الحكومة وضرورة تصديها لمافيات التعليم الخصوصي

الحكومة وضرورة تصديها لمافيات التعليم الخصوصي
الثلاثاء 27 غشت 2019 - 16:03

استنزاف طاقات الأسر المغربية

عند بداية كل موسم دراسي جديد تعلن حالة طوارئ، داخل الأسر المغربية، جراء اللوائح النارية التي يتلقاها أبناؤها من المدارس، أو “العلب البشرية” التي يتمدرسون داخلها؛ لوائح مثقلة بعُدة مدرسية تنحصر نفقاتها بين 8000,00 دهـ إلى 9000,00 دهـ، بين الكتب والكراسات والدفاتر والأوراق والملفات والمحافظ، واللوازم اليدوية التي تغطي أدوات ولصاقات ومعجونات وأقلام ومعدات؛ يحار العقل في وصفها وتعدادها وأسواق اقتنائها.. وفي جملتها لا تحمل تسعيرات رسمية أو إشارة بتبنيها من طرف وزارة التربية الوطنية، بقدر ما هي مملاة من جهات أجنبية؛ تربطها بهذه المؤسسة أو تلك “شراكة الاحتيال” على جيوب الأسر المغربية مقابل إتاوات وبقشيش.

نموذج لعُدّة مدرسية مفروضة

مؤسسات التعليم الخصوصي في المغرب تصدرت المشهد التعليمي في استقطاب التلاميذ غداة تناقل الرأي العام الوطني إفلاس التعليم العمومي والمصير الكارثي الذي أصبح عليه التلاميذ المنتسبون إليه، بفعل أمراض مزمنة تعتمل داخله كسلسلة الإضرابات المتوالية وحمى الشواهد الطبية بسبب وبدونه وغياب المراقبة التربوية.

في غمرة هذا الواقع التعليمي المتأزم، وحرصا من جانب الأسر على تأمين بيئة مدرسية “سليمة” لأبنائها، انتعش قطاع التعليم الخصوصي، لكن سرعان ما تغول؛ في سياق ملاحظته للطلب الذي أصبح يفوق العرض؛ فتضاعفت وتعاظمت رسوماته ونفقاته، وواجباته التي لا تخضع لأية مقاييس أو اعتبارات سوى امتصاص جيوب الأسر.

أسعار خيالية مثبتة بقلم الرصاص !

هناك ظاهرة يصطدم بها الآباء عند اقتنائهم للوازم المدرسية لا سيما الكتب والكراريس، والتي لا تحمل أية تسعيرة مطبوعة، ولدى استفسارهم لهذا “التلاعب” يتحجج أرباب المكتبات بأنها مستوردة من فرنسا/الخارج، فيضطرون إلى تثبيت أسعار تتلاءم مع رسومات اقتنائهم لها مع رسومات الشحن والنقل. وهكذا، فإذا كان الكتاب بسعره الأصلي 200,00 دهـ يتحول إلى المكتبة (المغربية) بـ300,00 دهـ أو أكثر، ناهيك عن الكراسات والمعدات المدرسية المجلوبة من الخارج التي تكلف اقتناء الأداة الواحدة منها زيادة تفوق 50% من ثمنها الأصلي !

مافيات التعليم الخصوصي.. بأي معنى؟!

يعلم المغاربة جيدا، لا سيما المتتبعين للشأن التربوي المغربي أو المقربين من محيطه، أن معظم المشرفين على مشاريع قطاع التعليم الخصوصي وبنسبة تفوق %80، من مالكي البنايات المدرسية أو مديريه، يشغلون مناصب مركزية بوزارة التربية الوطنية أو على علاقة شراكة بهم؛ إلى درجة التحكم في إدارته وتأطيره بمزاجياتهم الخاصة وكل ما يخدم أغراضهم التجارية. لذا، كنا نجد في الحواضر الكبرى مؤسسات تابعة للتعليم الخصوصي، تملك أساطيل من عربات النقل المدرسي، ولها مناهج وكتب مدرسية، في معظمها غير مصادق عليها وتتنافى مطلقا مع مقررات الوزارة الوصية، هذا فضلا عن علاقات مشبوهة تربطها بجهات وشركات أجنبية (دور النشر والمعدات التعليمية) لتسويق منتوجاتها على مستوى الكتب والأدوات واللوازم المدرسية؛ تتحين فرصها عند كل دخول مدرسي لإغراق “لوائح الكتب واللوازم” بمعدات وكتب وكراسات، تصل النسخة الواحدة منها إلى 250 دهـ، ناهيك عن “أدوات حرفية” يستدعي استعمالها خبرة كبيرة، فكيف توصف لطفل/تلميذ تابع للتعليم الأولي أو التعليم ما قبل المدرسي، والحال أنها تودع لدى الإدارة ولا تستعمل مطلقا من الطفل/ التلميذ، كما لا يستردها في آخر السنة. فماذا يعني هذا؟!

دور جمعيات آباء وأولياء التلاميذ

هذا الجهاز التربوي المهم معطل لا وجود له على أرض الواقع إلا بنسبة جد ضعيفة وخال من أي أداء فعال، ويكاد دوره يختزل في حضور المناسبات الاحتفالية، لا سيما عند اختتام السنة الدراسية، وهناك من مؤسسات التعليم الخصوصي ما يحظر في إداراتها وجود جمعية بهذا المعنى، تحاشيا لكل جهة أو جهاز يجعل نصب عينيه كشف عورات وألاعيب هذا الفصيل من التعليم.

مردودية التعليم الخصوصي

تبعا لنتائج دراسات وأبحاث ميدانية، أجريت حديثا على هذا القطاع، تبين أن مهمة هذا التعليم “ترويضية” أكثر مما هي تربوية تعليمية تعلمية، تسعى، بالدرجة الأولى، إلى استئناس التلميذ “بتجريبات” Tests الاختبارات والمراقبة المستمرة بغرض “النجاح” فيها، وبالتالي إدراج كل المتعلمين في نهاية السنة ضمن لوائح “المنتقلين”، وهناك من المدارس ما تقتصر برامجها ـ في التعليم الأساسي ـ على جملة محدودة من المواد كاللغات والرياضيات، فينشأ التلميذ عاجزا عن مسايرة التعليم والتعلم في الإعدادي والثانوي العمومي.

امتدادات خطورة التعليم الخصوصي إلى الجامعي

مع مجيء البيجيدي إلى الحكومة، تناسلت، وبصورة غير مسبوقة، ظاهرة المؤسسات التابعة لقطاع التعليم الخصوصي وامتد أثرها، في العقد الأخير، إلى التعليم الجامعي “التعليم الجامعي الخصوصي” والمنتشرة في كل من مدن الدار البيضاء وفاس والرباط، وربما قريبا في مراكش وطنجة… وتعرف رسومات الانتماء إليها مبالغ خيالية، تجمع بين التأمين الإلزامي والبرامج وحلقات العروض لتتجاوز أحيانا ثمانين ألف درهم سنويا، يزعم المشرفون عليها ضمن توجهاتهم العامة لتكوين الطلبة أن مؤسساتهم تحظى بالقبول في سوق الشغل، وتعطاها الأسبقية في توظيف الخريجين، مما يفتح الباب مشرعا أمام مصداقية الحكومة نفسها، ويجعلها على المحك حينما تفتح آفاق الشغل أمام خريجي هذه المؤسسات الخصوصية، لكنها توصدها أمام خريجي التعليم العمومي.

ضرورة تدخل الحكومة

حماية للقدرة الشرائية لدى الأسر المغربية، وتصديا لكل أشكال الجشع الذي يطبع تواصل الإدارة المدرسية الخصوصية مع آباء وأولياء التلاميذ، أصبح من الضروري بمكان على الحكومة؛ وليس قصرا على الوزارة المكلفة بعينها؛ تحديد سياسة شفافة واضحة المعالم تجاه كل المؤسسات المنضوية تحت سلك التعليم الخصوصي؛ في شكل مذكرات تنظيمية وإجرائية، تخص المحافظ البيداغوجية الواجب توفرها لدى التلاميذ، بما فيها الكتب والكراسات واللوازم والمعدات المدرسية، مع تحديد رسومات التسجيل والتأمين والنقل المدرسي، مع إمكانية تحديد واجبات الإطعام الداخلي. وتعين لجان على المستوى الأكاديميات الجهوية والمديريات التعليمية للسهر على أجرأة هذه السياسة ومراقبة المحافظ البيداغوجية للتلاميذ، مع إعداد تقارير بشأنها، ليتسنى ضبط الدخول المدرسي وضرورة استجابته لسياسة الوزارة، مع رصد الحالات التي تتنافى مع هذه السياسة أو التي تسن لنفسها إجراءات خاصة بها.

* كاتب وباحث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • أينك ياحكومة بلادي
    الثلاثاء 27 غشت 2019 - 16:45

    الأسر المغربية تتقطع لتوفر مقعداً لأبنائها في التعليم الخصوصي، لكن الجشع والنهب والسرقة هي القيم التي أصبحت سائدة في هذه المؤسسات والحالة أنها طاغية وغير عابئة بأحد وإذا اشتكى أحد أو تأفف فليبلع البحر ولسان حالها يقول موجود من يخلفك في هذا المقعد، لا حول ولا قوة إلا بالله، فأين هي الحكومة من هذه المافيات الجائعة والمفترسة؟! وشكراً لهسبريس على تنوع مواضيعها مع شكر خاص للأستاذ الباحث السيد مجدوب.

  • زيادة 100درهم!!!
    الثلاثاء 27 غشت 2019 - 19:55

    تحية للجميع. أخبرتنا إدارة مؤسسة للتعليم الخاص أنه بعد زيادة 100 درهم لكل طفل بعد ثمان سنوات من الحوار الاجتماعي قررت المدارس الخاصة زيادة 100 درهم عن كل طفل بمعنى من الحكومة إلى المدرسة مباشرة لذلك نطالب المدارس الخاصة أن تحضر لاحقا كل الحوارات الاجتماعية لطلب الزيادة في الأجور!!!!
    أما مراقبة الحكومة للتعليم الخاص فهذا من المستحيلات وقد قلنا سابقا أن حل معضلة التعليم تبدأ من التعليم الخاص ففي غياب عدالة تعليمية أو مساواة في التعليم لا يمكن للمغرب إلا أن يتقدم بسرعة نحو الهاوية!!!

  • salim.m
    الثلاثاء 27 غشت 2019 - 20:04

    مشكل التعليم الخصوصي يكلف الأسر المغربية الكثير، لكن مع الأسف لا وجود لمراقبة الدولة لهذا القطاع الذي يشرع لنفسه كل شيء في رسوم التسجيل والتأمين ولوازم المدرسة والنقل ووو، فعلاً هي مافيات تستهدف الأسر المغربية بكل الطرق فأين الدولة

  • تعليم فاشل %100
    الثلاثاء 27 غشت 2019 - 20:10

    أولاً تعليم يعتمد على التلقين والترويض وقليل من يستطيع المتابعة في الثانوي التأهيلي أو الجامعي ممن جاؤوا من التعليم الخصوصي، ولذلك مع الأسف أصبحنا نفتقد الجودة في كل أسلاكنا التعليمية من الابتدائي إلى الجامعي وعلى جميع المستويات وفي القطاعين معا التعليم العمومي والتعليم الخصوصي

  • KITAB
    الثلاثاء 27 غشت 2019 - 20:47

    إنه الهوان واللعب بمصير أبناء المغاربة حينما ينظر إليهم كغنائم وأبقار حلوبة من أجل تسمين مداخيل مافيات التعليم الخصوصي وقتل روح التعلم في هؤلاء الأبناء الصغار، لكن سكوت الحكومة على هذه الوضعية المأساوية يعني أنها ضالعة بطريقة أو أخرى في في ما وصل إليه التعليم من انحدار وانحطاط وعلى جميع المستويات، كان هناك ما يشبه طوق النجاة لإنقاذ التلاميذ من أزمات التعليم العمومي لكن الحكومة غضت الطرف عن هؤلاء المافيات لتعري الأسر المغربية وتطالب بمزيد من الرسوم والأعباء لقاء الضياع، فالتعليم الخصوصي أكدت دراسات عديدة أنه فشل في تحقيق الأهداف وأصبح فقط يشبه الواسطة للانتقال إلى السنة الموالية ولكن في فراغ وبمستوى ضحل وجد ضعيف، وتحياتي

  • التعليم المغربي ...
    الثلاثاء 27 غشت 2019 - 23:16

    التعليم المغربي في مهب الريح، لا العمومي ولا الخصوصي، لكن هذا الأخير أصبح يؤرق مضجع الأسر المغربية ويمتص نفقاته بدرجة خيالية، ولكن لا جدوى ولا فايدة ترجى منه.

  • islamistes aveugles
    الأربعاء 28 غشت 2019 - 08:55

    à hay riad,une école privée exige 3000 dh /mois ,plus les frais d"assurance,pour de enfants de 3 ans,sans
    transport, alors cette école paie t elle des impôts,avec 200 éleves ,elle gagne : 600 000 dh/mois,60 millions par mois ,en 11 mois elle gagne une grosse fortune,
    vive le capitalisme sauvage au profit des gros ventres,alors les islamistes qui président le gouvernement et chantent leur chanson de lutter contre la vie chere,où est vous?on ferme les yeux

  • ابراهيم
    الأربعاء 28 غشت 2019 - 09:58

    درست ابناءى باحدى المدارس الخاصه فلم أسمع عن جمعية الآباء ولا عن تجديد المكتب المسير لا كثر من أربع سنوات.

  • لا رجاء في تعليمنا
    الأربعاء 28 غشت 2019 - 10:16

    كان تعليما عموميا أو خصوصيا فلا رجاء منهما سوى حصد الكوارث وانحدار مستوى التلاميذ إلى درجات كارثية غير مسبوقة.

  • hammouda
    الأربعاء 28 غشت 2019 - 10:48

    High fees in private education versus poor levels in the outcome of pupils' learning.

  • رسوم خيالية
    الأربعاء 28 غشت 2019 - 10:51

    رسوم خيالية مقابل مستويات جد ضعيفة… رسوم عالية في التعليم الخصوصي مقابل مستويات هزيلة في حصيلة التعلمات لدى التلاميذ ،نعم أصبح التعليم الخصوصي مجالا للاستثمار والتحايل على أسر التلاميذ ، فهو فاشل منذ أمد كبير

  • عندما يدرك هؤلاء
    الأربعاء 28 غشت 2019 - 22:48

    ليس بمقدور الحكومة التصدي لمافيا التعليم الخصوصي و كومبرادورييها و

    لا في نيتها ماداموا يؤدون ما عليهم من ضرائب هم رجال صالحون و لينزف

    المواطن حتى آخر قطرة " البشري كثير" يا استاذي مجدوب الحكومة صديقة

    من يدفع بأي طريقة ادفع من عرق او دم او جيب او حتى كرامة المواطن لا

    حساب عليك الحكومة الوحيدة القادرة على ذلك هي حكومات الاسر و ارباب

    العائلات امهات و آباء التلاميذ فمتى تدرك هذه الحكومات ان بيدها القرار الفاعل

    ستدرك ذلك عندما تعرف انها اخطأت تعريف الهدف الحقيقي من التعليم

    تحياتي من مراكش

  • ...من مراكش
    الأربعاء 28 غشت 2019 - 23:13

    تحية، نعم الحكومة تأخذ من الجميع ولطالما أرباب هذا الصنف من التعليم يدفعون الضرائب المترتبة عليها فستكون في وئام معهم حتى ولو أغرقوا الأسر المغربية بالمصاريف والرسوم، لكن المفارقة أن معظم هذه المدارس الخاصة لا تدفع المستحقات التي هي عليها وهي تعد بمليارات السنتيمات ومنذ سنوات.. لماذا لأن معظمهم يشتغلون أطرا في مراكز النفوذ والقرارات، هذا هو مربط الفرس، وشكراً ولا أخالك إلا أحد الذين كانوا أوفياء لهسبريس… العرفان

  • samir
    الجمعة 30 غشت 2019 - 14:00

    من يملك الوقت والتكوين البيداغوجي الكافي من الاباء من لافضل له تعليم أبنائه في البيت وعدم رميهم الى مستنقعات المدارس المغربية وتوفير مبالغ تمدرسهم في دفتر توفير للطفل لارساله الى الخارج لاستكمال دراسته

صوت وصورة
دورة استثنائية للأحرار
السبت 3 أكتوبر 2026 - 12:44

دورة استثنائية للأحرار

صوت وصورة
غلاء الخضر مع بداية الخريف
السبت 3 أكتوبر 2026 - 11:54 1

غلاء الخضر مع بداية الخريف

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 14

غلاء المحروقات يركن السيارات

صوت وصورة
احتجاج طلبة الجديدة
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 18:06

احتجاج طلبة الجديدة

صوت وصورة
تفكيك سرديات نشأة المرابطين
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 15:17

تفكيك سرديات نشأة المرابطين

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:55 18

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي