خساراتُنا المتكررة

خساراتُنا المتكررة
السبت 21 دجنبر 2013 - 10:47

لماذا يخسر المغرب كل مرة، وبشكل متواتر ومجاني أحيانا، العديد من الرهانات والاستحقاقات والمواقع وأشكال الحضور في العديد من المواقع والمحافل والتظاهرات والمنظمات والهيئات الإقليمية والعربية والدولية ؟

قد يبدو هذا السؤال ــ بالنسبة للبعض ــ فيه الكثير من الإجحاف في حق المغرب كبلد يجر وراءه تاريخا حافلا أيضا بالكثير من الأمجاد والانتصارات، يتجاوز الإثنى عشر قرنا من التواجد في الزمن وفي الجغرافيا. لكن مبررات هذا السؤال تأتي كذلك من قوة هذا التواجد، ومن العديد من الانكسارات التي عرفها المغرب عبر تاريخه الحديث والمعاصر، في الداخل والخارج على حد سواء، أو أن المغاربة راهنا ــ على الأصح ــ ملٌوا من الهزائم وأصبحوا مشتاقين، بل في أمس الحاجة، إلى انتصارات حقيقية على الفقر والجهل والظلم والفساد في الداخل، وإلى مواقع ومكاسب متقدمة يستحقونها في الخارج كذلك، بالنظر إلى مؤهلاتهم الجغرافية والبشرية والثقافية والعلمية وغيرها، وانخراط أجياله الجديدة ــ تحديدا ــ في إنجازات المشروع الحضاري والثقافي الكوني، إن توفرت لهم سبل الدعم وبعض الإمكانات والظروف ؟

وحتى نَفهم جيدا ضرورة وحُرقة هذا السؤال وتداعياته على الزمن المغربي بكل مَشاهده ومكوناته، لا بد من استحضار بعض الأمثلة ــ على الأقل ــ كي نكون على بَيِّنة من أمرنا كمغاربة، ونعمل مستقبلا على إيجاد جواب مقنع وموضوعي لهذا السؤال، ثم تفادي تكرار هاته الهزائم والخيبات والانكسارات : خسِرنا رهان استضافة وتنظيم تظاهرة ” كأس العالم ” لكرة القدم لأربع مرات .. لم نربح بعد رهان التنزيل السليم والفعال لمقتضيات وبنود الدستور ” الجديد ” للمملكة، والتأسيس لتحول أو لنموذج ديمقراطي حقيقي ( قبل ” الحراك السياسي ” العربي وبعده ) يُفضي إلى فرز نُخب سياسية حقيقية، وحكومات حقيقية، وسياسات حقيقية تضمن للمواطن المغربي العدالة الاجتماعية والاقتصادية والحق في العيش الكريم والمساواة في الواجبات وفي الحقوق .. خسرنا أو ما زلنا نخسر ــ بسبب ارتباك وقصور اشتغال وطبيعة آلة دبلوماسية مغربية ” معطوبة ” ــ العديد من المواقف والمواقع التي تخص قضيتنا الوطنية الأولى ( الصحراء المغربية ) والترويج لصورة المغرب وتسويقها كما ينبغي في المحافل والأروقة السياسية والدبلوماسية الدولية، في مواجهة اللوبيات والنزعات والتيارات الانفصالية والمعادية لمصالح المغرب هنا وهناك ..

ولوضع اليد مباشرة على الجرح، يكفي أن نتوقف قليلا عند آخر مثال يجسد جزءا من المعضلة أو من خسارات المغرب المتكررة : فقدان المملكة أو تفويت فرصة حصولها في ظروف مريبة على موقع مهم في ” المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ” ( الألكسو )، من خلال منصب مدير ” إدارة الثقافة “. هو المنصب الذي رَشّحتْ له ” اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم ” الدكتور ” مراد الريفي ” ( الباحث في الأنثربولوجيا الاجتماعية )، والذي انتُدِب لولايتين لشغل مهمة مقرر اللجنة الدائمة للثقافة العربية التابعة للألكسو. وباعتبار الأستاذ ” الريفي ” كان هو المرشح الوحيد الذي أجرى مقابلة مع المدير العام للمنظمة، انتهت بإخباره بالاستعداد للالتحاق بالمنصب، فوجئ الجميع بمصادقة المجلس التنفيذي للألكسو المنعقد بالبحرين بتاريخ 26 و 27 نونبر 2013 على تعيين تونسية متعاقدة مع الألكسو في المنصب. ولعل المثير في الأمر هو خرق مبدأ المحاصصة الذي ينص على توزيع المناصب الإدارية الأولى بين الدول، إذ بالإضافة إلى مدير أول تونسي بالمنظمة، صادق المجلس التنفيذي على مدير أول تونسي آخر في منصب مدير الاتصال والمعلومات، ومديرة أولى تونسية كذلك في منصب مدير الثقافة، في الوقت الذي كان فيه الجميع ينتظر حصول المملكة المغربية على هذا المنصب، مما رفع عدد المدراء بهاته المنظمة إلى ثلاث مدراء من تونس وحدها، هذا دون احتساب احتضان دولة تونس لمقر المنظمة.

وعوض انتظار الجواب من تونس أو البحرين، يكون الأمر كما السؤال ــ هنا ــ في حاجة إلى توضيح وإلى جواب مقْنِع من طرف الجهاز أو القطاع المعني بهذا الملف في الدولة المغربية عن سبب هاته الخسارة، انطلاقا من وزيرنا في الثقافة إلى ” رفيقه ” في الخارجية. ذلك فقط من أجل فهم تعامل المملكة المغربية مع غياب الاعتبار الواضح لمكانتها داخل هاته المنظمة الحيوية وغيرها في آخر المطاف ؟

* شاعر وكاتب وناقد فني مغربي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • بهاء
    السبت 21 دجنبر 2013 - 20:50

    " قد يبدو هذا السؤال ــ بالنسبة للبعض ــ فيه الكثير من الإجحاف في حق المغرب كبلد يجر وراءه تاريخا حافلا أيضا بالكثير من الأمجاد والانتصارات، يتجاوز الإثنى عشر قرنا من التواجد في الزمن وفي الجغرافيا"
    !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

  • sifao
    الأحد 22 دجنبر 2013 - 09:18

    "يتجاوز الإثنى عشر قرنا من التواجد في الزمن وفي الجغرافيا " مثل هكذا أقوال ، ايضا ، هي التي تجعل المغرب يخسر الرهانات ، ماذا نقول عن الانسان العادي اذا كان الشعراء والكتاب والنقاد يكذبون على انفسهم وعلى تاريخ بلادهم ، الحضارة المغربية اقدم من ذلك بكثير ، ما عليك الا ان تعترف ، اما الحقيقة فلا تُخطئها العين .

  • ned
    الإثنين 23 دجنبر 2013 - 01:10

    sifao

    ["يتجاوز الإثنى عشر قرنا من التواجد في الزمن وفي الجغرافيا " مثل هكذا أقوال ، ايضا ، هي التي تجعل المغرب يخسر الرهانات ، ماذا نقول عن الانسان العادي اذا كان الشعراء والكتاب والنقاد يكذبون على انفسهم وعلى تاريخ بلادهم ، الحضارة المغربية اقدم من ذلك بكثير ، ما عليك الا ان تعترف ، اما الحقيقة فلا تُخطئها العين .]

    —————————————

    لم أجد في تاريخ المغرب ماقبل الفتح الإسلامي إلا آحتلال مستمر لاينتهي.

    950 سنة من الوجود البونيقي. 600 سنة من الإحتلال الروماني. 100 سنة من الإحتلال الوندالي. 200 سنة من الإحتلال البيزنطي.

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك