والقدرة الشرائية
الخميس 5 نونبر 2026 - 17:01 8

الحكومة والقدرة الشرائية