الامتلاك أو الوجود لـ"إيريك فروم".. هل هناك من بديل عن الكارثة؟

الامتلاك أو الوجود لـ"إيريك فروم".. هل هناك من بديل عن الكارثة؟
الجمعة 16 أبريل 2021 - 05:30

انتهى وَهمُ تطويع الطبيعة لتمنح البشر السعادة والمال والحرية، حين أصبح الشغف بالاستهلاك والشهرة والقوة هو الموضوع المسيطر على الحياة، ولمّا غدت المتعة في تلبية الرغبات والامتلاك السّمة التي تطبع المجتمعات، فإنّ الإنسان المعاصر لم يعد باستطاعته فهم روح مجتمع لا يتأسّس على الجشع.

يحمل التقدّم الصناعي والاقتصادي والتقني في طيّاته مخاطر قد تقضي على الحضارة الإنسانية، لأنّ تحكّمه في تفكير ومشاعر وذوق الإنسان قد يجعل هذا الأخير لا إنسانيا. لقد صنعت التغيّرات الاجتماعية إنسانا جديداً ومجتمعا جديداً. وتغيّر الطبع المجتمعي المُشجّع على الأنانية الذاتية التي تقود إلى الصّراع الطبقي اللاّنهائي. وإذا فضّل المرء نفسه وغدت الأنانية أساساً من الأسس الأخلاقية، سُفّه البشر وسُلبت منه القدرة على اتباع مصلحته الحقيقية.

يقدّم بعض الأشخاص الذاتيين وأيضا السياسيين، نظرياً، تدابير ناجعة لتجنّب الكارثة، لكنهم ربما لم يشغّلوا في الوضع المتأزّم الحالي أهمّ وأكبر غريزة، وهي غريزة حب البقاء، ولم يقوموا بأيّ شيء يذكر لتجنّب الخطر المحدق بالإنسان. فهل هناك من بديل عن الكارثة؟

ناقش المفكر والمحلّل النفسي الألماني إيريك فروم هذه الأفكار وغيرها في آخرِ كتابٍ ألّفه قبل وفاته في نهاية سبعينيات القرن الماضي. ويعدّ نجاح كتابه المذكور والمعنون بـ”الامتلاك أو الوجود” والذي عَرف رواجا قياسيا منذ نشره عام 1976 وإلى حدود يومنا هذا، دليلاً على الحاجة الماسّة إلى الفكر لمحاولة تجاوز الوضع الحالي في العالم. فما وصل إليه الإنسان اليوم هو حضارة تشجّع على هدم الإنسان لذاته بذاته، وإذا لم يعِ هذا الأمر ويتحرّر من الإكراهات البدنية والنفسية والاجتماعية ومن استهلاكه الأعمى لكلّ ما يساهم في تبليده، وإذا لم يمر إلى مرحلة جديدة في تطوّره ليصبح عاقلا لا مالكا لأشياء تملكه، فإنه منقرض لا محالة.

تطلّبت ترجمة كتاب “الامتلاك أو الوجود” (جداول 2019) إلى اللغة العربية، من المترجم والباحث المغربي حميد لشهب أكثر من سنتين عكف خلالها على الاهتمام بالوفاء للترجمة والتزام الحياد العلمي ووضع أسئلة ملحة على كلّ وارث شرعي لتركة فروم الفكرية. فهذا الكتاب المهم الذي يعدّ عُصارة فِكر فروم يحمل رسالة عظمى تفتح أفقا شاسعا لوعي القارئ وتستوجب تسليمها له بكل أمانة.

ميّز فروم في الجزء الأول من الكتاب بين الامتلاك والوجود، متسائلاً كيف يمكن أن يكون هناك اختيار بين الامتلاك والوجود في حضارة هدفها الأسمى الامتلاك أكثر فأكثر محدّدة قيمة الفرد بالمادة، ليبدو وكأن جوهر الوجود هو الامتلاك، ومن لا يملك شيئا لا يساوي شيئا؟! فالامتلاك والوجود أساسا نمطان مختلفان للتجربة الإنسانية، وقوة كلّ واحد على حدة هي التي تحدّد الاختلافات بين طباع الأفراد وبين الطباع الاجتماعية المغايرة.

يتأسّس المجتمع على ركائز ثلاث، الملكية الخاصة والربح والسلطة، إنه مجتمع موجّه نحو الربح كأساس لنمط الحياة الامتلاكي. يذهب فروم في تحليله للفروق الأساسية بين نمط الحياة الامتلاكي والوجودي في الجزء الثاني من كتاب “الامتلاك أو الوجود”، إلى توضيح المبدأ الشائع في هذا المجال وهو: “ليس من حق أيّ كان أن يسألني أين وكيف حصلت على ما أملكه أو ماذا أعمل به. إنّ حقي في هذا الإطار غير محدود ومطلق، ما دمت لا أقوم بشيء ضد القانون”. لكن حسب فروم فإن الأغلبية الساحقة لا تملك أيّ شيء، وهنا يطرح السؤال العويص، المتمثل في كيفية تطوير البشر الذين ليس لهم مِلك لشغف الحصول على مِلكٍ ما والمحافظة عليه؟ كيف يمكنهم الشعور بأنهم مالكون من دون أن يكون لهم مِلك؟

يرى فروم بأن غالبية الناس تعرف الكثير عن نمط الحياة الامتلاكي مقارنة بنظيره الوجودي، وذلك لارتباط الامتلاك بالأشياء والوجود بالتجربة، فالبنية أو التركيب السيكولوجي للشخصية متفرّدة ويستحيل فيها التماثل بين كائن وغيره، مع استحالة الإحاطة بالفعل السلوكي الواحد. يصل المرء إلى الوجود حين يفهمه عبر إزاحة القناع وتجاوز القشور وبلوغ الحقيقة.

يسمّي فروم نتيجة التفاعل بين الأساس النفسي الفردي والأساس السوسيو-اقتصادي بالطبع المجتمعي، وهو الذي يمنح النظام الاجتماعي استقرارا، كما قد يقدّم مادة متفجرة تقضي عليه.

يلخّص إيريك فروم في الجزء الثالث من الكتاب، استنتاجات الفلاسفة والمنظرين في ما يخصّ الوضع الراهن للعالم. فالكوكب اكتظّ بالسكان وتعسّرت إمكانيات البشرية في إنتاج ما يكفيها من الغذاء، ولم يعد بالإمكان إيقاف تلوّث البيئة وارتفع احتمال ظهور أوبئة قاتلة في العالم واندلاع الحروب. وكلّ هذا قد يؤدي في الأخير إلى القضاء على الحضارة، بل محو الإنسان من على وجه الأرض.

وضع فروم في الجزأين الرابع والخامس شروطاً بإمكانها دفع التوجّه الامتلاكي إلى التراجع لصالح نظيره الوجودي، وبالتالي إنقاذ الإنسانية من كارثة نفسية واقتصادية. مؤكداً على اقتناعه بأنه في الإمكان أن يتغير طبع الإنسان بالفعل، إذا توافرت تلك الشروط المتمثّلة في وعيه هذا العناء والتعرّف على أسبابه والتطلّع إلى إمكانية تجاوزه وفهم لزوم اكتساب معايير سلوكية محددة وتغيير طريقة عيشه الحالية. ستكون النتيجة بناء مجتمع جديد تتجلّى الخطوة الحاسمة لبلوغه في توجيه الإنتاج الصناعي إلى “استهلاك صحي وعقلاني”.

*كاتبة وإعلامية مغربية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • ADAM
    الجمعة 16 أبريل 2021 - 07:50

    نرى أن الإنسان يتطور إلى ما هو أسوأ مع توالي السنين، الأنانية الفردية، الأنانية الطبقية(الفرق الكبير بين الغني والفقير، الغني يزيد غنى والفقير يزيد فقرا وبؤسا) والأنانية الدولية، وهذه الأخيرة تجلت بوضوح عند ضهور جائحة كورونا حيث أن الدول التي تمتلك مفتاح الخروج من الجائحة(اللقاح) لا تفكر إلا في مواطنيها عوض تظافر جهود كل الدول كونظومة واحدة للظفر بلقاح متاح للجميع عكس ما نراه اليوم.

  • محمد بلحسن
    الجمعة 16 أبريل 2021 - 09:17

    لابد من أنسنة مناهج تدبير الأوراش التنموية والصفقات العمومية حتى يستطيع التقدّم التكنولوجي والفلاحي الصناعي والاقتصادي والتقني إسعاد البشرية لا تهديدها بمخاطر قد تقضي على الحضارة الإنسانية. لابد من حلول عملية تقلل من فرص التحكم في تفكير ومشاعر وذوق الإنسان لدرجة جعل هذا الأخير لا إنسانيا كما جاء في المقال.
    شكرا لكاتبة المقال على ما قدمته لنا صباح اليوم من أفكار قيمة نيرة بأسلوب ممتع ها نموذج منه “لقد صنعت التغيّرات الاجتماعية إنسانا جديداً ومجتمعا جديداً. وتغيّر الطبع المجتمعي المُشجّع على الأنانية الذاتية التي تقود إلى الصّراع الطبقي اللاّنهائي. وإذا فضّل المرء نفسه وغدت الأنانية أساساً من الأسس الأخلاقية، سُفّه البشر وسُلبت منه القدرة على اتباع مصلحته الحقيقية”. ممتاز. شكرا.

  • benha
    الجمعة 16 أبريل 2021 - 11:51

    لقد تجاوز جشع الانسان الحدود اللاءقة ، فكيف لفءة محدودة العدد من البشر ان تمتلك نسبة كبيرة من التروات في حين الباقية لا يملكون الا القليل منها ؟ فماذا عسى ان يفعل الانسان بكل هذه التروات التي يراكمها ، ويحرم منها الاخرين ، انه يراكم ويخزن ، ولا يستفيد من كل ذلك ، ولا يترك الاخرين ليستفيدوا منه ، فهو كالنملة التي تكتفي بحبة قمح كغداء لها في السنة ، الا انها تقضي حياتها كلها في الجمع والمراكمة ، وعندما تسقط الامطار ويبتل ما راكمته ، تخرجه لتنشيفه ، فتنقض عليه الطيور وتلتهمه ، علينا ان نعيد تربية النفوس على القناعة بما يكفي وترك الباقي للاخرين ، ليستفيد الجميع ، وليعيش الجميع في كرامة ولم لا في رفاهية ، يجب ان نتعود على التفكير في الاخرين كما نفكر في انفسنا او اكثر ، وبهذا سنضمن السلم والسلام بيننا وكدا المحبة والاخوة والتعايش .

  • مروان
    الجمعة 16 أبريل 2021 - 15:04

    هناك أناس عنيدون بطبعهم بلداء يتنافسون على جمع الثروات و تكديسها و غالبا بطرق ملتوية و غير واضحة …لا لغاية الا لمضاهر الترف و الجشع و لايقلقهم ما يشعر به الغير من غبن و فقر و بؤس …فقط تهافتهم المرضي على كسب المزيد من الماديات في ضل سوء توزيع الثروات . الآن و مند 2016 العالم ولأول مرة في تاريخه أصبح يستهلك أكثر ماينتج …و هده هي الكارثة الحقيقية. الدكتور الفايد يؤكد أنه علميا 200 غرام من الأكل الطبيعي كاف للتغدية في اليوم…لكن نجد أن معدل الاستهلاك الفردي اليومي في بلدنا وصل إلى 6 كيلوغرام….! إفراط ضخم…يعني ان هناك مرضى مغرورون لا يستخدمون عقولهم و لايفكرون جديا في مصيرهم … الأمور تعوصت و الفتنة ضهرت وهم مهووسون بالاشتغال لامتلاك أكبر عدد من الأشياء .

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك