حرية الفكر وقبول رأي الآخر سبيل تطور الحضارات

حرية الفكر وقبول رأي الآخر سبيل تطور الحضارات
الإثنين 4 ماي 2020 - 17:10

للكتاب قدره والمصير كالإنسان.

وكم من كتاب أسهم في تغيير العالم أو بعض العالم، أو غير قوانين بلد لتصبح القوانين تؤنسن حياة الإنسان ولا تسمح باستغلال أقلية منه للأغلبية. وكم من كتاب دجن الفكر، وزرع التوكل وبذور موت الإرادة.

أما قرأ أبراهام لنكولن رواية “كوخ العم طوم” للمبدعة الأمريكية هنرييت بيشتر ستو، وتأثر بما قرأ، وامتلك الشجاعة لتغيير قانون العبودية، وصاغ قانون تحرير العبيد؟ أما قال الكبير عباس العقاد عن الروائي الكبير سومرست موم “لو التقيت سومرست موم لحييتُه تحية عميقة ثم لبصقتُ في وجهه”؟ لأن موم روائي عظيم، ولكن في مواقفه ما لا يرتفع به إلى كتاباته التي ما تزال تنير العصر وتضيء المستقبل وتحرض الناس على مزيد من التخطي والتجاوز!

قبل خمس سنوات، توصل أنور مجيد برسالة موجزة من المترجم التركي، عباس كركايا، يخبره فيها أنه سيترجم كتابه “دعوة إلى الزندقة”، ويسأله عما إذا صدرت ترجمة للكتاب إلى اللغة التركية، ويضيف قائلا: “أحببت كتابك كثيرًا وأعتقد اعتقادا راسخا أنه سيكون الأكثر قراءة في السياق التركي المعاصر”. وأخبرته دار النشر التركية أنها اشترت حقوق الترجمة من منشورات “جامعة مينيسوتا” الأمريكية.

قبل اثني عشر عاما صدر كتاب “دعوة إلى الزندقة”، موضوع الترجمة، لأنور مجيد.

يكشف كتاب “دعوة إلى الزندقة” أرضية مشتركة غير واضحة المعالم ولا مطروقة في واحدة من أكثر القضايا إثارة للقلق في القرن الحادي والعشرين: الصراع العميق بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة. وإذا ما وضعنا جانبا الإجابات السريعة والتبسيطية، نكتشف مع أنور مجيد أن العالم الإسلامي والولايات المتحدة في حالة من التراجع السريع لأن لكل منهما عقيدة أرثدوكسية: دينية وسياسية واقتصادية أسكتت أصوات أكثر مفكريهما إبداعاً -أصحاب النظريات غير المتطرفة، والثوار الذين غالباً ما يتم رفض كتاباتهم بل معاقبتهم أحيانا باعتبارهم يمثلون “زندقة فكرية”.

ويناقش الكاتب بنوع من الاستفاضة أمر كون الولايات المتحدة والإسلام المعاصر يتقاسمان من الأشياء أكثر بكثير مما يعترف به الطرفان معا، وأن “صدام الحضارات” هو في الواقع صراع بين الأصوليات المتنافسة. ويوضح الكاتب هذه النقطة عبر تناول أوجه تشابه لافتة للنظر بين تاريخ وثقافات كل من الإسلام والولايات المتحدة وقمعهما لفترة قصيرة “فكر الزندقة”، كما مثله بعض الشعراء والفلاسفة المسلمين مثل المعري، وابن رشد، وأبي بكر الرازي والفارابي، وتوماس باين، وتوماس جيفرسون، وأبراهام لنكولن الأمريكيين. إنه يجد مفارقة مريرة في حقيقة أن الثقافة الإسلامية هي الآن في حالة حرب مع أمة تتراجع مُثُلها وتتقهقر أمام القوى الرجعية التي تحكم على الإسلام بالركود لفترة طويلة.

ويخلص مجيد إلى أن الحل يكمن في إحياء المعارضة التي طال انتظارها. ذلك أن “الزندقة الفكرية” لم تعد رفاهية، بل إن الحل يكمن في تشجيع تقليد فكري ملتزم وتقدمي، وهو ما يمكن الأمم من أن توقف مسلسل انحدارها وتراجعها، والعمل أخيرًا يدا في يد من أجل تحقيق العدالة الإنسانية عبر بقاع العالم، والصالح العام لأبناء البشرية جمعاء.

نشر الكتاب قبيل الانتخابات المحلية التركية، ولاقى رواجا بين النخبة المعارضة، وفقد أردوغان السيطرة على مدينة إسطنبول للمرة الثانية، بعد أن ادعى حدوث مخالفات خلال دورة مارس من السنة الماضية (2019). يومها كتب مترجم الكتاب، عباس كركايا إلى المؤلف، أنور مجيد، رسالة مما جاء فيها: “لقد فزنا، وفازت الديمقراطية… إنها ضربة قاضية وجهت للديكتاتور أردوغان.

إننا الآن نحن نعيش لحظات تاريخية.

إيمانك بتركيا لم يخذلك. يجب أن تكون فخوراً بالجزء الأخير مما كتبته في المقدمة الخاصة بالنسخة التركية.

تحيات الأمل، تحيات تنتشي من الفرح من إسطنبول”.

وقد قصد المترجم “بالجزء الأخير مما كتبته في المقدمة الخاصة بالنسخة التركية”، الفقرة الأخيرة من المقدمة الخاصة بالترجمة التركية، وتقول كلماتها:

“هل القادة الأتراك، بتاريخهم العظيم ومؤسساتهم، على استعداد لإعطاء معنى جديد لمفهوم الاجتهاد وفتح أبواب جديدة تؤدي إلى معارف جديدة وإلى اكتشاف الذات؟ هل يمتلكون من الشجاعة ما يكفي لمحاكاة الفلاسفة العظام، مثل ابن الرواندي، والرازي، ومساعدة العقول الحرة على وضع العقائد الدينية موضع سؤال؟ هل هم من القوة بما يكفي للسماح للآخرين بالتفكير والعيش بشكل مختلف؟ هل ستسمح تركيا بميلاد جيل جديد من الزنادقة، من رجال ونساء مستعدين للتفكير خارج الإطار القديم للتقاليد وتخيل إمكانيات جديدة للمسلمين المحبطين منذ زمن طويل؟

آمل بصدق ذلك. العالم كله ينتظر”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • الأرض البراح .
    الإثنين 4 ماي 2020 - 22:45

    الضغط والزخم يحدث الفارق وما يبدو الآن مجرد إرهاصات هو في الحقيقة شرارة نور سوف تعلو وسوف تتمدد . شباب اليوم أذكى من شباب الأمس وما كنت تقطع المسافات الطوال بحثا عنه أصبح الآن في متناولك بضغة وكتابة عنوان ..❤

  • خرافات الجداث
    الثلاثاء 5 ماي 2020 - 10:53

    حركة التاريخ ليست خطية ،بل النكوصات قانونها الاساسي ،بناء كيان سياسي و اقتصادي ممكن، كيان سرمدي هدا اكثر من المثاليات ،البناء يكون دائما من الفاعدة للقمة ،انها الثورات هناك من يبدأ من القمة ،نقول عنه بالانقلاب ، مثل عبد الناصر ،او اثاتورك ،و هناك من يزاوج بين تغيير في القمة و القاعدة داك اصلاح وهو الخيار الثالت او ابادة تلك حرب اهلية ،نعود الى اتاتورك ،هل ثورته او انقلابه ،رقيا تركيا الى الحداثة؟ دساتير اتاتورك سابقة على الزمن الاقتصادي و الثقافي للاتراك ،انها تحديث لتركيا بالقوة ،اتاتورك كانت غايته حرق المراحل و اللحاق باوروبا،و تلك ليست غاية ع الناصر. تلك اختيارات خاطئة فتركيا لان عادت لتاسلم الحداثة مع اردوغان اي تسائل على مستوى القاعدة اختيارات اتاتورك ،انها تعيش مخاضها قد تنجح او ترسب.تحالف اردوغان مع الاخوان ( برامجهم ايضا انقلابية و نكوصية الانتخابات في عرفهم قوانين واجراءات تقسيم الارث السياسي) فمقارنة اتاتورك بعبد الناصر.و مؤازرة مصر لعسكر ليبيا.هي اخطاء قاتلة لهما جميعا ،و تلك هي حدود الانقلابات او التغيير من القمة عند اتاتورك او عبد الناصر

  • فزاز
    الثلاثاء 5 ماي 2020 - 12:00

    لقد لعب أتاتورك دورا تاريخيا في إدخال تركيا إلى العصر الحديث . ورغم ما يقال فإن مختلف السياسيين يخضعون لمباديء العلمانية التركية وما التطور الحضاري والاقتصادي في تركيا إلا دليل على نجاعة إصلاحات أتاتورك ومن جاء بعده.

صوت وصورة
عروض التبوريدة تفتتح موسم طانطان
الأحد 1 نونبر 2026 - 01:24

عروض التبوريدة تفتتح موسم طانطان

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | موعد الحسم
السبت 31 أكتوبر 2026 - 22:00

أبعاد استراتيجية | موعد الحسم

صوت وصورة
منتخب قصار القامة يستعد للمونديال
السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:37

منتخب قصار القامة يستعد للمونديال

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء