"ديوان المائدة" ـ8ـ .. طاجين "الجلبانة والقوق" فخر المطبخ المغربي

"ديوان المائدة" ـ8ـ .. طاجين "الجلبانة والقوق" فخر المطبخ المغربي
السبت 2 ماي 2020 - 18:00

في شهر رمضان الكريم ينسحب الطعام من الموائد في النهار، فيعوّض نفسه بأكثر من صورة، وحيثما أمكنه أن يفعل.

وهكذا تنبعث وصفات من الراديو، وبرامج تُبث على القنوات التلفزية، وصفحات خاصة بمختلف “الشهيوات” تنشرها الجرائد والمجلات، وصور لأطباق شهية تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، كما أن الطعام بات موضوعا يثار في المكالمات الهاتفية بين الأهل والأحباب..

ولا يعود هذا الطعام إلى نفسه من جديد إلّا بحلول مائدة الإفطار في الشهر الفضيل.

جريدة هسبريس الإلكترونية ارتأت أن تتحف قراءها خلال شهر رمضان المبارك بحلقات من كتاب “ديوان المائدة” للشاعر والكاتب المغربي المتألق سعد سرحان، وهو يقدم صورا غير مألوفة للطعام .. شهية طيبة:

المائدة 8

ذات صيف جمعتني مأدبة غداء بطبيب أنغولي. الدكتور الذي درس بالمغرب وفتح له عيادة بمدينة فاس لم يستطع أن يتمالك إطراءه أمام المائدة الكريمة، فجعل يعدد مزايا المطبخ المغربي ويثني على ثرائه… مع توالي الأطباق كان مطبخنا يقترب شيئا فشيئا من البوديوم، وما إن حل طبق الفاكهة حتى نصَّب الدكتور المطبخ المغربي ثالثا بعد المطبخين الفرنسي والصيني.

الرتبة المشرِّفة أشاعت جوّا من الرضا حول المائدة، خصوصا وأنها صادرة عن دكتور في الطب الباطني. أما أنا فقد أخذتني العزة بالأكل فجعلت أحشد الدلائل للدفع بمطبخنا إلى الصدارة.

هكذا، قاطعت الدكتور منبِّها إلى أن المعايير التي اعتمدها أو اعتمدتها مصادره، تظل غير منصفة طالما أنها لم تستحضر عامليْ العدد والعدة. ولو أنها فعلت لجاء مطبخنا في الصدارة وبفارق واضح. فمن حيث العدد لا يشكل المغاربة سوى نصف عدد الفرنسيين فيما يشكل الصينيون للمغاربة أربعين ضعفا.

أما من جهة العدة، فتكفي الإشارة إلى أن المغاربة شيّدوا صرح مطبخهم بمصادر محدودة، فهم يستبعدون النطيحة والمتردية ولحم الخنزير والزواحف والحشرات والهوام وخشاش الأرض وغير قليل من بنات الهواء. أما السمك فمجرد إشاعة بحرية تتردد رائحتها بين الفينة والأخرى في هذا المطبخ أو ذاك… وتلك حكاية أخرى نسجت على نول الشباك الذكية التي سارت بحمولاتها أساطيل الريع.

أعترف الآن، وبعد مرور سنوات على تلك المأدبة، بأنني كنت ثرثارًا مع صديقنا الأنغولي. فكما أن ذكر اسم مارادونا يُغْني عن تدبيج صفحات في مدح كرة القدم الأرجنتينية، وذكر اسم اينشتاين يُعْفي من أيِّ تمجيد للعبقرية الألمانية، فإن المطبخ المغربي لم يكن يحتاج مني سوى ذكر طاجين اللحم بالجلبانة والقوق ليتّضح الفرق بينه وبين مطابخ مرموقة تقدم أطباقا من الصراصير والضفادع وسكان الجحور… فاللحم هو مجمع الشهوات. والجلبانة (البازلاء) أقرب إلى الأحجار الكريمة منها إلى فصيلة الفوليّات، ذلك أن السِّنْفة منها أشبه ما تكون بمحارة برية ما إن تفتح حتى تفترّ عن رفٍّ من اللؤلؤ الأخضر.

فلو لم يكن الإنسان قد عبَّد لها الطريق إلى الأطباق، لكانت قد وجدت لها سبيلا إلى المعاصم والأعناق، تماما كما حدث مع أغصان الغار حين تحولت قديما إلى أكاليل. أما القوق (الأرضي شوكي)، فالحبّة منه زهرة كثيفة تعشش فوق تاج الثمرة، تاج تحميه البَتَلات السميكة التي تحضن بعضها فلا تتفتح الزهرة أبدًا أو تتفتح بعد فوات الأوان: لكأن القوق يثمر قبل أن يزهر.

قبل مدة استضافت القناة الفرنسية M6 في برنامجها المعروف “عشاء أقرب إلى الإنجاز” وزير الثقافة فريدريك ميتران الذي لم يجد من طبق، للاحتفاء بضيوفه الأربعة ومتابعي البرنامج، أشهى من طاجين الدجاج بالزيتون الأخضر والليمون المصبّر.

وهو الطبق الذي لا بد أن معظمهم اعتبروه من صميم المطبخ الفرنسي، إذ مَنْ غير معالي الوزير أشدّ حرصا على ثقافة البلد وضمنها الطبخ طبعا؟ فرنسا حريصة على صورتها أمام العالم، لذلك، فهي لا تتردد في استعارة لمعانها من مستعمراتها القديمة وفسيفساء مهاجريها.

ولنا فقط أن نذكر عشوائيا هذه القائمة القصيرة: زين الدين زيدان، عبد اللطيف بنعزي، إميل سيوران، شارل أزنافور، اللحم بالجلبانة، جمال الدبوز، يانيك نوا، يوجين يونيسكو، جاد المالح، الكسكس، كريم بنزيمة، سافو، دجوركاييف…

لا أعرف ما إذا كان صديقنا الأنغولي قد شاهد تلك الحلقة من البرنامج، لكنه يشاهد، لا شك، بعض مواطني قارته السمراء وهم يبدعون في ملاعب فرنسا ويصنعون مجد أنديتها، وهو بذلك يقاسمنا نفس الشعور. ولعل الشعور بالفخر والفرح الذي انتابني حين فازت فرنسا بكأس العالم في كرة القدم بتشكيلة إفريقية وعميد جزائري هو نفسه الذي يعتريني إزاء المطبخ الفرنسي وهو يتقدَّم مطابخ العالم معزَّزا بغير قليل من الأطباق المغربية.

وأخيرا، هل هي المصادفة وحدها ما جعل طبيبا أنغوليا يُصنِّف مطبخنا في المرتبة الثالثة بالنسبة لمطابخ العالم التي يتقدَّمها المطبخ الفرنسي، فيما وضع الفرنسيون سنة (2011) أيقونة الطبخ المغربي (الكسكس) في المرتبة الثالثة ضمن أطباقهم المفضلة؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

22
  • الغرباوي
    السبت 2 ماي 2020 - 18:12

    يجب عدم نشر مثل هذه الأكلات وغيرها،ارحموا الناس منهم المحتاجين ومنهم الفقراء ومنهم الأيتام ومنهم الأرامل،ومنهم من لا يلقي ما يفطر به،ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

  • لطفك يا الله
    السبت 2 ماي 2020 - 18:25

    انجاز عظيم ما شاء الله………………

  • Reda
    السبت 2 ماي 2020 - 18:36

    كاين لي ما لاقي ما يكل بقا ليه غي الجلبانه و القوق

  • البجوق
    السبت 2 ماي 2020 - 18:41

    الاثمان في السوق تنوض ليك القوق وتحس براسك مشقوق وجيبك مخنوق ماتفهم واش نتا تحت او الفوق مع صحاب البيض او البرقوق

  • حسن المهاحر العالق في المغرب
    السبت 2 ماي 2020 - 18:41

    شكرا للاخ العرباوي صاحب التعليق رقم 6
    صحيح لا تظهروا مثل هذه المواءد لان بالفعل هناك من لا يجد ما يأكل او يعاني ظروف صعبة خصوصا إبان كرونا ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء

  • Yas
    السبت 2 ماي 2020 - 18:45

    اللهم اني صائم : ) مقال كا يشهي و الصورة كا تشهي كتر

  • اسية
    السبت 2 ماي 2020 - 19:05

    الطواجن بحال هادو نقارضو مكاين غير لكرتان بلبطاطا مصلوقة
    والفروماج والبيشاميل

  • الدغمي
    السبت 2 ماي 2020 - 19:11

    الدول القوية تستمد قوتها من العلم و الإقتصاد و الصناعة و التكنولوجيا..أما الدول الهشة فتفتخر بالطبخ والفخار و الطعريجة و الرياضة و الفن.. و كل الاشياء الثانوية فهنيئا لنا بهذا الإفتخار الذي سيؤدي بنا الى التقدم و الإزدهار

  • حمو
    السبت 2 ماي 2020 - 19:12

    أعترف الآن، وبعد مرور سنوات على تلك المأدبة، بأنني كنت ثرثارًا مع صديقنا الأنغولي.
    كلا لم تكن ثرثارا. ما ذكرت الا الحقيقة. شكرا لك ولهسبريس.
    أذكر أن أمي حفظها الله وجميع الأمهات كانت تطهو في الحماس وهو قدر من طين الحريره وسمك وادي أم الربيع من الفجر الى وقت الغداء حتى يصبح السمك مفتتا دون أن ننسى البغرير في الفراح وهو من طين والمسمن كذلك وزد عليه المل خبزة تطهى في الفراح مغطى بقصديرة وهي قاع القعده وتدنو النار من تحت الفراح وفوقه والنار عبارة عن حطب أو ما شابه.
    ليس الطبخ للأغنياء. إنما يصنعه الدراويش ويتذوقه الأغنياء والفقراء
    حفظ الله أمهاتكم ورحم الغائبات الحاضرات

  • صيار
    السبت 2 ماي 2020 - 19:15

    دخل جحا على قوم فوجدهم باكلون فسالهم ما نوع الطعام الذي تاكلونه فاجابوه سما فدس يده في الطعام وقال لهم الموت من بعدكم حرام

  • تحفة في وقت غير مناسب
    السبت 2 ماي 2020 - 19:18

    كنت اتمنى ان أقرأ باهتمام "ديوان المائدة " التي اعتبرها دراسة قيمة تدخل في إطار ثراتنا وحضارتنا خصوصا ان المغرب يحتل الرتب الأولى عن جدارة واستحقاق في هذا الميدان
    لكنني أرى من وجهة نظر متواضعة انها جاءت في وقت غير مناسب وظروف صعبة يمر بها المواطن المغربي خاصة الفقير الذي لا يفكر الا فيما يسد به رمقه…وهذا لا يقدح في قيمة ما جاء في ديوان المائدة ولا شخص كاتبه

  • دوار ايت إمي
    السبت 2 ماي 2020 - 19:19

    الله أكثر شهاويكم وزيد في طواجنكم ، راحنا غير على گد الحال حدنا خمسين درهم فالنهار ، ماقدرين على قوق في رمضان المكرم . شوفو ليكم شي ماكلات ديال الگاميلا ب بطاطا والنزيتون ولا خيزو واللفت والگرعة وماطيشا .واش حنا تنقبدو مليون ، حنا غير بوڥريا . تحية صائم .

  • Max
    السبت 2 ماي 2020 - 19:42

    الطاجين و ضنجية و كسكس من اختراع الأمازيغ منذ الأزل و هو دائما في ثقافة و الأعراف و التقليد الأمازيغ .

    كل الأكل بدون قلي في زيت فهو صحي و نافع لصحة الإنسان.

  • ADAM
    السبت 2 ماي 2020 - 20:07

    من ينتقد المقال فهو جاهل بالأدب الذي يٌبتغى منه اللذة الفكرية وليست اللذة الكرشية، لذا فالدكتور في القانون يجرنا بأسلوبه الشيق إلى اقتفاء أثر بعض العادات والتي نظن بأنها عادية في حين أنها تمثل حضارة لشعب لا يتقن قراءة ماضيه إلا ما نكس على عيشه بخزعبلات القرون الوسطى.
    تابع يا دكتور على نفس المنوال، نحن ننتظر المزيد منك مشكورا.

  • خاليد
    السبت 2 ماي 2020 - 20:32

    وتحاولو علينا رحنا غا علي قد الحال راه ك نشوفو بعيونا مباصح غا شفنا طجين بحال كلينا

  • مول البراد
    السبت 2 ماي 2020 - 20:39

    هل الإفطار على الخبز والشاي صحي في رمضان؟
    يا صاحب الطواجين، أما علمت ما فعلته الأزمة بأهل بلدك؟ تعدد علينا الشهوات… فمن له القدرة اليوم حتى أن ينظر إلى الجلبانة أو إلى القوق في السوق فكيف يتخيلها ممددة في طاجين في موكب اللحم أو الدجاج. راه الخبز والشاي وما لقيناهس

  • الماين
    السبت 2 ماي 2020 - 21:19

    للناس لي كينتاقدو المقال.. راه كاملين على قد الحال ولكن ما فيها عيب الإنسان يقرأ على أكلات بلاده بطريقة قصصية.. وهي ليست دعوة للأكل

  • الاذواق تتختلف
    السبت 2 ماي 2020 - 21:27

    الخفافيش المقلية والزرمومية المشوية في زمان كورونا والاكل الصيني رقم 2 نكذب عليك السي س س .. الاكل الصيني ماتيعجبنيش اما الفرنسي من غير حلوة لاكريم او الباكيت والكرواصة اللي هي الهلال الاسلامي وصلت كما يقولو ن عن طريق العثمانيين لاوربا مثل القهوة واتفننو فيها الفرنسيين والايطاليين اما المطبخ المغربي رقم 1 بالنسبة ليا واللي ماشرى ينزه المغاربة وماتحرموناش من هذه الموائد الشهية / شكرا السي س س

  • لمي
    السبت 2 ماي 2020 - 22:43

    تبارك الله و الصلاة على النبي. مغاربة و نفتخر .

  • Abdelghani
    الأحد 3 ماي 2020 - 04:43

    ويبقئ مطبخ عبدة اسفي من اروع والذ وافخم المطابخ المغربي والعالمية,ماكولات مطبخ اسفي لها مذاق وروعة في الطبخ لاتوصف.وكذالك مطابخ المملكة باكملها لها ذوق وجودة الا الطنجية فهي عدوة لذوذة لجسمي.

  • Abdelilah
    الأحد 3 ماي 2020 - 08:25

    Pour le commentaire BJOUK
    C'est génial

  • sim
    الأحد 3 ماي 2020 - 12:52

    قد لا أتفق مع المعلق 8 الدمغي في بعض الأشياء.
    لكن الطبخ يبقى أحد معايير تقدم وازدهار البلدان. هو مجال يعرف ازدهارا باهرا تحت اسم فن الطبخ المعروف باسم ( la gastronomie ) يدخل فيه حتى علم الأحياء وبعض الفنون الإبداعية الديكور.
    مشكلتنا نحن المسلمون، إننا جامدون في كل المجالات ونكتفي بما اخترعه لنا أجدادنا ونتفاخر به أمام العالم (الطاجين الكسكس احسن الاكل)وووو، مثل السياسة الرجوع إلى السلف الصالح الإسلام هو الحل.
    نعيش الجمود والانحطاط ونحن نظن اننا فعلا في ارتقاء.
    الكسكس مؤكولة مشهورة عالميا غير أن طريقة اكلها عندنا تعطي صورة كان المغربي لا يزال انسان بدائي بطريقة تجمعنا بإعداد كبيرة على الكصعة والاكل بالأيدي……..
    المهم رمضان مبارك للمؤمنين وشهية طيبة للفاطرين في خفاء.
    مهمة هذه الكلمة في خفاء
    حيث لا تستفز الصائم ولا تزعزع عقيدته تزعزعا.

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك