"الحاج" إدمون المالح .. كاتب مغربي دافع عن القضية الفلسطينية

"الحاج" إدمون المالح .. كاتب مغربي دافع عن القضية الفلسطينية
الإثنين 25 نونبر 2019 - 06:10

غادرَنا منذ سنوات تسعٍ الكاتب والمناضل المغربي إدمون عمران المالح، بعد حياة مليئة بالإبداع الأدبي، والتأمّل الفنّي، والنضال من أجل الحرية قبل استقلال المغرب وبعدَه، وضدّ عمل الحركة الصّهيونية في شمال غرب إفريقيا لتهجير يهود المغربِ لبلاد غير بلادِهِم، وضدّ الإجرام الإسرائيلي في حقّ الشّعب الفلسطيني.

وكان يرى إدمون عمران المالح، في لقب الحاجّ إدمون، الذي كان يناديه به بعض جيرانه وبعضً من يعرفونه ويقدّرونه، انعكاسا لجوّ من “الاعتراف والمحبّة” يعرفه المغرب، ويُوَقِّرُ فيه النّاس كبير السّنّ “ويعطونَه مكانا”، وهو ما دفعه للحديث عن كون الأمر المهمّ في المغرب هو “العلاقات الإنسانية”، مهما اختلفت الأعمال والمهن، وهو ما لم يرَه في مدن أخرى، أو عالَم آخر.

وكان المالح من بين المناضلين من أجل استقلال المغرب عن المستعمِر الفرنسيّ، كما كان من بين وفد الحزب الشيوعي المغربي الذي قدَّمَ للملك محمد الخامس وثيقة تدعم “وثيقة المطالبة بالاستقلال”، حَسَبَ الباحث حسن النّجمي، ولكنّه اختار سنة 1965، بعد سنوات من التّواري السياسي، منفى هو عاصمة الأنوار باريس، بعد أحداث 23 مارس الدّامية، دون أن يغادِرَه بلَدُه، ودون أن يطلب الجنسية الفرنسية.

وفي منفاه الاختياري كتب إدمون عن المغرب، وعن هجرة يهودِه بلدهم، وعن المجازر الإسرائيلية، بعدما جاوز سنّه الستّين، بعد عمله أستاذا لمادّة الفلسفة، وصحافيّا، باللغة الفرنسية، مع حضور الدّارجة المغربية في أعماله، هنا وهناك.

وأكّد إدمون عمران المالح، في حوار له مع الشّاعر ياسين عدنان بالدّارجة المغربية، أنّ فرنسيّته ليست فرنسية الفرنسيّين، مع أنّه داخلٌ في عمق الثّقافة الفرنسية (…)، وأنّ هذا التعمّق يسمح له بمعارضة الفرانكفونية كمشروع سياسي، ثم وضّح: “أكتب أدبا مغربيا باللغة الفرنسية”؛ لأن هناك أدبا مغربيّا واحدا، موزَّعا على لغات متعدّدة ومختلفة، منها العربية والأمازيغية والفرنسية والإسبانية والهولندية، “مثل شجرة تُزهِر”.

كما ذكر فقيد المغرب، في برنامج “مشارف”، في سياق شرحِه تفضيلَه تعريفَه بـ”مغربي يهودي”، لا “يهوديّ مغربي”، أنّ كلّ هذا الهرج حول التسامح يجب أن نترُكَه، “لأننا أبناء أمّة واحدة، مغاربة أوّلا وقبل كلّ شيء، وأبناء أمّ واحدة، والامتياز هو أنّ أحدنا يتّبِع الدّين المسلم، وأحدنا يتَّبِع دين اليهودية، ولا يجب أن نخلق لَبسا بقول إنّ المسلمِين يقبَلون اليهود، أو اليهود يقبلون المسلمين…فهذا دخول في معمعة إيديولوجية، لا أرى وسيلة، أو أيّ باب، إذا غرَقنا فيها، للخروج منها”.

كما أكّد عمران المالح على ضرورة “ألا يفقد المغرب ذاكرته”، وعلى ضرورة “ضمان الاستمرارية”، وكان يُولي الدّارجة المغربية، والأمازيغية، مكانة مهمّة في هذه الذاكرة، فيقول: “اللغة هي التي تؤسّس الهوية، والعبرية لغة الصلاة، التي لا يعرف معظَم اليهود المُصَلّين معاني الصّلوات التي يؤدّونَها بها، وكان يجب أن يشرحها لهم أحد بالعربية الدّارجة حتى يفهموها. ولم يبدأ الحديثُ بالعبرية في البلاد إلا مع صهاينة بالمغرب، وانطلاقا من اللحظة التي أعادت فيها الدولة الإسرائيلية إحياء العبرية بشكل حديث، في حين كان الأساس هو العربية الدّارجة، والأمازيغية”.

وعُرِفَ إدمون عمران المالح، طيلة حياته، بمواقفه المساندة بقوّة للقضيّة الفلسطينية والمعارِضة بشدّة للدولة الإسرائيلية، ونُقِلَ عنه بشكل واسع قوله: “خَلْقُ إسرائيل خيانة لليهودية”، كما عُرِفَ بكتاباته الأدبية، التي كان أوّل ما نشر منها “المجرى الثابت”، سنة 1980، ثمّ “أيلان أو ليل الحكي”، و”ألف عام بيوم واحد”، والعديد من المؤلَّفات الأخرى، وصولا إلى آخرها “رسائل إلى نفسي”، وهو العمل الذي نُشِر سنة وفاته؛ كما عُرِفَ بكتاباته النّقديّة حول الأعمال التشكيلية المغربية المعاصِرَة، فكتب عن أعمال فنّانين من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر: أحمد القاسمي، وأحمد الشرقاوي، وفنّانه وصديقه المقرَّب خليل الغريب.

وبعد حياة مديدة وحافلة، انطلقت بمدينة آسفي عام 1917، نَافَحَ فيها عن المغرب، وذاكرته، وإبداعه، وتعدّده، وإنسانية الإنسان، أسلم الحاج إدمون روحه إلى بارئها، في اليوم الخامس عشر من شهر نونبر سنة 2010، ودُفِنَ بمدينة الصويرة، بمقبرة عبريّة توقَّفَ الدّفن فيها منذ أزيد من قرن، فيها شاهدٌ يُقرَأ فيه اسم إدمون عمران المالح، بلغات أربع، هي: العربية، والعبرية، والأمازيغية، والفرنسية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • Vrais
    الإثنين 25 نونبر 2019 - 07:36

    لم سمعت اي مفكر و لا أديب في فترة الاستعمار يدافع عن ثقافة و حياة الامازيغ في الجبال وعن حالتهم الاجتماعية و صعوبتهم مع الطقس
    الوطني الحر يكون مع مواطن بلده و مشاكل بلده بدون اي فرق و لا عرق

  • حسن القنيطري
    الإثنين 25 نونبر 2019 - 07:48

    نحمدُ الله تعالى ،لأننا نعيش في وطنٍ جميلٍ آمِنٍ مع شعبٍ متسامِحٍ طيّبٍ ،وتحت رايةٍ تنفرِجُ النفس لرؤيتها وفي مملكةِ المغرب الرائعة..عاش الشعبُ المغربيُّ الشجاعُ وعاش الملكُ .

  • غي دايز
    الإثنين 25 نونبر 2019 - 08:12

    اليهود الذين يرفضون إسرائيل و يناصرون الفلسطينيين إما أنهم أصوليون (=سلفيون) ينتظرون قدوم المسيح قبل العودة إلى فلسطين (كطائفة النوتيرا كارتا)، و إما شيوعيون غير متدينين و هو حال أغلب المناضلين المغاربة الشرفاء كبراهام السرفاتي، عمران المالح، يعقوب كوهين و سيون أسيدون.

  • moha
    الإثنين 25 نونبر 2019 - 08:29

    الله يرحم ويوسع عليه وينقعنا يعلمه

  • خالد كندا
    الإثنين 25 نونبر 2019 - 11:21

    السلام عليك يا اخي او اختي vrais 1.
    اعتقد ان سياق الحديث يقتضي أن نتكلم عن المغرب بشتى أطيافه لا عن أمازيغ وريافة وبعدة وزعير و…و! نحن في زمن يجمع الناس لا للفرقة والقبلية. لانه في النهاية سينتهي بك الحال للانفصال والتفكير ذاته منطقيا ستتناسل من بني جلدتك جماعات أخرى تتبنى الفكر ذاته. لتكون النتيجة في النهاية ما تراه في الأقليات. فاركن واحمد الله لكونك تنعم مع اخوتك المغاربة أجمعين.

  • شمس أكتوبر
    الإثنين 25 نونبر 2019 - 11:25

    الأمازيغ يرحلون بكثافة للعمل في السعودية وقطر والامارات العربية .ولا يذهبون لاسرائيل الدولة الديمقراطية و المتقدمة من أجل العمل والعيش والبحث عن مستقبل أفضل الى جنب أخوانهم اليهود

  • Lhou
    الإثنين 25 نونبر 2019 - 11:52

    Dès qu'on parle des Marocains de confession juive, on souligne et on ajoute qu'ils sont pour la Palestine et contre l'Etat hebreu. Ce n'est pas honnette ni ethique de proceder de cette façon car la citoyenneté ne doit jamais être conditionele. Elle est ou elle n'est pas. Et merci

  • احمد
    الإثنين 25 نونبر 2019 - 13:03

    في المغرب لا يوجد هناك يهود، هناك مغاربة يدينون بالاسلام و اليهودية يتحدثون الامازيغية و العربية. المغاربة الذين يدينون اليهودية اغلبهم امازيغ اعتنقوا اليهودية بعد قدوم بعض اليهود من فلسطين مئتي سنة قبل الميلاد و المغاربة الذين يتحدثون الدارجة هم كذلك امازيغ تبنوا العربية بعد قدوم بعض القبائل العربية زمن القحط و الجفاف.
    اذن المغاربة اثنيا امازيغ اغلبهم يدينون بالاسلام و الاقلية باليهودية.

  • Ahmed Hafid
    الإثنين 25 نونبر 2019 - 13:04

    Ceux qui l'ont eu comme prof de philo au lycée Mohamed V reconnaissent en lui un grand monsieur qui s'est solidarisé avec ses élèves lors de la répression sanglante des manifs de mars 1965. Repose en paix

  • صبري سعيد
    الإثنين 25 نونبر 2019 - 14:38

    لمادالم نرى جماعة حصرية او وزارة او جامعة الو ملتقى يسمي احدالشوارع اوالمدرجاتاو المهرجانات باسم هذا الرجل العضيم

صوت وصورة
مبادرة "رفاه الحيوان"
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:57

مبادرة "رفاه الحيوان"

صوت وصورة
الصحراء والدبلوماسية الملكية
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:07 1

الصحراء والدبلوماسية الملكية

صوت وصورة
عروض التبوريدة تفتتح موسم طانطان
الأحد 1 نونبر 2026 - 01:24

عروض التبوريدة تفتتح موسم طانطان

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | موعد الحسم
السبت 31 أكتوبر 2026 - 22:00 2

أبعاد استراتيجية | موعد الحسم

صوت وصورة
منتخب قصار القامة يستعد للمونديال
السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:37

منتخب قصار القامة يستعد للمونديال

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة