لا مُفَاضَلَة في الشِّعْر الشِّعْـرُ تَنَـوُّعٌ واخْتِـلافٌ

لا مُفَاضَلَة في الشِّعْر الشِّعْـرُ تَنَـوُّعٌ واخْتِـلافٌ
الأربعاء 6 مارس 2019 - 08:49

لم يكن الشِّعر يقوم على المُفاضَلَة، سوى في ذهن نُقَّاد وشَاعِرِيِّينَ عرب، كانت مشكلتهم، الانتصار لشكلٍ ضِدَّ آخر، ولِشِعْرِيَة مقابل غيرها من الشِّعرياتِ والأشكال التي كانت سائدةً في الشِّعر العربي، عبر أزمنته المختلفة. فـ “القصيدة”، مثلا، كرَّسَها هؤلاء، خُصوصاً في عصر التَّدْوِين، بِدايَةً من النِّصْف الثاني من القرن الثاني الهجري، باعتبارها هي كُلّ الشِّعر العربي، لأن الثَّقافَة العربية، كانت في حاجة لِتَثْبِيت الهوية العربية، في مقابل ما جرى من اخْتِلاطٍ بين العرب وغير العرب، من المسلمين. ولعل خَطَر الاخْتِلاط، كان في اللِّسَان، أي في الثَّقافَة والعقل العَرَبِيَّيْن، وهذا ما دَفَعَ المُدَوِّنِينَ، إلى انْتِقاءِ اللُّغَةِ، وانْتِقاءِ ما تَجْرِي به من “علوم الآلة”، لِتَسْيِيجِ العربية، ووَضْعِ قواعِد تَضْبِطُها، بما تعنيه كلمةُ ضَبْطٍ مِنْ قَصْدٍ لِسَدّ كُلّ ما قَدْ يجري فيها مِن إضافةٍ وتَوسُّع واخْتِلاقٍ، أو إبداع. فكما جرى هذا في النَّحو، جرى في الصَّرْف، وفي البلاغة والعروض، وجرى، في ما اعْتُبِرَ “عَمُودُ الشِّعْر”، ‫[بِما تَحْمِلُه كلمة عمُود من دلالاتٍ وأبْعاد]‬ الذي كان مواجهة لابْتِداعَاتِ أبي تمَّام، في مقابل تَبَعِيَة البُحتري، رغم أنه كان تلميذا لأبي تمام، وهو شَاعِرٌ مُجِيدٌ فى سياقِه، لا مَحالَةَ‫.‬

في هذا السِّياق، كانت المُفاضَلة، وتَسْمِياتُ الشُّعراء، وما جرى من أَلْقَاب، هي إحدى مُسَوِّغَاتِ تَكْرِيسِ النَّمَط، ووضع القاعدة والقانون، في مُواجَهَة كل ما قد يَحْدُثُ من خُروج، أو اقْتِراحٍ لغير ما هو معروف، من “كلامِ العَرب”، ‫[‬لا المسلمين، أو مَنْ دَخَلُوا الإسلامَ من غير العرب‫]‬،وهذا تعبير عن هُجْنَةِ الاخْتِلاط، رغم أن هذا المنطق لم يكن سليماً، لأن‫:‬

أولاً، القُرآن وَرَدَتْ فيه كثير من الألْفاظ التي لم تكُن عربية في أصلها، ولم يَكُن هذا يطْرَح أي مشكل، بما في ذلك ما اسْتَشْكَل على النُّحاة، في تَكْرِيس بعض القواعد النحوية الَّتِي حدث فِيها الخلاف‫.‬

ثانياِ، الكثير من الشُّعراء والعُلَماء والفلاسفة والشَّاعِرِيِّينَ، لم يكونوا عَرَباً، مِنْ حيثُ الأصل، وكانوا بين كبار العارفين بالعربية، وقواعدها، والأسس التي قَامَتْ عليها، بل كَانُوا مالِكِين لِزِمام النثر والشِّعْر فيها‫.‬

أن نَسْتَمِرّ اليوم في المُفاضَلَة، وفي إطلاق التَّسْمِيات، لتكريس الماضوية في العقل والخيال معا، وفِي الذَّوْقِ، والقِراءةِ، فهذا أمْرٌ يَشِي بارْتِكاسِنَا، وعَجْزِنَا عن إحْداثِ اخْتِراقَاتٍ وإضافَاتٍ، في ما ورثناه عن ماض مضى، رغم ما في هذا الماضي من نقط ضوء، هي ما نعود إليه، اليوم، لِنَخْتَبِرَ به قُدْرةَ الشِّعْرِ على التَّحوُّل والتَّغَيُّر، وإحْدَاث المسافاتِ والفُرُوق، في اللغة، وفي الأشكال، أعني، بصورة خاصة في البناء، وفي الموسيقى، أو الإيقاع، لأن الأوزان، هي في جوهرها الموسيقي، صَدًى للشِّعْرية الشَّفاهِيَة التي اقْتَضَتْ أن يكون الإنشادُ، هو أحَد مُكوِّنات بنية “القصيدة”، في هذه الشِّعْرية، وأنْ يَكُون نِظامُ التَّوازِي، هو أحد مُقَوِّمات هذه البنية‫.‬ وهذا اخْتِيار جمالِيّ، يُسايِر العَصْر، أو الزَّمَن الذي ظَهَر فيه، وهو زَمَنُ الشَّفاهَة واللَّفْظ والإنشاد، وليس زمن الكتابة، التي كانت، آنذاك، إملائية تنقُل ما يُلْفَظ، فقط، ولا تتأسَّس على الوعي الكتابيّ‫، في طبيعته وجوهره.‬

نقرأ شِعْر ‫[‬الجاهِلِيِّين‫]‬ بمُتعة، كما نقرأ المتنبي وأبا تمام، وأبا نواس، والمعري، والبارودي وشوقي، ومحمد مهدي الجواهري والبردوني، و غيرهم، من الشُّعراء، بنفس التَّوْق إلى شِعْرِيةٍ، كانت إحْدَى أسُس الشِّعر العربيّ، في ماضيه كما في حاضره. فالمدرسة، حين عَمِلَتْ على تدريس الشِّعر، اكْتَفَتْ بتكريس قصائد مُحدَّدَة لهؤلاء الشُّعراء، لا تُمَثِّل عُمْق شعريتهم، وما فيها من طرائف وابتكارات، لأن المدرسة، عَمِلَت على تكريس النَّمَط، باعتبارها امتداداً للتَّدْوِين، وهذا هو دور المؤسسة، فهي تَحْرِصُ على الرَّاسِخ، في مقابل المُتَمَوِّج الذي لا يَسْتَقِرُّ على ماءٍ‫.‬

ليس غريباً، إذن، أن يَجْرِي ما جَرَى، في تَسْمِيَة شاعرةٍ بـ “سيدة الشِّعْر العربيّ”، وهي في مُقْتَبَل عمرها الشِّعري والإبْداعِيّ، تبحتُ عن ذاتِها وعن طريقها، دون الحديث عن ما تكتبه، وما فيه من أصداء ونُتَف وأَمْشَاج، وتراقيع مأخوذة من هنا وهناك، كما يجري في كتابات البدايات، وهذا فيه صدمة لها قبل غيرها، ما قد يضعها في المَهَبّ، وهي بَعْدُ لم تَحْسِم اختيارَها، لأنَّ هذا يتطلَّبُ زَمَناً واحْتِكاكاً بالشِّعْر في أشكاله كتابته، وفي المَعْرِفَة به، وبـ «صِنَاعَتِه»، بتعبير العسكري، وبما فيه من مُقْتَرَحاتٍ، لأن ما تكتبه، اليوم، يوافق هوى من احْتَفَلوا بها، وهم يميلون إلى القصيدة دون الشِّعر، ويَنْتَصِرُون إلى الماضي دون الحاضر، وهذا حَقُّهم وقناعَاتُهُم

، وما اخْتارُوه من طَريق في النَّظَرِ إلى الشِّعْر وفي قراءتِه وفَهْمِه، الذي لا تجوز مُصادرَتُه، بهذا المعنى، وفي هذا السِّياق، دون تعميم على الشِّعْر كاملاِ‫.‬ لكن، ما جرى، كان تعميما وتعتيما، ونَوْعاً من كَنْس الطاولة من كل ما فيها ممُقْترَحاتٍ، لا يمكن التَْغاضِي عنها، أو اعتبارها لا تليق بالشِّعر. ولعل ردود الفعل التي أحْدَثها هذا الاحتفال، وما ترتَّبَ عنه من تعميم الجزء على الكُل، والمُفرد على الجمع، وما كُتِبَ من انتقادات وتَنَذُّرات، هو تعبير عن رفض هذا النوع من القراءات التي لم يَجْر في نظاراتها أي تغيير في سُمْكِ الزجاج، الذي يقتضي بين الفينة والأخرى، أن نعيد افْتِحاصَه، حتى لا تتراءَى الحروف والكلمات في أعيننا مُتَراقِصَة، لِنَظُنَّ أنَّ هذا هو الغِناء في الشِّعر، فيما هو عَتَبٌ على النَّظَر، كما يقال‫.‬

إنَّ الشِّعْر في المغرب اليوم، هو شِعْر يحتاج أن نُعيدَ قراءته، والإنْصات إليه، في كُل تعبيراتِه وأنماطِه، وعند كل أجياله وحساسياته، وما يَهُمُّنا منه، بالدرجة الأولى، ليس المُفاضَلَة والتَّمْييز، أو وضع السَّابق في طريق اللاحِق، بل ما يمكن أن يُحْدِثَه هذا الشِّعر من تراكُم نوعي وجمالي، في اللغة، في الصُّوَر والأخيلة، في الأيقاعات، وفي البناء، وفي القدرة على تجاوز الغِنائية، والبنية الشفاهية الإنشادية، التي هي أسيرة الوعي الشفاهي، ولم تَعِ بعد ما للكتابَة من خطر على الحضارة، وما يجري من تحديث، خصوصاً في زمن التقنية والصورة، والزمن البصري، الذي تداخلت فيه كثير من الفنون البصرية والمشهدية، لِتُكرِّس ما نعتبره وَعْياً كتابياً، هو سِمَة الزَّمَن الذي نحن فيه، لا زَمَن غيرنا، ممن قالوا وأبْدَعُوا، وتركُوا لَنا الكثير من المساحات الشَّاغرة التي علينا أن نَتَحرَّك فيها، لِنَكْتُب زَمَننا، وذواتنا، نحن، لا أن أن نكون رَجْع صَدًى، وكَأننا لم نَكُن، أو أنَّ وجودنا، كان محض نَقْع في ساحة معركة، لا دور لنا فيها، سوى أن نكون ظِلالاً، أو تخاييل لِمن سبقونا‫. وهنا علينا أن نعود إلى هَامْلِيت، «نَكون أو لا نَكُون»، وهذه هي المسألة، لا غيرها.‬

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • KITAB
    الأربعاء 6 مارس 2019 - 19:05

    فقط العنوان مثير للتساؤل ما إن كان الشعر أن تقول ما يعن لك دون وجود لثمة قواعد وأصول وتراكم معرفي… بمثابة محك التقابل والتفاضل بين شعر وشعر آخر، فما زالت هناك قصائد أو بالأحرى أبيات شعرية يهتز لها وجداننا لسماعها كما أن هناك شعراء إذا ألقوا بشعرهم يسافرون بك في عوالم أخرى وتأتي قصائدهم على شاكلة لوحات فنية بديعة، مثلاً الشاعر السوري نزار قباني أو الفلسطيني محمود درويش، ما زالا حتى الآن روادا في الشعر الهادف والذين رصعوا بأشعارهم اللغة العربية وطوّعوها في أغراض شتى، لكن في المقابل هناك شعراء بين قوسين نستشعر عسرا في هضم أبياتهم أو لنقل نثرهم، يحسبون أنهم ينثرون شعرا وهم في واقع الأمر يعاقرون الكلمة دونما أدوات فنية أو تقنية تؤطر هذيانهم، وهل هذا شعر، ألا يمكن لنا أن نفاضل بين من يقول الشعر ويحرك فيك الوجدان ليذهب في كل اتجاه وبين من يهذو ويتسبب لك في مغص أو يبعث وجدانك على الغثيان…؟! إنه فرق كبير بين شعر وشعر آخر وتحياتي

  • كريم بنموسى
    السبت 9 مارس 2019 - 08:25

    أولا يا دكتور بوسريف أنت تعرف أن البشرية وصلت إلى عصر لم يعد فيه مكان للشعر خاصة إن كان شعرا فيه كثير من التفلسف الخاوي.

    ثانيا ماذا سيستفيد المغرب من شعرك وشعر غيرك ..وأنت تأخذ نصيبا من الريع.. تدير مجلة تمولها وزارة الثقافة بأموال دافعي الضرائب وتحصل على راتب وتعويضات كبيرة لك ولأصدقائك الذين جعلت المجلة حكرا عليهم. والسيدة حرمك لها نصيبها من الريع.

    كما لا ننسى يا دكتور أبو سريف أنك تكتب تحت ظل أدونيس.. لم تكن يوما شاعرا بشخصية مستقلة.. تحاول أن تكون أدونيس… فحتى أدونيس يا رجل ليس له قيمة في عصرنا هذا… فلم تعد لنا حاجة بالشعراء.. نحتاج إلى رجال صناعة واقتصاد وإلى علماء في العلوم الحقة.

صوت وصورة
ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:23 2

ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟

صوت وصورة
غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:22

غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء

صوت وصورة
إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 21:31 2

إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30 12

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25 6

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00 15

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب