في شهر رمضان الكريم ينسحب الطعام من الموائد في النهار، فيعوّض نفسه بأكثر من صورة، وحيثما أمكنه أن يفعل.
وهكذا تنبعث وصفات من الراديو، وبرامج تُبث على القنوات التلفزية، وصفحات خاصة بمختلف “الشهيوات” تنشرها الجرائد والمجلات، وصور لأطباق شهية تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، كما أن الطعام بات موضوعا يثار في المكالمات الهاتفية بين الأهل والأحباب..
ولا يعود هذا الطعام إلى نفسه من جديد إلّا بحلول مائدة الإفطار في الشهر الفضيل.
جريدة هسبريس الإلكترونية ارتأت أن تتحف قراءها خلال شهر رمضان المبارك بحلقات من كتاب “ديوان المائدة” للشاعر والكاتب المغربي المتألق سعد سرحان، وهو يقدم صورا غير مألوفة للطعام .. شهية طيبة:
المائدة 9
لقد بات بَاوْلُو خلال عقود فقط أحد أشهر معالم مدينة مراكش، مع أن صوره لا تجوب العالم مثلما تفعل صور الكُتُبِيّة والمنارة وساحة جامع الفنا… ولعل الفضل في ذلك لا يعود إلى لذته الغريبة فقط، وإنما أيضا إلى رصيده الكبير من الالتباس، فهو اسم الأكلة وصاحبها والمكان الذي تقدم فيه.
أما الثمن، ثمن الوجبة الزهيد، فهو عبارة عن خليط من علامتيْ الاستفهام والتعجب لا تفسير لهما سوى التناسب العكسي الذي بين اللذة وسِعرها في قاع المجتمع، حيث يستطيع البعض إعداد العدم (وليس العدس) بالتوابل القوية فيما يقدر آخرون على تهيئ وجبة من الجوع المُمَلَّح كما لو نِكاية في هيمنغواي (حتى وهم لم يسمعوا به قط) وفي نظريته عن الوجبة التي كلها ملح.
النطيحة والعجفاء والمتردية وما عاف البياطرة المكلّفون بمراقبة مجازر المدينة ونواحيها من أكباد ورئات موبوءة ولحم مَسْلول وخِلافِه مما يجب أن ينتهي إلى تلك الصهاريج المُعدَّة لإتلافه بالأحماض المناسبة…
كل ذلك وغيره لا يعدم من يعبِّد له الطرق إلى مطاعم الهواء الطلق، حيث نار الله الموقدة تحوِّل اللحم من الدرجة العاشرة إلى لحم من الدرجة الصفر، بعد أن تكون قد عقَّمته من الأمراض والعافية معا.
فالنار هي العافية منذ “آخر الدواء الكي” حتى سَقْط المجازر الذي يقدمه باولو وأضرابه هريئا مريئا إلى زبناء لا يحمدون الله على شيء أكثر مما يحمدونه عليه. ذلك أن شِباك الروائح التي تطلقها هذه المطاعم الرياضية، إنما هي وصلات إشهارية مجانية غالبا ما تعود بصيد أكيد فاغر شهيته: فالأنف يعشق قبل اللسان أحيانا.
وإذا كان باولو هو الوجه المكشوف للذة اللحم المطبوخ، فإن لِلَّحم الحيِّ وجوهًا ملثمة تسعى بلذته في الساحة… وجوهًا لا تظهر منها سوى العيون الفاحشة التي تستعين على اصطياد ضحاياها بالاكتحال، لعلها العيون التي كانت وراء ظهور المثل المعروف: عيون البائع تعرف عيون الشاري.
صاحبات هذه الوجوه لا يصرِّحن بأسمائهن الحقيقية، وهن يقدِّمن للزبناء وجبات لها قواسم مشتركة كثيرة مع وجبات باولو، ليس بدءًا بركاكة اللحم وليس انتهاء بالصحون التي تغسل على عجل بين زبون وآخر… إنهن، باختصار شديد، توائم باولو.
لذلك سنطلق عليهن جميعا اسم باولا. أما الصغيرات منهن والمتغنجات فلهن أن يتحرَّكن باسم باوليتا، ليس تدليلا لأنفسهن فقط، وإنما رفعًا من شأن الزبون…
لقد نشأ باولو في الشارع وفي الشارع ترعرع حتى صار ذائع الصيت والمذاق لدى زوار المدينة من جهات الأرض. ومع ذلك، فالمطبخ المغربي لا يُدْرجه ضمن قوائمه، فهو ليس طَبَقًا عائليّا يحضر الأعراس والمآتم… إِذْ أيّ امرأة هاته التي ترضى أن تكون باولا كُنّةً لها؟
توفر الساحة لبسطائها الأكل العشوائي مُمَثّلًا في باولو، والجنس غير المهيكل ممثلا في باولا، والفرجة شبه المجانية في حلقات الهواء الطلق، والمبيت الرخيص في فندقHachara-Inn ، وبذلك يكون باولو من رابع الممكنات بالنسبة لمواطن وجد نفسه يعيش الزهد الاضطراري. فشكرا للغة، لسحرها الذي يرفع عاليًا الواقعَ الذي لا يرتفع.
قلّما يتعرّف الزبون أيَّ لحم يتناول عند باولو ولا من أي شِلْوٍ تمَّ اقتطاعه، فلذة اللحم تشفع لأصله والتباسه الذي لا يضاهيه سوى التباس ما في تلك القِدْر التي يغمس فيها صاحبنا خبز الزبون فإذا هو شاطر ومشطور وبينهما كامخ.
وليس صحيحًا أن باولو يقدم لزبنائه خبز القمح ولحم الضروع، وإلا لكان قد أتى منذ زمان على الزرع والضرع. وحتى إذا كان يفعل، فمع قلة منهم، تماما كما يحدث مع هذه الباولا أو تلك الباوليتا… ليس لأنهن حرائر يَجُعن ولا يأكلن بأثدائهن، وإنما لأن زبناء الأزقة المعتمة والأسرة غير المطمئنة يُقْبِلون بكل جوعهم على الطبق بكامخه.
لقد كان باولو غُفْلًا، نصًا غذائيّا بلا عنوان. ومرة طلب منه زبناء فرنسيون أن يناولهم ماء، ولأنه لم يفهم مُرادهم، فقد تطوّع أحد المراكشيين لمساعدته: باولو، مازجا بين لغة مراكش واللغة الفرنسية إرضاء للطرفين. ومنذ تلك اللحظة التاريخية أصبح “بَاوْl’eau” هو باولو موضوع هذه الورقة.
إنه إذن ليس اسما لاتينيا يزكي عالمية الساحة، ساحة جامع الفنا. إنه ابن مراكشيٍّ وفرنسيةٍ يحمل من أبيه فصاحة الدليل ومن أمه سلطة اللغة.
…
…
في ساحة جامع الفنا، باولو يؤنث.
في ساحة جامع الفنا، باولو يُعوَّل عليه.
الله سعد سرحان لقد استمتع بمقالك
لقد جعلت من باولو بطلا يهرب منه الجميع ويريد رأيته
الحميد واني لم أره قط ولم أغمس أصابعي لأني من مدينة الرباط
شكرا
وجبة باولو الشهيرة .. ديك الشهيرة غازولها ههه اول مرة اسمع بالحكاية بالوجبة..
مائدة تقل عن سابقاتها.. املنا في القادم..منها
تبارك الله عليك و على الاسلوب الراقي ديالك .
إلى كاتب النص رغم أنك تهكمت على الأكلة أكثر من وصفك وتعريفك بها. وأكلت باولو أكلة قديمة أخدها المراكشيون عن اليهود وكانت عبارة عن أحشاء الخروف أو العجل أو الرأس أو صرع البقرة مطبوخ في الماء مع الملح فقط وفي بعض الأحيان يضاف الكمون وقد كانوا يسمونها بالفرنسية les abats à l'eau يعني أحشاء الخروف مطبوخة في الماء و مع صعوبة نطق هذه الكلمة بالاضافة إلى اللكنة المراكسية اصبحت les abats à l'eau تنطق باولو
شكرا هسبريس
والله لقد اشتقنا لجامع الفنا في رمضان. فالإفطار فيها خلال هذا الجو الرمضاني له متعة كبرى وأكل باولو كعشاء في رمضان يجعلك تنسى السحور ولا تتذكر الأكل الا في الفطور الموالي. لكن ماذا تفعل لكورونا وقانا الله وإياكم شرها؟
ديما خبيزتي في الطاقة … وديما مرقتي فالطاوة … وديما نمشي هاني … لا ثقة في عتيقة او باولو او باولا ولا حتى باوليتا … الاكل ثقافة وليس فقط شبعة شكرا استاذ المزيد المزيد .. الاذواق تختلف
جربت اكلها أن واصدقاءي في ساحة جامع الفنا ،فكنا نتناوب على المرحاض من شدة الاسهال كادت ان تسبب لنا تسمم غذاءي ،فكرهت هاته الاكلة إلى الابد،فما حال السياح الذين يأكلون في هاته الساحة،؟؟
فعلًا، باولو من أشهر أكلات الشارع، ويعرف ذلك كل من سبق له أن زار مراكش من المغاربة والأجانب. ولو كان لها أصل في البيوت، بيوت الأمازيغ او العرب أو الوندال… لكانت تُعَدّ في البيوت حتى يوم الناس هذا.
في مراكش ظهرت مؤخّرًا أكلة يقال لها "خبزة مجنونة"، ستظل في الشارع هي الأخرى كما نشأت فيه.
هنالك كتاب قيم عن مطبخ الشارع،وكتاب عن الأتاي، وغيرهما لمن أراد أن يقرأ.
نتمنى أن يكتب الناس عن أكلات مدنهم لإغناء الطبخ والأدب.
شكراً للكاتب على هذا المقال ،شخصياً أتحاشى الأكل خارج البيت ، ولم يسبق لي قط أن أكلت بجامع الفنا، فقط مرة واحدة شربت عصير ليمون فرضته حرارة شهر غشت عند توقفي بمدينة مراكش لما كنت متوجهاً لأكادير.
نظافة أكل جامع الفنا مشكوك فيها ، من خلال معاينة الصحون والملاعق والكؤوس والطاولة وحتى أظافر البائع والريق المتناثر من فمه وهو يتكلم لأن جلهم يُحضر للزبون وجبته وهو يقوم بعملية إشهار شفوي لبضاعته وحديثه بصوت مرتفع يتم بمقربة من الأكل المعروض للبيع .
كخلاصة لا آكل في جامع الفنا لأنه رغم المراقبة التي تقوم بها السلطات هناك الكثير من التجاوزات .
أسي مصطفى مابقا ليك غير تگول مراكش كامل خدناه عن اليهود( لايهود الشمال ولا الشرق لم يكونوا يعرفون هذا النوع من الطبخ ) . ماعلاقة أولائك بأكلات المغاربة المسلمين التي تعود الى مئات السنين .كثير من المأكولات المراكشية تعود الى العائلات الاندلسية (مسلمين ويهود ) التي استقرت بالمدينة في العهد المرابطي . أما باولو أو خليط اللحم المسلوق بالظبط هي أكلة السكان الملونين الأصليين للمغرب بامتياز .
سلمت يداك استاذنا العزيز سرحان، ما احوجنا هذه الايام لمقالات كهذا خصوصا في هذه الفترة العصيبة.
فعلا مقال في مستوى مدينة عالمية، مدينة مصنفة عالميا ضمن اكثر المدن امنا و امانا.
هذه طينة من الكتاب او الصحافيين التي تشرف مراكش استعدادا لمواجهة هذه الجائحة بعد رفع الحضر ان شاء الله تعالى.
رغم حبي و اعتزازي بمدينتي مراكش فاني لا انصح الناس بأكل اشياء لا
–
يعرف مراحل طبخها و لا من طبخها ايها الاخوة المعدة بيت الداء و لا يغركم
–
الطعام المعروض بالشوارع و الساحات حتى لو كان اسم الساحة ساحة جامع
–
الفناء
–
تحياتي
ارى انك تهكمت على الاكلة و سخرت منها اكثر من تعريفها و وصفها و وصف مصدرها المغلوط (سقط المريض أو نطيحة ….)تهكمك لا علاقة له كمراكشي يحب هذه الاكلة ف باولو عبارة عن امعاء و ضرع و لسان العجل و يمكن اضافة لحم راس الغنم او العجل
وللاضافة نسيت كلمة المفتاح قبل باولو خانز او بنين