8 شتنبر .. "السيناريو الأقل سوءا"؟

8 شتنبر .. "السيناريو الأقل سوءا"؟
صورة: أرشيف
الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 00:04

كثرت التقييمات التي تحاول حصر أسباب النتائج التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية في انتخابات الثامن من شتنبر 2021 في ما هو ذاتي، وفي أضعف الحالات باعتباره العامل الحاسم فيها، والتأصيل لها بالآية الكريمة “قل هو من عند أنفسكم”! وكما أنه من الظلم تفسير تلك النتائج فقط بالعوامل الذاتية، فمن الجهالة الكبيرة محاولة نفي حضورها. لكن الأهم اليوم هو الخروج من “فخ” محاولة تغليب هذه العوامل على تلك أو العكس، لأي هدف من الأهداف، للتمكن من فهمها واستيعاب دروسها.

من الناحية العلمية، تطورات الظواهر السياسية أو الاجتماعية لا يطرأ فيها انكسار فجائي وغير متوقع إلا بظهور عوامل جديدة شديدة التأثير، وغير متوقعة أيضا. وفي حالة حزب العدالة والتنمية، نجد التطور الطبيعي لأدائه الانتخابي يجعله حزبا صاعدا لم يصل بعد مرحلة الإشباع والاستقرار التي تليها مرحلة التراجع. فقد بدأ مشواره الانتخابي سنة 1997 بحصوله على 14 مقعدا في مجلس النواب، وفي تشريعيات 2002 حصل على 42 مقعدا، وفي تشريعيات 2007 حصل على 46 مقعدا، وفي تشريعيات 2011 حصل على 107 مقاعد، وفي تشريعيات 2016 حصل على 125 مقعدا، لكن فجأة يحصل في تشريعيات 2021 على 13 مقعدا فقط. لا يجد أي منصف بدا في البحث عن طبيعة العوامل التي كسرت تطور حزب “المصباح” ليتحول بين عشية وضحاها إلى حزب قزم!

الطبيعي في تراجع الأحزاب السياسية نتيجة تراجع شعبيتها، أو نتيجة ضعف أدائها التنظيمي والانتخابي، هو أن يتم وفق تدرج منطقي يعكس تطور تلك الأسباب، ولا تقع انكسارات إلا إذا ارتكب الحزب جرائم فساد أو أخطاء جسيمة كانت موضوع رأي عام جعله منبوذا يستحق العقاب. ومن الناحية الذاتية، إذا وقع في الحزب انشقاق تنظيمي وتصارعت التيارات فيه حول استمالة الناخبين مما نفرهم، أو لم يشارك الحزب نهائيا في الحملة الانتخابية، وغير ذلك مما يمكن أن يفسر بشكل منطقي أي تراجع كبير في الأداء الانتخابي للحزب. لكنننا اليوم أمام ظاهرة غريبة تتمثل في “القفزة الحرة” لحزب “المصباح” في هواء نتائج الانتخابات، فكيف نفسر تراجعه فجأة بما يقارب 90 بالمائة؟

لا يسعف تحليل العوامل الداخلية والعوامل الخارجية التقليدية في تفسير “الاندحار الانتخابي” لحزب “المصباح”. فإذا كانت طبيعة الأشياء تفرض تفاعل ما هو موضوعي وذاتي في تطور الأداء الانتخابي لأي حزب سياسي، فالمفارقة الكبيرة في هذا الأمر أن الحزب دبر ترؤس الحكومة لولايتين بحصيلة مقبولة على أقل تقدير، ولم يسجل عليه في التدبير الحكومي ولا في تدبير كبريات المدن والجماعات أي ملف فساد، وبقي متماسكا من الناحية التنظيمية، وغطى جميع الدوائر الانتخابية التشريعية، وشارك بحملة انتخابية نظيفة مقبولة على أقل تقدير في كل تلك الدوائر. ومع كل هذا إذا افترضنا جدلا أن هناك تراجعا غير محسوس في شعبية الحزب، وضعفا في أدائه الانتخابي، فإن ذلك لا يمكن أن يترجم بالانكسار الفج الذي تقهقرت به نتائجه، وسيكون من المتقبل حصوله على 40 مقعدا مثلا. لكن المفارقة التي تخرج أيضا تلك النتائج عن طبيعة الأشياء هي أنه يحدث هذا لحزب “المصباح”، في الوقت الذي شهدت فيه نتائج جميع الأحزاب المشاركة له في التدبير تطورا نحو الأفضل، وبعضها بطفرات غير مفهومة أيضا، مما يعزز تدخل عوامل غير طبيعية وقوية حسمت درجة السقوط وحجمه!

ما أشرنا إليه بالعوامل غير الطبيعية، هل يتعلق بالاستجابة لمطلب الأحزاب المتعلق بضرورة “التداول” أو “النوبة”؟

هذا الاعتبار حاضر من دون شك، بالنظر إلى وجود مؤشرات عن “عوامل أفقية” قوية، مثل تحالف جميع الأحزاب، بعضها مكرها، ضد حزب “المصباح” في تمرير تعديلات قانونية هدفها الوحيد فرض تراجع حجمه الانتخابي. وتسجيل اختلالات خطيرة ذات طبيعة خاصة تمس نزاهة الانتخابات، كشفتها بعض المضامين التي تروج في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي بلاغات بعض الأحزاب والمنظمات، استهدفت حزب “المصباح”، مثل الحياد السلبي للسلطة تجاه الانتشار الفج لاستعمال المال في جميع مستويات المسلسل الانتخابي، وتضخم اللوائح الانتخابية بالأسماء المكررة، والسماح بالتصويت بنسخ البطاقة الوطنية، وعدم تسليم محاضر التصويت، وغيرها. لكن هذا الاعتبار لا يفسر بدوره ما تعرض له وجود الحزب في المؤسسات المنتخبة من عملية هي أقرب إلى الاستئصال منها إلى مجرد إعادة ترتيبه في المشهد الحزبي بما يسمح لتلك الأحزاب بـ “التداول”.

هل ينبغي إغفال العوامل المتعلقة بتراجع الديمقراطية في العالم والتطورات السياسية الإقليمية، خاصة التي تستهدف أحزاب “الإسلام السياسي”؟ من جهة أولى، الذي أكدته التجارب الانتخابية لعدة دول كبرى هو أن العمليات الانتخابية أصبحت اليوم غير محصنة من التدخل الأجنبي، خاصة المتعلقة بالتلاعب بالرأي العام وتوجيه الناخبين. ولا يستبعد أن تكون التجربة المغربية ضحية ذلك التلاعب، خاصة أن المغرب صد سابقا، خلال سنة 2015، محاولة توجيه السياسة التحريرية لكبريات المؤسسات الإعلامية ضد حزب العدالة والتنمية من طرف دولة أجنبية. وتشير عدة تقارير متخصصة إلى وجود مواقع إلكترونية ممولة من الدولة نفسها. ومن جهة ثانية، النتائج التي حصل عليها حزب “المصباح”، والحجم الذي تعطيه له في المؤسسات المنتخبة، والتي تجعله فجأة خارج دائرة القرار السياسي والتشريعي، تعزز فرضية اعتبارها “السيناريو الأقل سوءا”، وفق المنطق العام الذي يحكم تدبير دول المنطقة لملف أحزاب “الإسلام السياسي”. وإذا صحت هذه الفرضية، فهي تعني “تدبير لايت” للملف بالمغرب، وهو ما يعني أن الذي تم في نهاية المطاف هو نوع من “الحماية السياسية” لحزب يعلم هو قبل غيره بوجود تلك الضغوطات الخارجية القوية التي ترجو استئصاله الكلي.

إن ما سبق، وكيفما كانت العوامل الخارجية المتدخلة في حسم نتائج الحزب الانتخابية، يؤكد أن على حزب العدالة والتنمية الوعي العميق بطبيعة المرحلة، واستيعاب الدرس بما يساعده في تدبير مرحلة انتقالية تفرض عليه الحفاظ على تماسكه الداخلي بدرجة أولى، والقيام بالمراجعات الضرورية التي تتطلبها، والعمل بذكاء من أجل مواصلة رسالته في بيئة معقدة.

ويمكن القول إنه في إطار الوضعية السياسية التي يوجد فيها حزب “المصباح” اليوم، ستكون مسؤولية “استئصاله النهائي” من عدمه مسؤولية مدى وعيه وقدرته الذاتية في تدبير تناقضاته الداخلية بما يمنعها من دفعه إلى الوقوع في الهاوية من الحافة التي وضع فيها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • Amaghrabi
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 09:01

    صراحة انا اعتقد ان الاحزاب الوطنية يجب ان تكون مغربية ولا دخل للدين والعرق في شأنها وبالتالي هي احزاب مغربية تحترم اللغات الوطنية والعقائدالوطنية المختلفة والخصوصيات الجهوية لا فرق بين عربي امازيغي حساني عبري مسلم يهودي سني شيعي وووو,وبالتالي فالفصل بين السياسي والروحي امر واجب وحضر الحزب الذي يدعي المرجعية الدينية امر واجب وبالتالي فالسياسة شيئ والدين والايمان شيئ اخر ولكل واحد مجاله .كثر الكلام على سقوط العدالة والتنمية وهو في الحقيقة غريب امر طلوعه المفاجئ وغريب كذلك امر سقوطه المدوي والمفاجئ كذلك وبالتالي فظهوره كاقوى حزب بين عشية وضحاها وقاد الحكومة لولايتين كاملتين امر يحتاج الى بحيث عميق لان هاذه الظاهرة غير واردة في كبار الديموقراطيات العالمية وبالتالي فالطلوع الى قمة الحكم والسقوط الى اسفل الحكم حالة تحير بمعنى ان الامر مدبر ليلا اما من طرف الدولة العميقة واما مدبر من طرف الاحزاب المنافسة واما مدبر من السخط الشعبي العريض والذي لم يابى الا معاقبة هذا العنصر الدخيل في السياسة المغربية والمستغل للعقيدة الاسلامية السامية والصافية والتي تغذي ارواح الشعب المغربي المسالم والوطني وال

  • envers
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 13:18

    هذه الهزيمة المدوية هي نتيجة تراكم لمدة عقد من الزمان لم يلتقط فيها الحزب أي إشارة لأن سكرات الانتصار أغرته! الإشارات جاءت من حجم الاعتراض المدني و المظاهرات في الولاية الأولى لبنكيران ثم تعمقت في الولاية الثانية خاصة مع ظهور بنكيران مرات عدة و هو المسخوط عليه شعبيا! إذا تحدثتم عن العوامل الخارجية فلا تنسوا أن العوامل الخارجية هي التي أوصلتكم للسلطة لا العوامل الداخلية و أضيف عاملا آخر و هو أن الأحداث أربكت قيادات حزبية عديدة لم تحسن التعامل معها على رأسها الحزب الذي حل ثانيا و لولا بعض الأخطاء القاتلة لقيادته السابقة لكان اليوم في السلطة من 10سنوات مع ما يعنيه ذلك من تقدم نحو الأحسن

  • التفسير الأرجح
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 14:56

    هو ما جاء في الفقرات الاخيرة من مقال الأستاذ المحترم. فلولا الحماية الملكية وتبصر و فطنة النظام المغربي، لكان مصير الحزب الإخواني المغربي مثل مصير الاحزاب الاخوانية في الجزائر 1991 و بعد الربيع في مصر ثم حاليا في تونس و كذلك ميليشياتهم في ليبيا و سوريا . لقد تم استغلال صعود الاخوان لاثارة الاضطرابات و الانقسانات في البلدان العربية لاضعافها لصالح الاعداء. ولقد قام الناخب المغربي بمهمة إخراج الاخوان من القيادة بأسلوب حضاري ديموقراطي و رجع بهم سالمين الى قواعدهم في حزب الخطيب.

  • samira
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 16:43

    من يتكلم عن سخط شعبي و عقاب انتخابي اما جاهل أو يحاول استغباء الناس لأنه لو كان الأمر كدلك لما اقتصر الأمر على حزب العدالة والتنمية الدي كان تدبيره و تسييره مقبولا لحد ما في مختلف الوزارات او الجهات أن ترى منتخبين محكومين بملفات فساد وضربوا بالحجارة لشبهة فسادهم يفوزون باكتساح فقط لأنهم ليسوا بيجيديون وآخرون لم يثبت عليهم شيئا بل حاولوا الاصلاح ما أمكن خسروا فقط لأنهم بيجيديون الأمر يدعو ليس للحيرة و لكن للآستغراب من فجر و جرأة طباخي الانتخابات الأخيرة و عن قيمة صوت المواطن المغربي في المعترك السياسي سواء انتخب أو قاطع أو باع صوته

  • ومضة الاحتراق
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 18:07

    تحليل جيد، نعم لفكرة الانهيار الناعم التي يتمحور حولها التحليل، لكنني اعتبرها من تدبير القدر، ولا أرى فيها ضلوعا للدولة، عكس ما قد يظنه البعض، لسبب وجيه أن في انهيار حزب المصباح خسارة للدولة وأسى، وومضة يمكن قراءتها على أنها إشارة على أن الدولة هي المستهدفة من خلال احتراق المصباح، إن خصوم الشعب الحقيقيون لهم حزب الحمامة، إنني أرى في إرجاء عقابهم الانتخابي وبالا أشد وأمر مما نزل بحزب المصباح، شريكه وحليفه في التنزيل القهري لتوصيات المؤسسات المالية الدولية، والتي أغرقت المغرب في الديون حتى بات رهنا بين يديها، لقد سيقت الحمامة الزرقاء من حيث لم تحتسب إلى منخفض جوي في عرض بحر الغضب الشعبي، إنها تذكرني بزرقاء اليمامة، وهو اسم لشخصية عربية جاهلية حادة البصر، أطلقه الراحل الحسن الثاني على أول قمر اصطناعي مغربي من صنع ألماني، وبخصوص حديث الساعة عن تشكيل الحكومة الجديدة، فإن التمعن في تاريخ رئاسة الحكومة ليلمع بأن رئاسة الحكومة مقبرة لغزاتها، من تولاها انتهى أمره.

صوت وصورة
منتخب قصار القامة يستعد للمونديال
السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:37

منتخب قصار القامة يستعد للمونديال

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36 1

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية